|
|
.:: الرسول الأسوة صلى الله عليه وسلم ::. يحذر من الأثرة ويأمر بمواجهتها بالصبر - الحلقة الثامنة ========================================================== |
|
عَنْ أَنَس عَنْ النَّبِيِّ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: "لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ". (صحيح البخاري، كتاب الإيمان، باب من الإيمان أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه) وفي رواية لمسلم: "أَوْ قَالَ لِجَارِهِ" (صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب الدليل على أن من خصال الإيمان....) ضمن الحديث عن التحذير من الأثرة، والأمر بمواجهتها بالصبر، وقفت الحلقة السابقة عند لزوم تقيد الأمير الذي يتولى المسؤولية عن أي شأن من شؤون الناس بنصح رعيته، فيقدم لها الخدمات التي يتحمل المسؤولية عنها تجاههم بإخلاص وتفانٍ، ويعدل بينهم في التوظيف والأجور وقضاء الحاجات، ومن لم يعمل وفق هذا المبدأ، فإن الجنة تحرم عليه، والرعايةُ: الحِفْظُ والصيانة، والغِشُّ: ضِدُّ النصيحة. وحاصلُ هذا التحذير راجعٌ إلى الزجر عن أن يضيِّع ما أُمِرَ بحفظه، وأن يقصِّر في ذلك مع التمكُّنِ من فِعْلِ ما يتعيَّنُ عليه. فالتحذير قائم من غش المسلمين لمن قلده الله شيئأً من أمرهم، واسترعاه عليهم، ونصبه خليفة لمصلحتهم، وجعله واسطة بينه وبينهم في تدبير أمورهم في دينهم ودنياهم. فإذا خان فيما اؤتمن عليه، ولم ينصح فيما قُلِّده؛ إما بتضييع لما يلزمهم من دينهم وأخذهم به، والقيام بما يتعين عليه من حفظ شرائعهم، والذب عنها لكل مُتَصَد لإدخال داخِلَةٍ فيها، أو تحريف لمعانيها، أو إهمال حدودهم، أو تضييع حقوقهم، أو ترك حماية حوذتهم، ومجاهدة عدوهم، أو ترك سيرة العدل فيهم - فقد غشهم. وفي سياق ذي صلة وقفت الحلقة عند الحث على الصبر على إخفاقات الأئمة في إطار معين، وأن الفقهاء مجمعون على أن الإمام المتغلّب طاعته لازمة، ما أقام الجمعات والجهاد، وأن طاعته خير من الخروج عليه؛ لما في ذلك من حقن الدماء، وتسكين الدهماء، وقد قال صلى الله عليه وسلم، لأصحابه: "سترون بعدى أثرةً، وأمورًا تنكروها" فوصف أنهم سيكون عليهم أمراء يأخذون منهم الحقوق، ويستأثرون بها، ويؤثرون بها من لا تجب له الأثرة، ولا يعدلون فيها، وأمرهم بالصبر عليهم، والتزام طاعتهم، على ما فيهم من الجور. وعن علي قال: لابد من إمامة برة أو فاجرة. قيل له: البرة لا بد منها، ما بال الفاجرة؟ قال: تقام بها الحدود، وتأمن بها السبل، ويقسم بها الفيء، ويجاهد بها العدو. ألا ترى قوله، صلى الله عليه وسلم، في حديث ابن عباس: "مَنْ كَرِهَ مِنْ أَمِيرِهِ شَيْئًا فَلْيَصْبِرْ؛ فَإِنَّهُ مَنْ خَرَجَ مِنَ السُّلْطَانِ شِبْرًا مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً".(صحيح البخاري، كتاب الفتن، باب قول النبي، صلى الله عليه وسلم: "سترون بعدي أموراً تنكرونها) وفي حديث عبادة: "بَايَعَنَا عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي مَنْشَطِنَا وَمَكْرَهِنَا، وَعُسْرِنَا وَيُسْرِنَا، وَأَثَرَةً عَلَيْنَا، وَأَنْ لَا نُنَازِعَ الْأَمْرَ أَهْلَهُ، إِلَّا أَنْ تَرَوْا كُفْرًا بَوَاحًا عِنْدَكُمْ مِنَ اللهِ فِيهِ بُرْهَانٌ".(صحيح البخاري، كتاب الفتن، باب قول النبي، صلى الله عليه وسلم: "سترون بعدي أموراً تنكرونها) فدل هذا كله على ترك الخروج على الأئمة، وألا يشق عصا المسلمين، وألا يتسبب إلى سفك الدماء وهتك الحريم، إلا أن يكفر الإمام، ويظهر خلاف دعوة الإسلام، فلا طاعة لمخلوق عليه. ويوضح ابن حجر العسقلاني أن المراد بالميتة الجاهلية، بكسر الميم، حالة الموت، كموت أهل الجاهلية على ضلال، وليس له إمام مطاع، لأنهم كانوا لا يعرفون ذلك، وليس المراد أنه يموت كافراً بل يموت عاصياً، ويحتمل أن يكون التشبيه على ظاهره، ومعناه أنه يموت مثل موت الجاهلي، وإن لم يكن هو جاهلياً، أو أن ذلك ورد مورد الزجر والتنفير، وظاهره غير مراد. وقوله، صلى الله عليه وسلم: "تؤدون الحق الذي عليكم" قيل المراد بالحق السمع والطاعة للأئمة، ولا يخرج عليهم. حب الخير للآخرين من الإيمان الأثرة تعني الأنانية والاستحواذ للذات والمقربين على حساب حقوق الآخرين ومصالحهم، وقد حذر الإسلام منها ومن متعلقاتها ومعانيها في آيات قرآنية كريمة، وأحاديث شريفة، وفي مناسبات عدة، وفي المقابل يحث الإسلام على التفاني وحب الخير للآخرين، كما يحب المرء الخير لنفسه، ومن الشواهد الصريحة على هذه القيمة النبيلة، حديث أنس، رضي الله عنه، المثبت نصه أعلاه، وفي رواية لمسلم (أو لجاره) بعد ذكر أخيه، فعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنِ النَّبِيِّ، صلى الله عليه وسلم، قَالَ: "لاَ يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لأَخِيهِ - أَوْ قَالَ لِجَارِهِ - مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ". (صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب الدليل على أن من خصال الإيمان....) المراد بالحب هنا هو حب الاختيار لا حب الطبع؛ لأن حب الانسان نفسه وأهله طبع، ولا سبيل إلى قلبه.(الديباج على مسلم، 1 /60) ويبين القرطبي أن معنى "لاَ يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لأِخِيهِ، أي مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ، أي: لا يكمُلُ إيمانه؛ إذْ مَنْ يَغُشُّ المسلمَ ولا ينصحُهُ مرتكبٌ كبيرةً، ولا يكونُ كافرًا بذلك. وعلى هذا، فمعنى الحديث أنَّ الموصوفَ بالإيمانِ الكامل: مَنْ كان في معاملته للناس ناصحًا لهم، مريدًا لهم ما يريده لنفسه، وكارهًا لهم ما يكرهه لنفسه، ويتضمَّنُ أن يفضِّلهم على نفسه؛ لأنَّ كلَّ أحد يُحِبُّ أن يكونَ أفضَلَ من غيره، فإذا أحَبَّ لغيره ما يحبُّ لنفسه، فقد أَحَبَّ أن يكونَ غيره أفضَلَ منه؛ وإلى هذا المعنى أشار الفُضَيْلُ بنُ عِيَاض، رحمه الله، لمَّا قال لسفيانَ بنِ عُيَيْنة: إنْ كنتَ تريدُ أن يكون الناسُ مثلَكَ، فما أدَّيْتَ للهِ الكريمِ النصيحة، فكيف وأنتَ تُوَدُّ أنَّهم دونك؟!.(المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، 1 /143) ومن صور التفاني السامية العملية تلك التي وصف الله جل في علاه أصحابها أنهم يؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة، حيث قال تعالى: {وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مما أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} (الحشر:9)، فالثناء العام هنا جاء في سياق مدح الأنصار، رضي الله عنهم، يبين الدكتور عبد الكريم الخطيب أن الإيثار: هو تقديم حاجة الغير على حاجة النفس، سخاء وتفضلاً، وهذا لا يكون إلا من نفوس مهيأة للتضحية، والإيثار: ضد الأثرة، وهي حب النفس حبّاً يعميها عن كل شيء، فلا يرى المرء إلا ذاته، ولا يعمل إلا من خلال هذه الذات، وما يحقق لها من نفع ذاتي لا يشاركها فيه أحد. والخصاصة: الحاجة، والفقر الذي يعجز الإنسان عن إدراك الضروري من مطالب الحياة؛ أي أن هؤلاء الأنصار، من طبيعتهم السماحة والبذل، وإيثار إخوانهم المهاجرين على أنفسهم، والنزول لهم عن الطيب الأكثر مما في أيديهم، مع حاجتهم إليه، وهذا هو الفضل على تمامه وكماله، حيث يجيء عن حاجة، ولا يجيء عن غنّى وسعة، وإذن فهم لا يجدون في صدورهم حاجة من الحسد لما أصاب إخوانهم من خير، بل إنهم ليجدون في هذا سعادة ورضا لهم، فإن النفوس الطيبة الكريمة ليسعدها أن تجد الخير يغمر الحياة، ويعمر البيوت، ويشيع في الناس الغبطة والرضا، أما النفوس اللئيمة الخبيثة، فإنه يزعجها ويسوءها أن ترى خيراً يصيب أي أحد من الناس، ولو كان من أقرب المقربين إليها.