|
|
.:: الرسول الأسوة صلى الله عليه وسلم ::. يحذر من الأثرة ويأمر بمواجهتها بالصبر - الحلقة التاسعة ========================================================== |
|
عن عائشة، أن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال: "لا نُورَثُ، ما تَرْكناهُ صَدَقَة". (صحيح مسلم، كتاب الجهاد والسير، باب حكم الفيء) وعن عمر بن الخطاب: "فَوَاللهِ ، ما اسْتأثرَ عَلَيْكُم، وَلَا أخَذَها دوُنَكُم". (صحيح مسلم، كتاب الجهاد والسير، باب حكم الفيء) ضمن الحديث عن التحذير من الأثرة، والأمر بمواجهتها بالصبر، وقفت الحلقة السابقة عند الحث على حب الخير للآخرين، وأن ذلك من الإيمان، في مقابل التحذير من الأثرة التي تعني الأنانية والاستحواذ للذات والمقربين، على حساب حقوق الآخرين ومصالحهم، وقد حذر الإسلام منها ومن متعلقاتها ومعانيها في آيات قرآنية كريمة، وأحاديث شريفة، وفي مناسبات عدة، فلا بد لكمال إيمان المرء أن يكون في معاملته للناس ناصحًا لهم، مريدًا لهم ما يريده لنفسه، وكارهًا لهم ما يكرهه لنفسه، ويتضمَّنُ هذا أن يفضِّلهم على نفسه؛ لأنَّ كلَّ أحد يُحِبُّ أن يكونَ أفضَلَ من غيره، فإذا أحَبَّ لغيره ما يحبُّ لنفسه، فقد أَحَبَّ أن يكونَ غيره أفضَلَ منه؛ وإلى هذا المعنى أشار الفُضَيْلُ بنُ عِيَاض، رحمه الله، لمَّا قال لسفيانَ بنِ عُيَيْنة: "إنْ كنتَ تريدُ أن يكون الناسُ مثلَكَ، فما أدَّيْتَ للهِ الكريمِ النصيحة، فكيف وأنتَ تُوَدُّ أنَّهم دونك؟!". ومن صور التفاني السامية العملية تلك التي وصف الله جل في علاه أصحابها الذين يؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة، وهذا يتماشى مع معنى الإيثار الذي هو تقديم حاجة الغير على حاجة النفس، سخاء وتفضلاً، وهذا لا يكون إلا من نفوس مهيأة للتضحية. و الخصاصة: الحاجة، والفقر الذي يعجز الإنسان عن إدراك الضروري من مطالب الحياة؛ أي أن هؤلاء الأنصار، من طبيعتهم السماحة والبذل، وإيثار إخوانهم المهاجرين على أنفسهم، والنزول لهم عما في أيديهم، مع حاجتهم إليه، وهذا هو الفضل على تمامه وكماله، حيث يجيء عن حاجة، ولا يجيء عن غنّى وسعة، وإذن فهم لا يجدون في صدورهم حاجة من الحسد لما أصاب إخوانهم من خير، بل إنهم ليجدون في هذا سعادة ورضا لهم، فإن النفوس الطيبة الكريمة ليسعدها أن تجد الخير يغمر الحياة، ويعمر البيوت، ويشيع في الناس الغبطة والرضا، أما النفوس اللئيمة الخبيثة، فإنه يزعجها ويسوءها أن ترى خيراً يصيب أي أحد من الناس، ولو كان من أقرب المقربين إليها. وقد ثبتت قصة الإيثار على النفس المذكورة في الآية الكريمة في حديث صحيح عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، ذكر في الحلقة الثامنة. ومعنى الإيثار هنا التفضيل، كما في قوله تعالى على لسان إخوة يوسف: {قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا} (يوسف:91) ومعنى {آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا} أي فضلك، والإيثار: ضد الأثرة، وهي حب النفس حبّاً يعميها عن كل شيء، فلا يرى المرء إلا ذاته، ولا يعمل إلا من خلال هذه الذات، وما يحقق لها من نفع ذاتي لا يشاركها فيه أحد. إرث الأنبياء، عليهم السلام يؤكد النبي، صلى الله عليه وسلم، كما في حديث أم المؤمنين عائشة، رضي الله عنها، المثبت نصه أعلاه، أن الأنبياء لا يورثون، وما يترك وراءهم بعد موتهم من أموال فهو صدقة، وفي عناوين أبواب صحيح البخاري جاء: "وَأَنَّ الْعُلَمَاءَ هُمْ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ". وفي رواية لبعض أصحاب السنن: "إِنَّ العُلَمَاءَ وَرَثَةُ الأَنْبِيَاءِ، إِنَّ الأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا إِنَّمَا وَرَّثُوا العِلْمَ، فَمَنْ أَخَذَ بِهِ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ ".(سنن الترمذي، كتاب العلم، باب ما جاء في فضل الفقه على العبادة، وصححه الألباني) يذكر النووي أن الحكمة في أن الأنبياء، صلوات الله عليهم، لا يورثون؛ أنه لا يؤمن أن يكون في الورثة من يتمنى موت النبي، فيهلك، ولئلا يظن بهم الرغبة في الدنيا لوارثهم، فيهلك الظان، وينفر الناس عنهم.(شرح النووي على مسلم 12 /74) وحال الأنبياء هذا يختلف عن حال الناس الآخرين غيرهم، فهو يورثون، بل يحبذ لهم أن يتركوا لورثتهم ما يستغنون به عن الحاجة إلى الناس بعدهم، فعَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قَالَ: "جَاءَ النَّبِيُّ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَعُودُنِي وَأَنَا بِمَكَّةَ، وَهُوَ يَكْرَهُ أَنْ يَمُوتَ بِالْأَرْضِ الَّتِي هَاجَرَ مِنْهَا، قَالَ: يَرْحَمُ اللهُ ابْنَ عَفْرَاءَ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أُوصِي بِمَالِي كُلِّهِ؟ قَالَ: لَا، قُلْتُ: فَالشَّطْرُ؟ قَالَ: لَا، قُلْتُ: الثُّلُثُ؟ قَالَ: فَالثُّلُثُ، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ، إِنَّكَ أَنْ تَدَعَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَدَعَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ فِي أَيْدِيهِمْ، وَإِنَّكَ مَهْمَا أَنْفَقْتَ مِنْ نَفَقَةٍ، فَإِنَّهَا صَدَقَةٌ، حَتَّى اللُّقْمَةُ الَّتِي تَرْفَعُهَا إِلَى فِي امْرَأَتِكَ، وَعَسَى اللهُ أَنْ يَرْفَعَكَ فَيَنْتَفِعَ بِكَ نَاسٌ، وَيُضَرَّ بِكَ آخَرُونَ"- وَلَمْ يَكُنْ لَهُ يَوْمَئِذٍ إِلَّا ابْنَةٌ-.(صحيح البخاري) الأمر بالعدل والقسط إن توريث المُلك والسيادة والخلافة مما ينبغي أن يسار إليه بالطرق والأساليب الشرعية، فينبغي أن لا يورث شيء من هذا لأحد بغير حق، لأن مثل هذا التوريث يندرج ضمن الأثرة المذمومة، التي منها التحيز للأقارب والمقربين على حساب الناس الآخرين، وقد نهى الله، جل في علاه، عن الجور لحساب الأقربين، وأمر بالعدل بين الناس ولو كان ذلك على حساب مصالح الأحباب والأقارب والمقربين، فقال عز وجل: {...وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُواْ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى...} (الأنعام:152)، فالله تَعَالَى أَمَرَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ بِالْعَدْلِ فِي الْقَوْلِ، وَلَوْ كَانَ عَلَى ذِي قَرَابَةٍ، وَصَرَّحَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ بِالْأَمْرِ بِذَلِكَ، وَلَوْ كَانَ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ وَالِدَيْهِ.(أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن، 1 /547) والآية الكريمة المشار إليها آنفاً - وَصَرَّحَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ بِالْأَمْرِ بِذَلِكَ - هي قَوْلُهُ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاء لِلّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ...} (النساء:135) وفي الآيات الأولى من سورة المائدة أَمرٌ بالعدل وذلك أقرب للتقوى، حتى لو كان العدل تجاه أناس مكروهين، فقال عز وجل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ لِلّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} (المائدة:8) وقد أخبر الرسول، صلى الله عليه وسلم، عن منزلة المقسطين يوم القيامة، فعن زُهَيْرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ الْمُقْسِطِينَ عِنْدَ اللَّهِ عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ عَنْ يَمِينِ الرَّحْمَنِ، عَزَّ وَجَلَّ، وَكِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ، الَّذِينَ يَعْدِلُونَ في حُكْمِهِمْ وَأَهْلِيهِمْ وَمَا وَلُوا". (صحيح مسلم، كتاب الإمارة، باب فضيلة الإمام العادل، وعقوبة الجائر) فالأنبياء، عليهم السلام، عنوان وأسوة في العدل والقسط والإيثار، وإرثهم المالي لم يكن ملكاً ولا مالاً يورث لمن يأتي بعدهم، وإنما ورثوا لغيرهم العلم النافع، والخير. مَا اسْتَأْثَرَ بها عَلَيْكُمْ، وَلاَ أَخَذَهَا دُونَكُمْ بمناسبة التحذير من الأثرة، وبيان امتياز الأنبياء، عليهم السلام، عن غيرهم من الناس، في أن ما يبقى وراء الأنبياء بعد موتهم من ثروات، لا يورث لغيرهم من الأقارب كما هو حال الآخرين من الناس، فإن هناك حلفاً لعمر بن الخطاب، رضي الله عنه، على نفي استئثار الرسول، صلى الله عليه وسلم، بشيء من المال على أصحابه، وأنه لم يأخذها دونهم، ففي الحديث الصحيح عن عُمَر بن الخطاب، قال:" إِنَّ اللَّهَ، جَلَّ وَعَزَّ، كَانَ خَصَّ رَسُولَهُ، صلى الله عليه وسلم، بِخَاصَّةٍ لَمْ يُخَصِّصْ بِهَا أَحَدًا غَيْرَهُ، قَالَ: {مَّا أَفَاء اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ...} (الحشر:7) -ما أدري هل قرأ الآية التي قبلها أم لا- فَقَسَمَ رَسُولُ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، بَيْنَكُمْ أَمْوَالَ بَنِى النَّضِيرِ، فَوَاللَّهِ مَا اسْتَأْثَرَ عَلَيْكُمْ، وَلاَ أَخَذَهَا دُونَكُمْ، حَتَّى بَقِيَ هَذَا الْمَالُ، فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، يَأْخُذُ مِنْهُ نَفَقَةَ سَنَةٍ، ثُمَّ يَجْعَلُ مَا بَقِيَ أُسْوَةَ الْمَالِ. ثُمَّ قَالَ: أَنْشُدُكُمْ بِاللَّهِ الَّذِى بِإِذْنِهِ تَقُومُ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ، أَتَعْلَمُونَ ذَلِكَ؟ قَالُوا: نَعَمْ. ثُمَّ نَشَدَ عَبَّاسًا وَعَلِيًّا بِمِثْلِ مَا نَشَدَ بِهِ الْقَوْمَ، أَتَعْلَمَانِ ذَلِكَ؟ قَالاَ: نَعَمْ".(صحيح مسلم، كتاب الجهاد والسير، باب حكم الفيء) يبين العيني أن قول عمر، رضي الله عنه: "فوالله ما استأثر بها عليكم، ولا أخذها دونكم" أي لم يستبد بها، وتخصص بها عليكم.(عمدة القاري شرح صحيح البخاري، 22 /222) وفي موضع آخر من العمدة قال العيني: بل كان ينفقها على أهله والمسلمين، فصارت بعده صدقة، حرم التملك فيها.(عمدة القاري شرح صحيح البخاري، 26 /99) يذكر القاضي في معنى قوله: (أن الله كان خص رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بخاصة لم يخصص بها أحداً غيره، قال الله تعالى: {ما أفاء الله على رسوله الآية} احتمالين: أحدهما تحليل الغنيمة له، ولأمته. والثاني تخصيصه بالفيء، إما كله أو بعضه، حسب اختلاف العلماء. قال: وهذا الثاني أظهر؛ لاستشهاد عمر على هذا بالآية.(شرح النووي على مسلم، 12 /76-77) فالأنبياء مبرأون من الأثرة، وخُصوا بأحكام تعزز هذا المنحى، ومن ذلك أنهم لا يورثون، أما غيرهم من الناس فهم يتوارثون، بالتزامن مع تهذيبهم لكي ينبذوا الأثرة والأنانية والحب السيء للذات، ويتجنبوا محاباة الأقربين، وفي المقابل حثوا على أن يحب المرء منهم لغيره من الناس ما يحب لنفسه، مع ربط هذه المسألة السلوكية بالعقيدة والإيمان. فضمن الحديث عن موضوع التحذير من الأثرة، والأمر بمواجهتها بالصبر، تم الوقوف في هذه الحلقة عند إرث الأنبياء، عليهم السلام، وأنهم لو يورثوا ديناراً ولا درهماً، وقول عمر بن الخطاب، رضي الله عنه: "فَوَاللَّهِ مَا اسْتَأْثَرَ عَلَيْكُمْ، وَلا أَخَذَهَا دُونَكُمْ، حَتَّى بَقِيَ هَذَا الْمَالُ". راجين التوفيق لختم الحديث عن مسائل التحذير من الأثرة، والأمر بمواجهتها بالصبر، حسب ما روي عن الرسول، صلى الله عليه وسلم، وعلى آل بيته الطاهرين، وأزواجه أمهات المؤمنين، وأصحابه الغر الميامين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. 27 ربيع الآخر 1448هـ |
| 2026-10-09 |