.:: الرسول الأسوة صلى الله عليه وسلم ::.

أمره الله والناس والمؤمنين بالتقوى -الحلقة الخامسة

==========================================================

يأمر رب العالمين رسله جميعاً بالتقوى، فيقول سبحانه:{يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحاً إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ* وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ}(المؤمنون:51-52)
وقفت الحلقة السابقة عند أمر الله بالتقوى لنبيه محمد، صلى الله عليه وسلم، وللمؤمنين برسالته السماوية، كما جاء في الآية القرآنية التي افتتحت بها سورة الطلاق، وفي آيات قرآنية أخرى أمر أهل الكتاب بالتقوى، ووجه الله أمراً مشتركاً بها لهم وللمؤمنين في الآية (131) من سورة النساء، مما يدل على أن الوصية بالتقوى هي سنة الله مع الأمم جميعها، الماضية والحاضرة والقادمة.

أمر الله رسله، عليهم السلام، بالتقوى
لم يقتصر الأمر بالتقوى على بعض خلقه دون سواهم، بل تكرر ورود الأمر الرباني بها لخلقه جميعاً، ومنهم الرسل، عليهم السلام، كما في الآية الكريمة أعلاه، التي نبهت على أن الرسل، عليهم السلام، متفقون على التوحيد، وعلى الاتقاء من معصية الله تعالى، ويجيب الرازي عن تساؤل يتعلق بكيف يكون دين الرسل، عليهم السلام، واحداً وشرائعهم مختلفة؟ فيقول: المراد من الدين ما لا يختلفون فيه، من معرفة ذات الله تعالى وصفاته، وأما الشرائع فإن الاختلاف فيها لا يسمى اختلافاً في الدين، فكما يقال في الحائض والطاهر من النساء إن دينهن واحد، وإن افترق تكليفهما، فكذا هاهنا، ويدل على ذلك قوله تعالى:{وَأَنَاْ رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ}، فكأنه نبه بذلك على أن دين الجميع واحد فيما يتصل بمعرفة الله تعالى، واتقاء معاصيه، فلا مدخل للشرائع، وإن اختلفت في ذلك.(التفسير الكبير:23/91-92)
ويرى مفسرون أن أمم الأنبياء، عليهم السلام، مشمولة بالأمر بالتقوى في قوله تعالى:{وأنا ربكم فاتقون}، فيقول الأندلسي: "وإن كان قيل للأنبياء، فأممهم داخلون بالمعنى، ومعنى الأمة هنا الملة والشريعة، والإشارة بهذه إلى الحنيفية السمحة؛ ملة إبراهيم عليه السلام، وهو دين الإسلام".(المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز:4/146)

دعوة الأنبياء أقوامهم للتقوى
عني أنبياء الله، عليهم السلام، بالحث على التقوى، وفي القرآن الكريم شواهد عديدة دالة على هذه العناية، حيث صدرت عن الأنبياء، عليهم السلام، أوامر لأقوامهم ووصايا بالتقوى، كما كان من إبراهيم عليه السلام، حسب قوله عز وجل:{وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ}(العنكبوت:16)، وتضمنت سورة الشعراء الإخبار عن أمر عدد من الأنبياء، عليهم السلام، أقوامهم بالتقوى، فنوح، عليه السلام، حث قومه على التقوى، حسب ما جاء في قوله عز وجل:{كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ* إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلَا تَتَّقُونَ* إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ* فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ* وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ* فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ} (الشعراء:105-110)
وتكرر الإخبار القرآني عن مثل هذا الحث المتكرر على التقوى في سورة الشعراء نفسها عبر آيات متتالية منها، وذلك واضح في الآيات (123- 184)، حيث تركز الأمر بالتقوى في هذه الآيات الكريمة بصيغتين لفظيتين رئيستين، إحداهما بالأمر المباشر {فاتقوا} و{اتقوا}، وقد تكرر الأمر بالتقوى بلفظ {فاتقوا} في القرآن الكريم سبع عشرة مرة، منها ثماني مرات في سورة الشعراء وحدها، وجاء مقروناً بطلب النبي من قومه أن يطيعوه، كما أخبر القرآن عن ذلك في قوله تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ}، وتكرر ذكر هذه الآية الكريمة منسوبة إلى قول أحد الأنبياء، عليهم السلام، في ثماني آيات من سورة الشعراء، نسب في اثنتين منها إلى نوح، وذلك في الآيتين (108 و110)، ومثلهما لهود، في الآيتين (126 و131)، ومثلهما كذلك لصالح، وذلك في الآيتين (144 و150)، بينما لوط وشعيب لم ينسب إليهما الأمر بالتقوى بهذه الصيغة في الآيات المحددة من سورة الشعراء، سوى مرة واحدة للوط، وذلك في الآية (163)، ومرة لشعيب، في الآية (179).
أما الأمر بالتقوى بلفظ {واتقوا} حسب المتضمن في الآيات الكريمة المشار إليها آنفاً من سورة الشعراء، فلم يرد فيها سوى مرتين، وذلك في الآيتين (132 و184)، بينما ورد في القرآن الكريم الأمر بالتقوى على هذا النحو بما في ذلك الآيتين المشار إليها آنفاً من سورة الشعراء في (42) موضعاً، موزعة على 40 آية كريمة، حيث تكرر مرتين في كل من الآيتين (203) من سورة البقرة، و(69) من سورة الأنفال.
والصيغة الثانية من صيغ الحث على التقوى حسب ما جاء في آيات سورة الشعراء المشار إليها آنفاً، فقد جاءت بصيغة الاستفهام الإنكاري، المستثير للسامعين، ولمن وجه إليهم الخطاب: {أَلَا تَتَّقُونَ} وتكرر ذلك في خمس آيات منها، نسب التلفظ به في الآية (106) إلى نوح عليه السلام، وإلى هود في الآية (124)، وإلى صالح في الآية (142)، وإلى لوط في الآية (161)، وإلى شعيب في الآية (177)، ولم يتكرر ذكر هذه الصيغة في القرآن الكريم إلا مرة واحدة أخرى، وكان ذلك في الآية (124) من سورة الصافات.
تركيز الأنبياء، عليهم السلام، على التقوى خلال مناقشتهم الدعوية مع أقوامهم يدل على أهميتها البالغة، وأنها محك للخلق، يتميز به غثهم من سمينهم، وصالحهم من طالحهم، وهي محلها القلوب، مصداقاً لقوله صلى الله عليه وسلم:(التَّقْوَى ها هنا، وَيُشِيرُ إلى صَدْرِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ)(صحيح مسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب تحريم ظلم المسلم وخذله واحتقاره ودمه وعرضه وماله)
فهذه وقفة أخرى مع بعض مناحي الأمر الرباني بالتقوى، عسى أن ييسر الله العلي القدير متابعة الحديث عن الأمر بالتقوى، الموجه من الله للناس والمؤمنين والنبيين، وخاتمهم النبي محمدٍ، صلى الله عليه وسلم، وعلى آله الطاهرين، وأزواجه أمهات المؤمنين، وأصحابه الغر الميامين، ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين.
7 رجب 1442هـ

تاريخ النشر 2021-02-19
 دار الإفتاء الفلسطينية - القدس