(التفسير القرآني للقرآن، 1 /415-416) وقد ثبتت قصة الإيثار على النفس المذكورة في الآية الكريمة في الحديث الصحيح عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قَالَ: "أَتَى رَجُلٌ رَسُولَ اللهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ أَصَابَنِي الْجَهْدُ، فَأَرْسَلَ إِلَى نِسَائِهِ، فَلَمْ يَجِدْ عِنْدَهُنَّ شَيْئًا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أَلَا رَجُلٌ يُضَيِّفُهُ هَذِهِ اللَّيْلَةَ، يَرْحَمُهُ اللهُ؟" فَقَامَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ، فَقَالَ: أَنَا يَا رَسُولَ اللهِ، فَذَهَبَ إِلَى أَهْلِهِ، فَقَالَ لِامْرَأَتِهِ: ضَيْفُ رَسُولِ اللهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لَا تَدَّخِرِيهِ شَيْئًا. قَالَتْ: وَاللهِ مَا عِنْدِي إِلَّا قُوتُ الصِّبْيَةِ. قَالَ: فَإِذَا أَرَادَ الصِّبْيَةُ الْعَشَاءَ فَنَوِّمِيهِمْ، وَتَعَالَيْ فَأَطْفِئِي السِّرَاجَ، وَنَطْوِي بُطُونَنَا اللَّيْلَةَ، فَفَعَلَتْ، ثُمَّ غَدَا الرَّجُلُ عَلَى رَسُولِ اللهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: لَقَدْ عَجِبَ اللهُ، عَزَّ وَجَلَّ _ أَوْ ضَحِكَ- مِنْ فُلَانٍ وَفُلَانَةَ، فَأَنْزَلَ اللهُ، عَزَّ وَجَلَّ: {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ}(صحيح البخاري، كتاب تفسير القرآن، باب قوله: {ويؤثرون على أنفسهم} الحشر: 9) فضيلة مميزة لحالة تم فيها رفض الإيثار الأصل في الإيثار أنه من القيم النبيلة، وأنه يناقض الأثرة، إلا أن القرآن الكريم ذكر رفض الإيثار في سياق موقف نبيل تمثل في رفض السحرة بعد إيمانهم إيثار فرعون، فقالوا: {قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ} (طه: 72)، وبالخصوص يقول عز وجل: {فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّداً قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى* قَالَ آمَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَاباً وَأَبْقَى* قَالُوا لَن نُّؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا}(طه:70-72) يبين الشنقيطي أن معنى {لَنْ نُؤْثِرَكَ} أَيْ لَنْ نَخْتَارَ اتِّبَاعَكَ وَكَوْنُنَا مِنْ حِزْبِكَ، وَسَلَامَتُنَا مِنْ عَذَابِكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ. كَمُعْجِزَةِ الْعَصَا الَّتِي أَتَتْنَا، وَتَيَقَنَّا صِحَّتَهَا.(أضواء البيان في إبضاح القرآن بالقرآن، 4/ 65) ومعنى الإيثار هنا التفضيل، كما في قوله تعالى على لسان إخوة يوسف: {قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا}(يوسف:91) ومعنى {آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا} أي فضلك.(التسهيل لعلوم التنزيل، 2 /32) فالسحرة أوضحوا لفرعون بعد إيمانهم أنهم لَنْ يُؤْثِروه مهما كان وملكه، فلا يفضلوه ولا يختاروه أبداً عَلى ما جاءَهم مِنَ الْبَيِّناتِ الواضحات على صدق موسى وأخيه.(بيان المعاني، 1 /189) فالسحرة انحازوا للحق والإيمان، بدلاً من تفضيلهم ما كانوا عليه قبل هذا من اتباع فرعون وكفره، فكان انحيازهم هذا فضيلة ومكرمة، على الرغم من استخدامهم لفظ الإيثار في سياق تعبيرهم عن ترك الانحياز لفرعون. فضمن الحديث عن موضوع التحذير من الأثرة، والأمر بمواجهتها بالصبر، تم الوقوف في هذه الحلقة عند فضيلة حب الخير للآخرين، وأن ذلك من الإيمان، وعند فضيلة مميزة لحالة تم فيها رفض الإيثار. راجين التوفيق لمتابعة الوقوف عند مزيد من مسائل التحذير من الأثرة، والأمر بمواجهتها بالصبر، حسب ما روي عن الرسول، صلى الله عليه وسلم، وعلى آل بيته الطاهرين، وأزواجه أمهات المؤمنين، وأصحابه الغر الميامين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. 20 ربيع الآخر 1448هـ |
| 2026-10-02 |