.:: الرسول الأسوة صلى الله عليه وسلم ::.

أعلم المسلمين أنهم إِنَّمَا بُعِثْوا مُيَسِّرِينَ، وَلَمْ يبْعَثُوا مُعَسِّرِينَ - الحلقة الثالثة

==========================================================

عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ قَالَ: "قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ؛ إِنِّي لَأَتَأَخَّرُ عَنِ الصَّلاَةِ فِي الفَجْرِ مِمَّا يُطِيلُ بِنَا فُلاَنٌ فِيهَا، فَغَضِبَ رَسُولُ اللَّهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، مَا رَأَيْتُهُ غَضِبَ فِي مَوْضِعٍ كَانَ أَشَدَّ غَضَبًا مِنْهُ يَوْمَئِذٍ، ثُمَّ قَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ مِنْكُمْ مُنَفِّرِينَ، فَمَنْ أَمَّ النَّاسَ فَلْيَتَجَوَّزْ، فَإِنَّ خَلْفَهُ الضَّعِيفَ وَالكَبِيرَ وَذَا الحَاجَةِ»". (صحيح البخاري، كتاب الأذان، باب من شكا إمامه إذا طول)
ضمن الحديث عن إعلام المسلمين أنهم إِنَّمَا بُعِثْوا مُيَسِّرِينَ، وَلَمْ يُبْعَثُوا مُعَسِّرِينَ، تم الوقوف في الحلقة السابقة عند مرتكزين رئيسين لهذه المسألة، هما: اختيار الأيسر، والتكليف وفق الوسع والطاقة. وفيها استشهد بحديث عائشة، رضي الله عنها، الذي تخبر فيه عن سمة من سمات الرسول، صلى الله عليه وسلم، أنه كان يختار الأيسر من الأمور التي كانت تعرض عليه، شريطة ألا يرافق هذا الاختيار إثم أو مخالفة شرعية، ويشمل ذلك الشعائر والمعاملات والعلاقات مع الآخرين وما إلى ذلك، ومن المسائل الفقهية التطبيقية لهذا المنهج، مسألة الصوم في السفر، التي اختلف العلماء فيها، وظهر من بعض آرائهم أن اختيار الأيسر بلغ درجة فرض الأمر الميسر. والتكليف الشرعي في الإسلام يكون وفق الوسع والطاقة، لذلك كان من قواعد الفقه العامة "المشقة تجلب التيسير"، وكانت المشقة مظنة الرخصة، وضبط المشاق المسقطة للعبادة مذكور في الأصول، ونفي التكليف إلا في إطار الوسع وارد بالنص الصريح في الآية 286 من سورة البقرة، والوسع في القراءة هو الطاقة والاستطاعة، والمراد به هنا ما يطاق ويستطاع، فهو من إطلاق المصدر وإرادة المفعول. والمستطاع هو ما اعتاد الناس قدرتهم على أن يفعلوه إن توجهت إرادتهم لفعله، مع السلامة وانتفاء الموانع.
وهذا دليل على عدم وقوع التكليف بما فوق الطاقة في أديان الله تعالى؛ لعموم "نفساً" في سياق النفي؛ لأن الله تعالى ما شرع التكليف إلا للعمل واستقامة أحوال الخلق، فلا يكلفهم ما لا يطيقون فعله.
إِنَّ مِنْكُمْ مُنَفِّرِينَ
ابن مسعود في حديثه الصحيح المثبت نصه أعلاه يخبر عن غضب الرسول، صلى الله عليه وسلم، لما سمع رجلاً يعلل تأخره عن صلاة الفجر بسبب إطالة إمامها، حتى إن ابن مسعود قال: "مَا رَأَيْتُهُ غَضِبَ فِي مَوْضِعٍ كَانَ أَشَدَّ غَضَبًا مِنْهُ يَوْمَئِذٍ" فخبر ترك الرجل الصلاة بسبب إطالة الإمام فيها، أغضب الرسول، صلى الله عليه وسلم، غضباً بالغاً، فاق غضبه بسبب أمور غير هذا، ثم خاطب الرسول، صلى الله عليه وسلم، الكل بقوله: "إِنَّ مِنْكُمْ مُنَفِّرِينَ" ولم يعين المطول كرماً ولطفاً عليه، وكانت هذه عادته، حيث ما كان يخصص العتاب والتأديب بمن يستحقه، حتى لا يحصل له الخجل ونحوه على رؤوس الأشهاد. (عمدة القاري شرح صحيح البخاري:3 /152)
ويضيف العيني أن قول الرجل: "لأتأخر عن الصلاة في الفجر" يعني لا أحضرها مع الجماعة؛ لأجل التطويل. وقوله: "مما يطيل بنا" كلمة "ما" مصدرية أي من تطويله. وإنما خص صلاة الفجر بالذكر؛ لأنها تطول فيها القراءة غالباً، ولأن الانصراف منها وقت التوجه لمن له حرفة إليها.
