|
|
.:: الرسول الأسوة صلى الله عليه وسلم ::. ما ودعه الله، وما قلاه، ووجده يتيماً فآواه، وضالاً فهداه، وعائلاً فأغناه - الحلقة الأولى ========================================================== |
|
أنزل الله على رسوله، محمد بن عبد الله، صلى الله عليه وسلم، مائة وأربع عشرة سورة قرآنية، الثالثة والتسعين منها، هي سورة الضحى، التي يقول عز وجل فيها: {وَالضُّحَى* وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى* مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى* وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ الْأُولَى* وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى* أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوَى* وَوَجَدَكَ ضَالّاً فَهَدَى* وَوَجَدَكَ عَائِلاً فَأَغْنَى* فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ* وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ* وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ} (سورة الضحى) المعنى الإجمالي لسورة الضحى سورة الضحى مكية، آياتها 11، وترتيبها بالمصحف الثالثة والتسعون، نزلت بعد سورة الفجر، ويَدُورُ مِحْوَرُها حَوْلَ شَخْصِيَّةِ النَّبِيِّ الأَعْظَمِ، وَمَا حَبَاهُ الَّلهُ بِهِ مِنَ الفَضْلِ وَالإِنْعَامِ في الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ؛ لِيَشْكُرَ الَّلهَ عَلَى تِلْكَ النِّعَمِ الجَلِيلَةِ.(التعريف بسور القرآن الكريم، ص1) وقت {الضُّحَى}: هو مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ حِينَ تُشرق الشَّمْسُ. وَالضُّحَى يُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ. فَمَنْ أَنَّثَهُ ذَهَبَ إِلَى أَنَّهُ جَمْعُ ضَحْوَةٍ. وَمَنْ ذَكَّرَهُ ذَهَبَ إِلَى أَنَّهُ اسْمٌ مُفْرَدٌ جَاءَ عَلَى فِعْلٍ بِضَمٍّ فَفَتْحٍ كَصُرَدٍ وَزُفَرَ. وَهُوَ مُنْصَرِفٌ إِذَا لَمَّ تُرِدْ ضُحَى يَوْمٍ مُعَيَّنٍ بِلَا خِلَافٍ. وَإِنْ أَرَدْتَ ضُحَى يَوْمِكَ الْمُعَيَّنِ فَقِيلَ يُمْنَعُ مِنَ الصَّرْفِ كَسَحَرَ. وَقِيلَ لَا. (أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن، 4 /29) وَيذكر الشنقيطي قولاً آخر في المُرَادُ بِالضحى هُنَا، وهو النَّهَارُ كُلُّهُ، كَمَا فِي قَوْلِهِ: {أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتاً وَهُمْ نَآئِمُونَ* أَوَ أَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ* أَفَأَمِنُواْ مَكْرَ اللّهِ فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ اللّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ} (الأعراف:97-99) (أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن، 8 /554) يقسم الله بالضحى؛ لأنه سبحانه يقسم بما يشاء من مخلوقاته، أما المخلوق فلا يجوز له أن يقسم بغير خالقه، فإن القسم بغير الله شرك. {وَمَا قَلَى} يعني ما تركك أيها النبي ربك، وما أبغضك بإبطاء الوحي عنك. ولَلدَّار الآخرة خير لك من دار