.:: الرسول الأسوة صلى الله عليه وسلم ::.

أعلم المسلمين أنهم إِنَّمَا بُعِثْوا مُيَسِّرِينَ، وَلَمْ يبْعَثُوا مُعَسِّرِينَ - الحلقة الثانية

==========================================================

عَنْ عَائِشَةَ، رَضِيَ اللهُ عَنْهَا، أَنَّهَا قَالَتْ: "مَا خُيِّرَ رَسُولُ اللهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، بَيْنَ أَمْرَيْنِ إِلَّا أَخَذَ أَيْسَرَهُمَا، مَا لَمْ يَكُنْ إِثْمًا، فَإِنْ كَانَ إِثْمًا كَانَ أَبْعَدَ النَّاسِ مِنْهُ...". (صحيح البخاري، كتاب المناقب، باب صفة النبي، صلى الله عليه وسلم)
تم في الحلقة السابقة الوقوف عند فوائد لغوية من حديث الأعرابي الذي بال في المسجد، وعند حكم الماء إذا غلب على النجاسة، وأن الرسول، صلى الله عليه وسلم، وجه إلى معالجة مسألة بول الأعرابي في المسجد، بأن يَدَعُوهُ وَيهَرِيقُوا عَلَى بَوْلِهِ سَجْلًا مِنْ مَاءٍ -أَوْ ذَنُوبًا مِنْ مَاءٍ- بعد أن تناوله الناس بألسنتهم سباً وشتماً. وعُلل هذا التوجيه النبوي بالخوف من قيام الأعرابي على تلك الحال، فينجِّس ثيابه ومواضع كثيرة من المسجد غير الأول. وقيل لئلا يتضرر بانحباس البول. ما يعني التوجه لمعالجة هذا الخطأ الجسيم بما يمحو أثره ببساطة متيسرة، وبحكمة يُدرأ بموجبها الضرر بأقل كلفة وخسائر.
وذكرت فيها روايات عن هذه الحادثة في الصحيحين، ووقف عند معنى قوله، صلى الله عليه وسلم: "فَإِنَّمَا بُعِثْتُمْ مُيَسِّرِينَ وَلَمْ تبْعَثُوا مُعَسِّرِينَ، وعند مغزى التأكيد على أن الله يريد بعباده اليسر، وعند مبادئ للتيسير ومنطلقات له ومجالات، وذكرت بعض الدروس والعبر المستخلصة من هذا الحديث الشريف، منها: وجوب صيانة المساجد، وتنزيهها عن الأقذار والنجاسات، والمبادرة للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومبادرة الصحابة إلى الإنكار بحضرة النبي، صلى الله عليه وسلم، من غير مراجعة له، وهذا ليس من باب التقدم بين يدي الله تعالى ورسوله، ودفع أعظم المفسدتين باحتمال أيسرهما، وتحصيل أعظم المصلحتين بترك أيسرهما، ومراعاة التيسير على الجاهل، والتألف للقلوب، والمبادرة إلى إزالة المفاسد عند زوال المانع.
اختيار الأيسر
ضمن الحديث عن إعلام المسلمين أنهم إِنَّمَا بُعِثْوا مُيَسِّرِينَ، وَلَمْ يبْعَثُوا مُعَسِّرِينَ، يأتي الاستشهاد بحديث عائشة، رضي الله عنها، المثبت نصه أعلاه، الذي تخبر فيه عن سمة من سمات الرسول، صلى الله عليه وسلم، أنه كان يختار الأيسر من الأمور التي كانت تعرض عليه، أي أن الأخذ بالأيسر من الأمور كان منهجاً له، صلى الله عليه وسلم، شريطة أن لا يرافق هذا الاختيار إثم أو مخالفة شرعية، وقولها: "ما" فيه تأكيد على المنهج، وأنه غير محصور بأمور مباحة دون أخرى، فيشمل ذلك الشعائر والمعاملات والعلاقات مع الآخرين وما إلى ذلك، ومن المسائل الفقهية التطبيقية لهذا المنهج، مسألة الصوم في السفر، التي اختلف العلماء فيها، حيث قال الحافظ ابن حجر العسقلاني: وَقَدْ اختلف السلف في هذه المسألة، فقالت طائفة: لا يجزئ الصوم في السفر عن الفرض، بل من صام في السفر وجب عليه قضاؤه في الحضر، لظاهر قوله تعالى: {فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} ولقوله، صلى الله عليه وسلم: "لَيْسَ مِنْ الْبِرِّ الصِّيَامُ فِي السَّفَرِ" (سنن أبي داود، كتاب الصوم، باب اختيار الفطر، وصححه الألباني) ومقابلة البر الإثم، وإذا كان آثماً بصومه لم يجزئه، وهذا قول بعض أهل الظاهر، وحُكي عن عمر وابن عمر