|
|
.:: الرسول الأسوة صلى الله عليه وسلم ::. ما ودعه الله، وما قلاه، ووجده يتيماً فآواه، وضالاً فهداه، وعائلاً فأغناه - الحلقة الثانية ========================================================== |
|
خاطب الله أباه وأبانا آدم بقوله تعالى: {وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى} (طه:119) وقفت الحلقة السابقة عند المعنى الإجمالي لسورة الضحى، التي هي مكية، وآياتها 11، وترتيبها في المصحف الثالثة والتسعون، ونزلت بعد سورة الفجر، ويَدُورُ مِحْوَرُها حَوْلَ شَخْصِيَّةِ النَّبِيِّ الأَعْظَمِ، وَمَا حَبَاهُ الَّلهُ بِهِ مِنَ الفَضْلِ وَالإِنْعَامِ في الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ؛ لِيَشْكُرَ الَّلهَ عَلَى تِلْكَ النِّعَمِ الجَلِيلَةِ. ومعنى {الضُّحَى}: هو الزمن الذي يبدأ مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ حِينَ تُشْرِقُ الشَّمْسُ. وَهو يُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ. ويقسم الله به لأنه سبحانه يقسم بما يشاء من مخلوقاته، أما المخلوق فلا يجوز له أن يقسم بغير خالقه، فإن القسم بغير الله شرك. ومعنى {وَمَا قَلَى} يعني ما تركك ربك أيها النبي، وما أبغضك بإبطاء الوحي عنك. ومن تأويلات مضامين سورة الضحى، ما ذكره الماوردي من أن الضُّحَى قَسَمٌ، وفيه أربعة أوجه، {والليلِ إذا سَجى} قَسَم ثان، وفيه خمسة تأويلات، وفي {وَدَّعَك} قراءتان: أحدهما: قراءة الجمهور ودّعك، بالتشديد، ومعناها: ما انقطع الوحي عنك توديعاً لك. والثانية: بالتخفيف، {وَدَّعَك} ومعناها: ما تركك إعراضاً عنك. {وما قلى} أي ما أبغضك. {ولَلآخرةُ خير لك مِنَ الأُولى} فيها وجهان، {ولسوف يُعْطيك ربُّك فَتَرْضَى} يحتمل وجهين، واليتيم في {ألمْ يَجِدْك يتيماً فآوَى} يكون بموت الأب، وقد فقد رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أبويه وهو صغير، فكفله جده عبد المطلب، ثم مات، فكفله عمه أبو طالب، وفي معنى قوله تعالى: {فآوى} وجهان: أحدهما: أي جعل لك مأوى لتربيتك، وقيمّاً يحنو عليك ويكفلك، وهو أبو طالب، بعد موت عبد الله وعبد المطلب. والثاني: أي جعل لك مأوى نفسك، وأغناك عن كفالة أبي طالب. وفي معنى {وَوَجَدَكَ ضالاًّ فَهَدَى} تسعة تأويلات، وفي {ووجَدَك عائلاً فأَغْنَى} أربعة أوجه، و{فأمّا اليتيمَ فلا تَقْهَرْ} فيه خمسة أوجه، ومعنى {وأَمّا السائلَ فلا تَنْهَر} في رده إن منعته، ورُدّه برحمة ولين، أو السائل عن الدين، فلا تنهره بالغلظة والجفوة، وأجِبْهُ برفق ولين. والنعمة في قوله تعالى: {وأمّا بِنَعْمِة ربِّكَ فحدِّثْ} فيها ثلاثة تأويلات، وفي {فحدث} وجهان: أحدهما: فحدّث به الثقة من إخوانك. الثاني: فحدِّث به نفسك، وندب إلى ذلك ليكون ذِكرها شكراً. ووقفت الحلقة كذلك عند القسم بالشمس وضحاها، حيث أقسم الله في الآية الأولى من سورة الشمس بالشمس وضحاها، فقال عز وجل: {وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا} (الشمس:1) فالشمس آية باهرة من آيات الله، التي فِي سيرها قُدْرَةٌ بَاهِرَةٌ وَدِقَّةٌ مُتَنَاهِيَةٌ، {وَضُحَاهَا}: نَتِيجَةٌ لِهَذَا السَّيْرِ، وهي نِعَمٌ جَزِيلَةٌ عَلَى الْكَوْنِ كُلِّهِ، مِنِ انْتِشَارٍ فِي الْأَرْضِ، وَانْتِفَاعٍ بِضَوْئِهَا وَأَشِعَّتِهَا. وَقَدْ قَالُوا: لَوِ اقْتَرَبَتْ دَرَجَةً أَوِ ارْتَفَعَتْ دَرَجَةً، لَمَا اسْتَطَاعَ أَحَدٌ أَنْ يَنْتَفِعَ مِنْهَا بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّهَا تُحْرِقُ بِاقْتِرَابِهَا، وَيَتَجَمَّدُ الْعَالَمُ مِنْ بُعْدِهَا {ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ}. وذكر في الحلقة مناسبة نزول سورة الضحى، وفي السياق ذكر أن مناسبات السور القصار أظهر من مناسبات الآي في السورة الواحدة، كما بين سورتي: «وَاللَّيْلِ» مع «وَالضُّحَى»، ثم ما بين: «وَالضُّحَى» وَ «أَلَمْ نَشْرَحْ» إنها تتمة النعم التي يعددها الله تعالى على رسوله، صلى الله عليه وسلم، مع التنبيه إلى أنَ بعض العلماء لم يعتبر تلك المناسبات. ولكن ما كانت المناسبة فيه واضحة، فلا ينبغي إغفاله، وما كانت خفية لا ينبغي التكلف له.(أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن: 8/571). آيات قرآنية ذكر فيها لفظ الضحى ومشتقاته نزلت في القرآن الكريم آيات ذكر فيها لفظ الضحى في سياقات عدة، منها الخطاب الرباني لآدم، عليه السلام، في الآية 119 من سورة طه، المثبت نصها أعلاه. بعد أن خلق الله آدم وزوجه، عليهما السلام، حذرهما من الشيطان وكيده، حتى لا يخرجهما من الجنة، ولا يكونن سببًا لإخراجهما من الجنة، والمراد: نهيهما عن الاغترار به. وتعهد الله لآدم، عليه السلام، بأن لا يجوع في الجنة ولا يعرى، ولا يظمأ ولا يضحى، فقال عز وجل: {فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى* إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى* وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى} (طه:117-119) {فتشقى}: جواب النهي، أي: فتتعب بما ينالكما من شدائد الدنيا، من الجوع والعطش، والفقر والضر، وتعب الأبدان في تحصيل المعاش واللباس، فيكون عيشك من كد يمينك. (البحر المديد:4/459) وقوله تعالى: {إِنَّ لك} موجه لآدم، عليه السلام، {أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى} من فقد الطعام واللباس، ومعنى {لَا تَظْمَأُ فِيهَا} أي لا تعطش، يقال ظمئ الرجل ظمأ، فهو ظمآن، أي عطشان، ومعنى {وَلَا تَضْحَى} لا تبرز للشمس فيصيبك حرها؛ لأنه ليس في الجنة شمس. (زاد المسير:5/329) ويبين الطاهر بن عاشور أن {تضحى} مضارع ضحي: كرضي، إذا أصابه حر الشمس في وقت الضحى. ومصدره الضحو، وحر الشمس في ذلك الوقت هو مبدأ شدته. والمعنى: لا يصيبك ما ينافر مزاجك. وآدم لم يعرف الجوع والعرى والظمأ والضحو بالوجدان، وإنما عرفها بحقائقها ضمن تعليمه الأسماء كلها. (التحرير والتنوير:16/193+195) وفي سورة طه ذكر أيضاً لفظ "الضحى" على لسان فرعون في الآية 59، وفيها يقول جل ذكره: {قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَن يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى} (طه:59) يبين ابن عاشور أن قَوْلهُ: {يَوْمُ الزِّينَةِ} تَعْيِينٌ لِلْوَقْتِ، وَقَوْلُهُ: {وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ} تَعْيِينٌ لِلْمَكَانِ، وَقَوْلُهُ: {ضُحًى} تَقْيِيدٌ لِمُطْلَقِ الْوَقْتِ. وَالضُّحَى: وَقْتُ ابْتِدَاءِ حَرَارَةِ الشَّمْسِ بَعْدَ طُلُوعِهَا. وَيَوْمُ الزِّينَةِ كَانَ يَوْمُ عِيدٍ عَظِيمٍ عِنْدَ الْقِبْطِ، وَاخْتَارَ مُوسَى هَذَا الْوَقْتَ وَهَذَا الْمَكَانَ؛ لِأَنَّهُ يَعْلَمُ أَنْ سَيَكُونُ الْفَلَجُ لَهُ، فَأَحَبَّ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ فِي وَقْتٍ أَكْثَرَ مُشَاهِدًا، وأوضح رُؤْيَة. (التحرير والتنوير:16/246-247) وورد ذكر لفظ الضحى في آيات قرآنية أخرى، منها قوله، عز وجل، في سورة الأعراف: {أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ} (الأعراف:98) يبين الشيخ أبو زهرة أن الاستفهام هنا إنكاري، بمعنى نفي الوقوع مع التوبيخ، أي لا يؤمنون أن بأس الله وشدته التي تكون نكالاً وعبرة، {أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى} أي أن يأتيهم في النهار وضحاه، والشمس ساطعة تبين كل شيء وتكشفه، {وَهُمْ يَلْعَبُونَ} سمى الله تعالى عملهم لعباً، واللعب هو العمل العابث الذي لا يقصد ضراً ولا نفعاً، سمى سبحانه وتعالى عملهم لعباً؛ لأنهم ما داموا لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر، يكون عملهم كاللعب. (زهرة التفاسير: ص2909) كما ذكر الضحى في الآية الأولى المتصدرة لكل من سورتي الشمس والضحى، فقال تعالى: {وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا} (الشمس:1) وقال سبحانه: {وَالضُّحَى} (الضحى:1) لم يودعه الله وما قلاه أقسم الله بالضحى والليل وما سجى، في مقدمة سورة الضحى على نفي تركه للنبي محمد، صلى الله عليه وسلم، وأنه ما قلاه، فقال تعالى: {وَالضُّحَى* وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى* مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى}(الضحى:1-3) جاء هذا القسم رداً على ما أشيع باطلاً عن قطع نزول الوحي على النبي، صلى الله عليه وسلم، وأن الله قلاه، فهذا القسم الرباني جاء في معرض التوكيد والتطمين للنبي، صلى الله عليه وسلم، أن الله ما ودعه ولا قلاه. (الأنوار الساطعات لآيات جامعات:3/460) خُصّ الإقسام بالضحى؛ لأنه الساعة التي كلّم الله فيها موسى، عليه السلام، والتي وقع فيها السحرة ساجدين، أو النهار كلّه؛ لمقابلته بالليل في قوله: {والليلِ إِذا سجى}؛ سَكَن، والمراد: سكون الناس والأصوات فيه، أو ركد ظلامه، من: سجا البحر، إذا سكنت أمواجه، وقيل: المراد بالضحى: ساعة مناجاة موسى، وبالليل: ليلة المعراج. وجواب القسم: {ما ودّعَكَ ربُّك} أي: ما تركك منذ اختارك، {وما قَلَى} أي: وما أبغضك منذ أحبك، والتوديع: مبالغةٌ في الودْع، وهو الترك؛ لأنَّ مَن ودّعك مفارقاً فقد بالغ في تركك. (البحر المديد:8/484) {مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى} أي ما قَطَعَ عنك الوحيَ، وما أبغضك. (تفسير القشيري:8/85) فقلى أبغض، ومنه قول لوط لقومه حسب ما جاء في الآية القرآنية الكريمة: {قَالُوا لَئِن لَّمْ تَنتَهِ يَا لُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ* قَالَ إِنِّي لِعَمَلِكُم مِّنَ الْقَالِينَ} (الشعراء: 167-168) أي إني من الكارهين لعملكم المبغضين له غاية البغض، كأنه يقلي الفؤاد والكبد من شدته. والقِلَي: أَشَدُّ البغض. (البحر المديد:5/280) يذكر السعدي في تفسيره أن الله تعالى أقسم بالنهار إذا انتشر ضياؤه بالضحى، وبالليل إذا سجى وادلهمت ظلمته، على اعتناء الله برسوله، صلى الله عليه وسلم، فقال: {مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ} أي: ما تركك منذ اعتنى بك، ولا أهملك منذ رباك ورعاك، بل لم يزل يربيك أحسن تربية، ويعليك درجة بعد درجة. {وَمَا قَلى} أي: إن الله ما أبغضك منذ أحبك، فإن نفي الضد دليل على ثبوت ضده، والنفي المحض لا يكون مدحًا، إلا إذا تضمن ثبوت كمال، فهذه حال الرسول، صلى الله عليه وسلم، الماضية والحاضرة، أكمل حال وأتمها، محبة الله له واستمرارها، وترقيته في درج الكمال، ودوام اعتناء الله به. (تفسير السعدي: ص928) فهذه متابعة لموضوع ما ودعه الله، وما قلاه، ووجده يتيماً فآواه، وضالاً فهداه، وعائلاً فأغناه، حيث تم الوقوف عند آيات قرآنية ذكر فيها لفظ الضحى ومشتقاته، والقسم الرباني بالضحى والليل وما سجى أنه سبحانه ما ودع نبيه محمداً، صلى الله عليه وسلم، وما قلاه. راجين الله العلي القدير أن يوفق لمتابعة الوقوف عند مزيد من متعلقات هذه الموضوعات لاحقاً، وصلى الله وسلم على رسولنا محمد، وعلى آل بيته الطاهرين، وأزواجه أمهات المؤمنين، وأصحابه الغر الميامين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. 19 جمادى الأولى 1448هـ |
| 2026-10-30 |