الدنيا، ولسوف يعطيك ربك -أيها النبي- مِن أنواع الإنعام في الآخرة، فترضى بذلك. ألم يَجِدْك من قبلُ يتيمًا، فآواك ورعاك. ووجدك لا تدري ما الكتاب ولا الإيمان، فعلَّمك ما لم تكن تعلم، ووفقك لأحسن الأعمال، ووجدك فقيرًا، فساق لك رزقك، وأغنى نفسك بالقناعة والصبر. فأما اليتيم فلا تُسِئ معاملته، وأما السائل فلا تزجره، بل أطعمه، واقض حاجته، وأما بنعمة ربك التي أسبغها عليك فتحدث بها. (التفسير الميسر، 10 /499-500 و11 /1-2) تأويلات مفصلة لمضامين سورة الضحى يذكر الماوردي أن الضُّحَى قَسَمٌ، وفيه أربعة أوجه: أحدها: أنه أول ساعة من النهار إذا ترحلت الشمس. الثاني: أنه صدر النهار. الثالث: هو طلوع الشمس. الرابع: هو ضوء النهار في اليوم كله، مأخوذ من قولهم: ضحى فلان الشمس، إذا ظهر لها. {والليلِ إذا سَجى} قَسَم ثان، وفيه خمسة تأويلات: أحدها: إذا أقبل. الثاني: إذا أظلم. الثالث: إذا استوى.الرابع: إذا ذهب. الخامس: إذا سكن الخلق فيه، مأخوذ من قولهم سجى البحر إذا سكن. وفي {وَدَّعَك} قراءتان: أحدهما: قراءة الجمهور ودّعك، بالتشديد، ومعناها: ما انقطع الوحي عنك توديعاً لك. والثانية: بالتخفيف، ومعناها: ما تركك إعراضاً عنك. {وما قلى} أي ما أبغضك. {ولَلآخرةُ خير لك مِنَ الأُولى} فيها وجهان: أحدهما: وللآخرة خير لك مما أعجبك في الدنيا. الثاني: أن مآلك في مرجعك إلى الله تعالى أعظم مما أعطاك من كرامة الدنيا. {ولسوف يُعْطيك ربُّك فَتَرْضَى} يحتمل وجهين: أحدهما: يعطيك من النصر في الدنيا، وما يرضيك من إظهار الدين. الثاني: يعطيك المنزلة في الآخرة، وما يرضيك من الكرامة. {ألمْ يَجِدْك يتيماً فآوَى} واليتيم بموت الأب، وقد فقد رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أبويه وهو صغير، فكفله جده عبد المطلب، ثم مات، فكفله عمه أبو طالب، وفيه وجهان: أحدهما: أنه أراد يتم الأبوة بموت من فقده من أبويه، فعلى هذا في قوله تعالى: {فآوى} وجهان: أحدهما: أي جعل لك مأوى لتربيتك، وقيمّاً يحنو عليك ويكفلك، وهو أبو طالب، بعد موت عبد الله وعبد المطلب.الثاني: أي جعل لك مأوى نفسك، وأغناك عن كفالة أبي طالب. والوجه الثاني: أنه أراد باليتيم الذي لا مثيل له ولا نظير، وعلى هذا في قوله: {فآوى} وجهان: أحدهما: فآواك إلى نفسه واختصك برسالته. الثاني: أن جعلك مأوى الأيتام بعد أن كنت يتيماً، وكفيل الأنام، بعد أن كنت مكفولاً، تذكيراً بنعمه عليه، وهو محتمل. {وَوَجَدَكَ ضالاًّ فَهَدَى} فيه تسعة تأويلات: أحدها: وجدك لا تعرف الحق فهداك إليه. الثاني: ووجدك ضالاً عن النبوة فهداك إليها. الثالث: وجد قومك في ضلال، فهداك إلى إرشادهم. الرابع: وجدك ضالاً عن الهجرة، فهداك إليها. الخامس: وجدك ناسياً فأذكرك، كما قال تعالى: {أن تَضِل إحداهما}. السادس: وجدك طالباً القبلة فهداك إليها، ويكون الضلال بمعنى الطلب؛ لأن الضال طالب. السابع: وجدك متحيراً في بيان من نزل عليك، فهداك إليه، فيكون الضلال بمعنى التحير؛ لأن الضال متحير. الثامن: وجدك ضائعاً في قومك فهداك إليه، ويكون الضلال بمعنى الضياع، لأن الضال ضائع. التاسع: وجدك محباً للهداية فهداك إليها، ويكون الضلال بمعنى المحبة، ومنه قوله تعالى: {قالوا تاللَّه إنك لفي ضلالك القديم} (يوسف: 95)؛ أي في محبتك. وقرأ الحسن: "ووجدَك ضالٌّ فهُدِي" أي وجَدَك الضالُّ، فاهتدى بك. {ووجَدَك عائلاً فأَغْنَى} فيه أربعة أوجه: أحدها: وجدك ذا عيال فكفاك. الثاني: فقيراً فيسَّر لك. الثالث: وجدك فقيراً من الحُجج والبراهين، فأغناك بها. الرابع: وجدك العائلُ الفقير فأغناه الله بك. {فأمّا اليتيمَ فلا تَقْهَرْ} فيه خمسة أوجه: أحدها: فلا تحقر. الثاني: فلا تظلم. الثالث: فلا تستذل. الرابع: فلا تمنعه حقه الذي في يدك. الخامس: ما قاله قتادة: كن لليتيم كالأب الرحيم. {وأَمّا السائلَ فلا تَنْهَر} في رده إن منعته، ورُدّه برحمة ولين. الثاني: السائل عن الدين، فلا تنهره بالغلظة والجفوة، وأجِبْهُ برفق ولين. {وأمّا بِنَعْمِة ربِّكَ فحدِّثْ} في هذه النعمة ثلاثة تأويلات: أحدها: النبوة، ويكون تأويل قوله: {فحدث} أي ادعُ قومك. الثاني: أنه القرآن، ويكون قوله: {فحدث} أي فبلّغ أمتك. الثالث: ما أصاب من خير أو شر. {فحدث} فيه على هذا وجهان: أحدهما: فحدّث به الثقة من إخوانك. الثاني: فحدِّث به نفسك، وندب إلى ذلك ليكون ذِكرها شكراً.(النكت والعيون - تفسير الماوردي، 6 /291-295) القسم بالشمس وضحاها في الآية الأولى من سورة الضحى يقسم رب العالمين بالضحى، فقال تَعَالَى: {وَالضُّحَى* وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى}(الضحى: 1-2) وفي الآية الأولى من سورة الشمس يقسم سبحانه بالشمس وضحاها، فيقول عز وجل: {وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا}(الشمس:1) يذكر الشنقيطي أن الشَّمْس وَحْدَهَا آيَةٌ دَالَّةٌ عَلَى قُدْرَةِ خَالِقِهَا، لِمَا فِيهَا مِنْ طَاقَةٍ حَرَارِيَّةٍ فِي ذَاتِهَا تَفُوقُ كُلَّ تَقْدِيرٍ، وَهِيَ عَلَى الزَّمَانِ بِدُونِ انْتِقَاصٍ، فَهِيَ فِي ذَاتِهَا آيَةٌ. ثُمَّ جَاءَ وَصْفُ أَثَرِهَا وَهُوَ: «ضُحَاهَا»، وَهُوَ انْتِشَارُ ضَوْئِهَا ضَحْوَةَ النَّهَارِ، وَهَذَا وَحْدَهُ آيَةٌ، لِأَنَّهُ نَتِيجَةٌ لِحَرَكَتِهَا، وَحَرَكَتُهَا آيَةٌ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَآيَةٌ لهُمْ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُم مُّظْلِمُونَ*وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ}(يس: 37-38) وَهِيَ الْآيَةُ الَّتِي حَاجَّ بِهَا إِبْرَاهِيمُ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، نُمْرُودَ فِي قَوْلِهِ تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رِبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِـي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِـي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} (البقرة:258) فَفِي هَذَا السَّيْرِ قُدْرَةٌ بَاهِرَةٌ وَدِقَّةٌ مُتَنَاهِيَةٌ، «وَضُحَاهَا»: نَتِيجَةٌ لِهَذَا السَّيْرِ، ثُمَّ «ضُحَاهَا» نِعَمٌ جَزِيلَةٌ عَلَى