وأبي هريرة والزهري وإبراهيم النخعي وغيرهم، واحتجوا بقوله تعالى: {أَيَّاماً مَّعْدُودَاتٍ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} (البقرة:184) قالوا ظاهره فعليه عدة، أو فالواجب عدة، وَتَأَوَّلَهُ الجمهور بأن التقدير: فأفطر فعدة، ... وذهب أكثر العلماء- ومنهم مالك والشافعي وأبو حنيفة - إلى أن الصوم أفضل لمن قوي عليه، ولم يشق عليه، وقال كثير منهم: الفطر أفضل عملاً بالرخصة، وهو قول الأوزاعي وأحمد وإسحاق، وقال آخرون: هو مخير مطلقاً، وقال آخرون: أفضلهما أيسرهما، لقوله تعالى: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمْ الْيُسْرَ} (البقرة:185) فإن كان الفطر أيسر عليه فهو أفضل في حقه، وإن كان الصيام أيسر؛ كمن يسهل عليه حينئذ، ويشق عليه قضاؤه بعد ذلك؛ فالصوم في حقه أفضل، وهو قول عمر بن عبد العزيز، واختاره ابن المنذر، والذي يترجح قول الجمهور، ولكن قد يكون الفطر أفضل لمن اشتد عليه الصوم، وتضرر به، وكذلك من ظُنَّ به الإعراض عن قبول الرخصة، كما تقدم نظيره في المسح على الخفين، وسيأتي نظيره في تعجيل الإفطار.(فتح الباري:6 /201)
فاختيار الأيسر بلغ درجة فرض الأمر الميسر عند بعض الفقهاء، كما ظهر في آراء بعض الفقهاء في مسائل فقهية مثل صيام المسافر أو فطره.
التكليف وفق الوسع والطاقة
يبين ابن عاشور أن شريعة الإسلام امتازت باليسر والرفق، بشهادة قوله تعالى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} (الحج:78) وقوله: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ}(البقرة:185)، ولذلك كان من قواعد الفقه العامة "المشقة تجلب التيسير". وكانت المشقة مظنة الرخصة، وضبط المشاق المسقطة للعبادة مذكور في الأصول، وأنه أشبع القول فيه في كتابه المسمى "مقاصد الشريعة"، وما ورد من التكاليف الشاقة فأمر نادر، في أوقات الضرورة، كتكليف الواحد من المسلمين بالثبات للعشرة من المشركين، في أول الإسلام، وقلة المسلمين. وهذه المسألة هي المعنونة في كتب الأصلين بمسألة التكليف بالمحال، والتكليف بما لا يطاق. (التحرير والتنوير:2 /596-597)
ويضيف ابن عاشور: أن نفي التكليف إلا في إطار الوسع وارد في قوله جل شأنه: {لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنتَ مَوْلاَنَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ}(البقرة:286) ويبين: أن الأظهر أنه من كلام الله تعالى، لا من حكاية كلام الرسول، صلى الله عليه وسلم، والمؤمنين، فيكون اعتراضاً بين الجمل المحكية بالقول، وفائدته إظهار ثمرة الإيمان، والتسليم، والطاعة، فأعلمهم الله بأنه لم يجعل عليهم في هذا الدين التكليف بما فيه مشقة، وهو مع ذلك تبشير باستجابة دعوتهم الملقنة، أو التي ألهموها: وهي {رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا} ـ إلى قوله: {مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ} قبل أن يحكي دعواتهم تلك.
ويجوز أن يكون من كلام الرسول، صلى الله عليه وسلم، والمؤمنين، كأنه تعليل لقولهم: {سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا}(البقرة: 285) أي علمنا تأويل قول ربنا: {وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَو تُخْفُوهُ} (البقرة: 284) بأنه يدخلها المؤاخذة بما في الوسع، مما أبدي وما أخفي، وهو ما يظهر له أثر في الخارج اختياراً، أو يعقد عليه القلب، ويطمئن به، ويفند ابن عاشور هذا الرأي، ويقول: إلا أن قوله: {لَهَا مَا كَسَبَتْ} إلخ يبعد هذا؛ إذ لا قبل لهم بإثبات ذلك.