وقوله: "يومئذ" أي يوم أخبر بذلك. قال ابن دقيق العيد: سبب الغضب إما لمخافة الموعظة، أو للتقصير في تعلم ما ينبغي تعلمه. وقال أبو الفتح اليعمري: فيه نظر؛ لأنه يتوقف على تقدم الإعلام بذلك، ورد ابن حجر بأنه يحتمل تقدم الإعلام به بقصة معاذ، ولهذا لم يذكر في حديثه الغضب، وواجهه وحده بالخطاب، وهنا قال: "إِنَّ مِنْكُمْ مُنَفِّرِينَ" بصيغة الجمع، وهو من التنفير، ويقال: نفر ينفر نفوراً ونفاراً إذا فر، وذهب، قال: ويحتمل أن يكون ما ظهر من الغضب لإرادة الاهتمام بما يلقيه لأصحابه ليكونوا من سماعه على بال. (عمدة القاري شرح صحيح البخاري:8 /425)
ويبين ابن حجر العسقلاني خلال تعقيبه على حديث ابن مسعود الْأَنْصَارِيِّ: قَالَ: قال رجل: "يا رسول الله، لا أكاد أدرك الصلاة مما يطول بنا فلانٌ" أي فلا أحضرها مع الجماعة لأجل التطويل، وفيه جواز مثل ذلك لأنه لم ينكر عليه، ويحتمل أيضاً أن يكون المراد أن الذي ألفه من تطويله اقتضى له أن يتشاغل عن المجيء في أول الوقت، وثوقاً بتطويله، بخلاف ما إذا لم يكن يطول؛ فإنه كان يحتاج إلى المبادرة إليه أول الوقت، وكأنه يعتمد على تطويله، فيتشاغل ببعض شغله، ثم يتوجه فيصادف أنه تارة يدركه، وتارة لا يدركه، فلذلك قال: "لا أكاد أدرك مما يطول بنا" أي بسبب تطويله، واستدل به على تسمية الصبح بذلك – صلاة الغداة-.(فتح الباري:3 /47)
مَنْ أَمَّ النَّاسَ فَلْيَتَجَوَّزْ دون إخلال بأركان الصلاة
الرسول، صلى الله عليه وسلم، وجه أئمة الصلاة بأن يتجوزوا في إمامتهم، فقال: "فَمَنْ أَمَّ النَّاسَ فَلْيَتَجَوَّزْ، فَإِنَّ خَلْفَهُ الضَّعِيفَ وَالكَبِيرَ وَذَا الحَاجَةِ"(صحيح البخاري). يبين العيني المراد بقوله، صلى الله عليه وسلم: " فَلْيَتَجَوَّزْ" أي فليخفف، يقال تجوز في صلاته، أي خفف، وأصل اللام فيه أن تكون مكسورة، وجاز فيها السكون. (عمدة القاري شرح صحيح البخاري:8/425)
ويبين ابن بطال أن التطويل والتخفيف من الأمور الإضافية -أي النسبية- فقد يكون الشيء خفيفاً بالنسبة إلى قوم، طويلاً بالنسبة إلى آخرين، وقال اليعمري: الأحكام إنما تناط بالغالب لا بالضرورة النادرة، فينبغي للأئمة التخفيف مطلقاً، قال: وهذا كما شرع القصر في الصلاة في حق المسافر، وعلل بالمشقة، وهي مع ذلك تشرع، ولو لم تشق عملاً بالغالب. (عمدة القاري شرح صحيح البخاري: 8/425)
ويبين ابن بطال: أن في هذا الحديث دليلاً على أن أئمة الجماعة يلزمهم التخفيف لأمر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، لهم بذلك، وقد بيّن في هذا الحديث العلة الموجبة للتخفيف، وهي غير مأمونة على أحد من أئمة الجماعة؛ فإنه وإن علم قوة من خلفه، فإن لا يدري ما يحدث بهم من الآفات، ولذلك قال: "وَإِذَا صَلَّى لِنَفْسِهِ فَلْيُطَوِّلْ مَا شَاءَ"(سنن أبي داود، كتاب الصلاة، أبواب تفريع استفتاح الصلاة، باب في تخفيف الصلاة، وصححه الألباني)؛ لأنه يعلم من نفسه ما لا يعلم من غيره، وقد ذكر الله الأعذار التي من أجلها أسقط فرض قيام الليل عن عباده، فقال تعالى: {...فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ...} (المزمل:20) فينبغي للأئمة التخفيف مع إكمال الركوع والسجود. (شرح صحيح البخاري-لابن بطال: 2/332-335)
التنفير من الإطالة في أي صلاة جماعة