الْكَوْنِ كُلِّهِ، مِنِ انْتِشَارٍ فِي الْأَرْضِ، وَانْتِفَاعٍ بِضَوْئِهَا وَأَشِعَّتِهَا. وَقَدْ قَالُوا: لَوِ اقْتَرَبَتْ دَرَجَةً أَوِ ارْتَفَعَتْ دَرَجَةً، لَمَا اسْتَطَاعَ أَحَدٌ أَنْ يَنْتَفِعَ مِنْهَا بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّهَا تُحْرِقُ بِاقْتِرَابِهَا، وَيَتَجَمَّدُ الْعَالَمُ مِنْ بُعْدِهَا، ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ العَلِيمِ. فَالضُّحَى وَحْدَهُ آيَةٌ، وَهُوَ حَرُّهَا، كَقَوْلِهِ: {وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى} (طه:119) أَيْ: بِحَرِّ الشَّمْسِ.(أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن، 8 /536-537) مناسبة نزول سورة الضحى عن جُنْدَُب بْنَ سُفْيَانَ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قَالَ: "اشْتَكَى رَسُولُ اللهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَمْ يَقُمْ لَيْلَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، فَجَاءَتِ امْرَأَةٌ فَقَالَتْ: يَا مُحَمَّدُ، إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ يَكُونَ شَيْطَانُكَ قَدْ تَرَكَكَ، لَمْ أَرَهُ قَرِبَكَ مُنْذُ لَيْلَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثة فَأَنْزَلَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَالضُّحَى* وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى* مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى}(صحيح البخاري، كتاب تفسير القرآن، باب: {ما ودعك ربك وما قلى} (الضحى: 3) يذكر الشنقيطي أَنَّ مُنَاسَبَاتِ السُّوَرِ الْقِصَارِ في الواقع أَظْهَرُ مِنْ مُنَاسَبَاتِ الْآيِ فِي السُّورَةِ الْوَاحِدَةِ، كَمَا بَيْنَ سُّورَتَيْ: «وَاللَّيْلِ» مَعَ «وَالضُّحَى»، ثُمَّ مَا بَيْنَ: «وَالضُّحَى» وَ «أَلَمْ نَشْرَحْ» إِنَّهَا تَتِمَّةُ النِّعَمِ الَّتِي يُعَدِّدُهَا اللَّهُ تَعَالَى عَلَى رَسُولِهِ، صلى الله عليه وسلم، وَهَكَذَا. منبهاً إلى أنَ بَعْضَ الْعُلَمَاءِ لَمْ يَعْتَبِرْ تِلْكَ الْمُنَاسَبَاتِ. وَلَكِنْ مَا كَانَتِ الْمُنَاسَبَةُ فِيهِ وَاضِحَةٌ، فَلَا يَنْبَغِي إِغْفَالُهُ، وَمَا كَانَتْ خَفِيَّةً لَا يَنْبَغِي التَّكَلُّفُ لَهُ.(أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن، 8 /571) فهذه وقفات تمهيدية لموضوع ما ودعه الله، وما قلاه، ووجده يتيماً فآواه، وضالاً فهداه، وعائلاً فأغناه، حسب ما جاء في سورة الضحى التي تم الوقوف عند معناها الإجمالي، وعند تأويلات مفصلة لمضامينها، والقسم بالشمس وضحاها، ومناسبة نزول سورة الضحى، في ضوء الروايات والتفاسير، راجين الله العلي القدير أن يوفق لمتابعة الوقوف عند مزيد من متعلقات هذا الموضوع لا حقاً، وصلى الله وسلم على رسولنا محمد، وعلى آل بيته الطاهرين، وأزواجه أمهات المؤمنين، وأصحابه الغر الميامين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. 12 جمادى الأولى 1448هـ |
| 2026-10-23 |