فعلى أنه من كلام الله فهو نسخ لقوله تعالى: {وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَو تُخْفُوهُ} وهذا مروي في "صحيح مسلم" وإطلاق النسخ على هذا اصطلاح للمتقدمين، والمراد البيان والتخصيص؛ لأن الذي تطمئن له النفس -حسب تعبير ابن عاشور-: أن هذه الآيات متتابعة النظم، ومع ذلك يجوز أن تكون نزلت منجمة، فحدث بين فترة نزولها ما ظنه بعض المسلمين حرجاً.
والوسع في القراءة بضم الواو، في كلام العرب هو الطاقة والاستطاعة، والمراد به هنا ما يطاق ويستطاع، فهو من إطلاق المصدر وإرادة المفعول. والمستطاع هو ما اعتاد الناس قدرتهم على أن يفعلوه إن توجهت إرادتهم لفعله، مع السلامة وانتفاء الموانع.
وهذا دليل على عدم وقوع التكليف بما فوق الطاقة في أديان الله تعالى؛ لعموم "نفساً" في سياق النفي؛ لأن الله تعالى ما شرع التكليف إلا للعمل واستقامة أحوال الخلق، فلا يكلفهم ما لا يطيقون فعله، وما ورد من ذلك فهو في سياق العقوبات، وهذا حكم عام في الشرائع كلها. (التحرير والتنوير:1/80)
ورواية مسلم المشار إليها آنفاً عند الحديث عن نسخ قوله تعالى: {وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَو تُخْفُوهُ} مروية عن أبي هريرة قال: "لَمَّا نَزَلَتْ عَلَى رَسُولِ اللهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [البقرة: 284]، قَالَ: فَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَتَوْا رَسُولَ اللهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ بَرَكُوا عَلَى الرُّكَبِ، فَقَالُوا: أَيْ رَسُولَ اللهِ، كُلِّفْنَا مِنَ الْأَعْمَالِ مَا نُطِيقُ، الصَّلَاةَ وَالصِّيَامَ وَالْجِهَادَ وَالصَّدَقَةَ، وَقَدِ أُنْزِلَتْ عَلَيْكَ هَذِهِ الْآيَةُ وَلَا نُطِيقُهَا، قَالَ رَسُولُ اللهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أَتُرِيدُونَ أَنْ تَقُولُوا كَمَا قَالَ أَهْلُ الْكِتَابَيْنِ مِنْ قَبْلِكُمْ: "سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا؟ بَلْ قُولُوا: سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ"، قَالُوا: سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ، فَلَمَّا اقْتَرَأَهَا الْقَوْمُ، ذَلَّتْ بِهَا أَلْسِنَتُهُمْ، فَأَنْزَلَ اللهُ فِي إِثْرِهَا: {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ} [البقرة: 285]، فَلَمَّا فَعَلُوا ذَلِكَ نَسَخَهَا اللهُ تَعَالَى، فَأَنْزَلَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: {لَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا} [البقرة: 286] قَالَ: نَعَمْ {رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا} [البقرة: 286] قَالَ: نَعَمْ {رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ} [البقرة: 286] قَالَ: نَعَمْ {وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ} [البقرة: 286] قَالَ: نَعَمْ". (صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب بيان قوله تعالى:{وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَو تُخْفُوهُ}(البقرة: 284))
ففي إطار الحديث عن إعلام المسلمين أنهم إِنَّمَا بُعِثْوا مُيَسِّرِينَ، وَلَمْ يبْعَثُوا مُعَسِّرِينَ، تم الوقوف في هذه الحلقة عند مرتكزين رئيسين لهذه المسألة، هما: اختيار الأيسر، والتكليف وفق الوسع والطاقة.
راجين الله أن ييسر متابعة هذا الموضوع في ضوء ما جاء في الحديث الصحيح المروي عن نبينا محمد، صلى الله وسلم عليه، وعلى آل بيته الطاهرين، وأزواجه أمهات المؤمنين، وأصحابه الغر الميامين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
26 محرم 1448هـ

تاريخ النشر 2026-07-10
 دار الإفتاء الفلسطينية - القدس