إطالة الإمام في صلاة الجماعة منهي عنها بشكل عام، وقد وردت روايات متعددة بالخصوص، بعضها بشأن صلاة الفجر، كرواية ابن مسعود المثبت نصها أعلاه، وأخرى بصلاة العشاء كرواية جابر بن عبد الله، فقد جاء في صحيح البخاري: باب إِذَا طَوَّلَ الإمَامُ، وَكَانَ لِلرَّجُلِ حَاجَةٌ، فَخَرَجَ، فَصَلَّى، وفيه: عن جَابِرِ بْنِ عَبْدِاللَّهِ: " كَانَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ يُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ يَرْجِعُ، فَيَؤُمُّ قَوْمَهُ، فَصَلَّى العِشَاءَ، فَقَرَأَ بِالْبَقَرَةِ، فَانْصَرَفَ الرَّجُلُ، فَكَأَنَّ مُعَاذًا تَنَاوَلَ مِنْهُ، فَبَلَغَ النَّبِيَّ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: «فَتَّانٌ، فَتَّانٌ، فَتَّانٌ» ثَلاَثَ مِرَارٍ - أَوْ قَالَ: «فَاتِنًا، فَاتِنًا، فَاتِنًا» - وَأَمَرَهُ بِسُورَتَيْنِ مِنْ أَوْسَطِ المُفَصَّلِ، قَالَ عَمْرٌو: لا أَحْفَظُهُمَا ". (صحيح البخاري، كتاب الأذان، باب إذا طول الإمام، وكان للرجل حاجة، فخرج فصلى)
فمنع الإطالة في صلاة الجماعة تجنباً لتنفير المصلين يخص الصلوات جميعها، سواء كانت ليلية أم نهارية، فرضاً أم نافلة – كالتراويح في رمضان لمن يصلونها جماعة- ولا يقتصر على بعضها.
حكم انسحاب المأموم من صلاة الجماعة بعد الشروع فيها بسبب تضرره من إطالة الإمام
يذكر ابن بطال: أنه لما أمر الرسول بالتخفيف كان من طول بالناس عاصيًا، ومخالفة العاصي جائزة؛ لأنه لا طاعة إلا في المعروف. وقد احتج أصحاب الشافعي بأن النبي، صلى الله عليه وسلم، لم ينكر على الرجل الذي خرج من صلاة معاذ، ولا أمره بالإعادة، قال ابن القصار: واختلفوا فيمن دخل مع إمام في صلاة فصلى بعضها، هل يجوز له أن يخرج منها فيتم منفردًا؟ قال الشافعي: يجوز له أن يخرج منها بعذر أو بغير عذر، وقال أبو حنيفة: لا يجوز له. ويرى ابن بطال أن الأمر محتمل؛ لأن مالكًا قال في الإمام: إذا أحدث وقد مضى بعض صلاته، أنه يستخلف من يتم بهم، فإن لم يفعل قدموا من يتم بهم، فإن لم يفعلوا وصلوا وحدانًا، فإنه يجزئهم إلا في الجمعة؛ لأنها لا تكون إلا بجماعة، وهؤلاء فإن كان إمامهم بدأ بالخروج، فقد اختاروا ترك تمامها بجماعة، ويجوز ألا يجزئه إذا خرج نفسه من غير عذر. ويكون الفرق بينهما أنه إذا كان الإمام باقيًا في الصلاة، فإن الصلاة متعلقة به، فما دام باقيًا فقد تعلقت صلاتهم بصلاته، فلم تجز مخالفته باختيار المأمومين الخروج منها لغير عذر؛ لأنه يؤدي إلى الشتات، وإلى ترك ما ألزمه نفسه من الجماعة التي هي مندوب إليها، وإذا دخل الإنسان في طاعة وجب عليه المضي فيها، إلا أن يطرأ عليه عذر. (شرح صحيح البخاري-ابن بطال: 2/332)
ففي إطار الحديث عن إعلام المسلمين أنهم إِنَّمَا بُعِثْوا مُيَسِّرِينَ، وَلَمْ يبْعَثُوا مُعَسِّرِينَ، تم الوقوف في هذه الحلقة عند وصف أئمة الصلاة الذين يطيلون فيها بالمُنَفِّرِينَ، وأمرهم بأن يَتَجَوَّزْوا فيها دون إخلال بأركانها، وهذا يشمل إطالة الإمام في أي صلاة جماعة، إضافة إلى بيان حكم انسحاب المأموم من صلاة الجماعة بعد الشروع فيها بسبب تضرره من إطالة الإمام.
راجين الله أن ييسر متابعة موضوع إعلام المسلمين أنهم إِنَّمَا بُعِثْوا مُيَسِّرِينَ، وَلَمْ يبْعَثُوا مُعَسِّرِينَ، حسب ما جاء في الحديث الصحيح المروي عن نبينا محمد، صلى الله وسلم عليه، وعلى آل بيته الطاهرين، وأزواجه أمهات المؤمنين، وأصحابه الغر الميامين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
3 صفر 1448هـ

تاريخ النشر 2026-07-17
 دار الإفتاء الفلسطينية - القدس