.:: الرسول الأسوة صلى الله عليه وسلم ::.

أمره الله والناس والمؤمنين بالتقوى - الحلقة الأولى

==========================================================

يخاطب رب البرية رسوله محمداً، صلى الله عليه وسلم، فيقول تعالى:{يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً}(الأحزاب: 1)
فاتحة سورة الأحزاب هذه تتضمن أمراً بالتقوى، ونهياً عن طاعة الكافرين والمنافقين، ومعناهما كما يقول السعدي في تفسيره: أي يا أيها الذي منَّ الله عليه بالنبوة، واختصه بوحيه وفضله على سائر الخلق، اشكر نعمة ربك عليك، باستعمال تقواه التي أنت أولى بها من غيرك، والتي يجب عليك منها أعظم من سواك، فامتثل أوامره ونواهيه، وبلغ رسالاته، وأد إلى عباده وحيه، وابذل النصيحة للخلق، ولا يصدنك عن هذا المقصود صاد، ولا يردك عنه راد، فلا تطع كل كافر قد أظهر العداوة لله ولرسوله، ولا منافق قد أبطن التكذيب والكفر، وأظهر ضده، فهؤلاء هم الأعداء على الحقيقة، فلا تطعهم في بعض الأمور التي تنقض التقوى وتناقضها، ولا تتبع أهواءهم، فيضلوك عن الصواب.(تفسير السعدي 1/657)

الأمر بالتقوى ووجوهها
الأمر بالتقوى يعني الأمر بامتثال أمر الله، واجتناب نهيه.(أضواء البيان، 4/254)، وهي دائماً الدافع على كل خير، الرادع عن كل شر.(أضواء البيان، 8/51)
ومن أدق ما قيل في معنى التقوى، ما نسب إلى علي بن أبي طالب، رضي الله عنه، من قوله: التقوى هي الخوف من الجليل، والعمل بالتنزيل، والرضا بالقليل، والاستعداد ليوم الرحيل.(موسوعة الكلم الطيب)
وقيل: إن وجوه التقوى مختلفة؛ فمتقٍ اتقى الله بجهل، ومتقٍ اتقاه بعلم، ومتقٍ اتقاه بعجب، ومتقٍ اتقاه برؤية قيام الله تعالى على عباده، ومتقٍ اتقاه عن كل ما سواه.(تفسير السلمي، 2/18)
الرازي في تفسيره الكبير وقف عند أمر الله نبيه، صلى الله عليه وسلم، بالتقوى في هذه الآية الكريمة، وقال: الأمر بالشيء لا يكون إلا عند عدم اشتغال المأمور بالمأمور به، إذ لا يصلح أن يقال للجالس اجلس، وللساكت اسكت، والنبي، عليه السلام كان متقياً، فما الوجه فيه؟ ويجيب عن هذا التساؤل من وجهين:
أحدهما منقول، وهو أنه أُمِر بالمداومة، أي دم على ما أنت عليه، والثاني وهو معقول لطيف، وهو أن الملك يتقي منه عباده على ثلاثة أوجه، بعضهم يخاف من عقابه، وبعضهم يخاف من قطع ثوابه، وثالث يخاف من احتجابه، فالنبي لم يؤمر بالتقوى بالمعنى الأول، ولا بالمعنى الثاني، وأما الثالث فالمخلص لا يأمنه ما دام في الدنيا، وكيف والأمور الدنيوية شاغلة، والآدمي في الدنيا تارة مع الله، وأخرى مقبل على ما لا بُدّ منه، وإن كان معه الله، وإلى هذا إشارة بقوله: {إِنَّمَا أَنَاْ بَشَرٌ مّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيّ}(فصلت: 6) يعني يرفع الحجاب عني وقت الوحي، ثم أعود إليكم، كأني منكم، فالأمر بالتقوى يوجب استدامة الحضور.(التفسير الكبير 25/164 – 165)

أمر الناس بالتقوى
لأهمية التقوى أمر الله بها نبيه المختار محمداً، صلى الله عليه وسلم، وأمر بها كذلك الناس والمؤمنين، وقد تكرر أمر الناس بها في أكثر من آية قرآنية كريمة، منها في فاتحتي سورتي النساء والحج، فيقول رب العالمين: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً}(النساء:1)، ويقول عز وجل: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ}(الحج: 1)
وعند التدبر في هاتين الآيتين من سورتي النساء والحج، يظهر أن الأمر بالتقوى جاء في فاتحة كل منهما، مما يؤكد أهميتها عند الله، ولزومها لخلقه سبحانه، يقول الرازي: علل الأمر بالتقوى في هذه السورة – النساء - بما يدل على معرفة المبدأ، وهو أنه تعالى خلق الخلق من نفس واحدة، وهذا يدل على كمال قدرة الخالق، وكمال علمه، وكمال حكمته، وجلاله، وعلل الأمر بالتقوى في سورة الحج بما يدل على كمال معرفة المعاد، وهو قوله: {إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيء عَظِيمٌ}(الحج:1) فجعل صدر هاتين السورتين دلالة على معرفة المبدأ، ومعرفة المعاد، ثم قدم السورة الدالة على المبدأ، على السورة الدالة على المعاد، وتحت هذا البحث أسرار كثيرة.(التفسير الكبير، 9/129)
ففي آية النساء حديث عن خلق الناس، تصدره الأمر بالتقوى، وفيها نفسها تكرر الأمر ثانية بالتقوى بعد التذكير بأن الله خلق المأمورين -وهم الناس- من نفس واحدة، وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء، حيث أتبع هذا التذكير بالأمر بالتقوى ثانية، فقال تعالى: {وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ} ويفسر تكرار الأمر بالتقوى في الآية الكريمة، فيقول أبو السعود: تكرير للأمر، وتذكير لبعض آخر من موجبات الامتثال به، فإن سؤال بعضهم بعضاً بالله تعالى بأن يقولوا أسألك بالله، وأنشدك الله، على سبيل الاستعطاف، يقتضي الاتقاء من مخالفة أوامره ونواهيه، وتعليق الاتقاء بالاسم الجليل، لمزيد التأكيد والمبالغة في الحمل على الامتثال، بتربية المهابة، وإدخال الروعة، لوقوع التساؤل به لا بغيره من أسمائه تعالى وصفاته.
وتساءلون أصله تتساءلون، فطرحت إحدى التاءين تخفيفياً.(تفسير أبي السعود، 2/138)
فهذه وقفة مع بعض مناحي الأمر الرباني بالتقوى، عسى أن ييسر العلي القدير متابعة الوقوف عند مزيد منها، وأن يشرح الله صدورنا لهداه، وأن يلهمنا تقواه، لننال حبه سبحانه ورضاه، وحب نبيه محمد، صلى الله عليه وسلم، وعلى آله الطاهرين، وأزواجه أمهات المؤمنين، وأصحابه الغر الميامين، ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين.
9 جمادى الآخرة 1443هـ

تاريخ النشر 2021-01-22
 دار الإفتاء الفلسطينية - القدس