عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إِذَا بَعَثَ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِهِ فِي بَعْضِ أَمْرِهِ، قَالَ: بَشِّرُوا وَلَا تُنَفِّرُوا، وَيَسِّرُوا وَلَا تُعَسِّرُوا». (صحيح مسلم، كتاب الجهاد والسير، باب في الأمر بالتيسير، وترك التنفير)
استخلصت في الحلقة السابقة فوائد من حديث قتادة، منها جواز إدخال الصبي في المسجد، وجواز صلاة النساء خلف الرجال، ودلالة على كمال شفقة النبي، صلى الله عليه وسلم، على أصحابه، ومراعاة أحوال الكبير منهم والصغير. وكراهية وقوع المشقة على الأم من بكاء صبيها الذي اصطحبته معها لأداء صلاة الجماعة في المسجد، ومشروعية الرفق بالمأمومين، ومراعاة مصالحهم، ودفع ما يشق عليهم، وإيثار تخفيف الصلاة للأمر يحدث.
وتَجَوزِ الإمام في الصلاة عند سماع بكاء الصبي ينسجم تماماً مع الأمر بالتيسير، وذم التعسير، فلم يكتف، صلى الله عليه وسلم، بالأمر النظري، بل مارس التيسير عملياً، ليقتدي به الأئمة وغيرهم في ذلك كلما اقتضى الأمر.
وتقاس على التجوز في الصلاة، للتيسير أمور عملية كثيرة، في الصلاة وغيرها، فابن بطال يبين أن النبي، صلى الله عليه وسلم، كان يتجوز في السجود في الصلاة لأمور الدنيا؛ خشية إدخال المشقة على النفوس. وقد يجوز أن يحتج بحديث أبي قتادة من قال: إنه جائز للإمام إذا سمع خفق النعال، وهو راكع أن يزيد في ركوعه شيئًا ليدركه الداخلون فيها؛ لأنه في معنى تجوّز النبي، عليه الصلاة والسلام، من أجل بكاء الصبي، ومما يشهد لتمثله، صلى الله عليه وسلم، عملياً منهج التيسير، موقفه من الثلاثة رهط الذين سألوا عن عبادته، صلى الله عليه وسلم، ولما علموا بها، شددوا على أنفسهم، فقال لهم: «أَمَا وَاللهِ، إِنِّي لَأَخْشَاكُمْ لِلهِ، وَأَتْقَاكُمْ لَهُ، لَكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ، وَأُصَلِّي وَأَرْقُدُ، وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي»(صحيح البخاري، كتاب النكاح، باب في الترغيب في النكاح). ما يعني أن التقرب إلى الله تعالى يكون بالمتيسر من العبادة والطاعة، ولا يحتاج إلى تنكب مطالب الفطرة ونوازعها، ولا يلزمه التشديد الضار، والله تعالى لم يكلف نفساً إلا وسعها. ويؤيد التيسير وترك التعسير والتنفير، الحث على تجنب أخذ كرائم أموال الذين وجبت عليهم زكاتها، وهذا لا يتعارض مع التشجيع على التصدق مما يحبه صاحب المال، فالله يحث على التبرع الطوعي مما يحب المنفق من ماله، حتى لا يلجأ إلى أرذل المال لينفق منه، فالفضل الجم يكون للذي ينفق من أحب ماله، وحديث تجنب كرائم أموال الناس، يخص إخراج ما استحق في الزكاة الواجبة، فالإسلام يحث على مراعاة خواطر الذين تؤخذ الزكاة من أموالهم، في الوقت الذي يشجعهم فيه على الإنفاق مما يحبون، وبهذا تنسجم التربية على البذل والسخاء مع وضع تطلعات المنفقين بالحسبان، لتسير الأمور بالخصوص بشكل متوازن منسجم، والله أعلم.
تعليل اقتران النهي عن التنفير والتعسير مع الأمر بالتبشير والتيسير
يبين العيني أن قوله: "يسروا" أمر بالتيسير، ويرد في هذا المقام على القول بأن الأمر بالشيء نهي عن ضده، فما الفائدة في قوله: "ولا تعسروا"؟! فلا يسلم ذلك، وقال: ولئن سلمنا فالغرض التصريح بما لزم ضمناً؛ للتأكيد، ويقال لو اقتصر على قوله: "يسروا" وهو نكرة لصدق ذلك على من يسر مرة، وعسر في معظم الحالات، فإذا قال: "ولا تعسروا" انتفى التعسير في الأحوال جميعها من الوجوه جميعها، وكذلك الجواب عن قوله: "ولا تنفروا" لا يقال كان ينبغي أن يقتصر على قوله: "ولا تعسروا ولا تنفروا" لعموم النكرة في سياق النفي؛ لأنه لا يلزم من عدم التعسير ثبوت التيسير، ولا من عدم التنفير ثبوت التيسير، فجمع بين هذه الألفاظ لثبوت هذه المعاني؛ لأن هذا المحل يقتضي الإسهاب وكثرة الألفاظ لا الاختصار؛ لشبهه بالوعظ، والمعنى: وبشروا الناس أو المؤمنين بفضل الله تعالى، وثوابه وجزيل عطائه، وسعة رحمته، وكذا المعنى في قوله: "ولا تنفروا" يعني بذكر التخويف وأنواع الوعيد، فيتألف من قرب إسلامه بترك التشديد عليهم، وكذلك من قارب البلوغ من الصبيان، ومن بلغ وتاب من المعاصي يتلطف بأنواع الطاعة جميعها قليلاً قليلاً، كما كانت أمور الإسلام على التدريج في التكليف، شيئاً بعد شيء؛ لأنه متى يسر على الداخل في الطاعة على المريد للدخول فيها سهلت عليه، وتزايد فيها غالباً، ومتى عسر عليه أوشك أن لا يدخل فيها، وإن دخل أوشك أن لا يدوم، أو لا يستحملها. (عمدة القاري شرح صحيح البخاري:2/496-497)
وهناك تفسير ذكره المناوي لقوله، صلى الله عليه وسلم: «بَشِّرُوا وَلاَ تُنَفِّرُوا وَيَسِّرُوا وَلاَ تُعَسِّرُوا» أي سهلوا الأمور ولا تنفروا الناس بالتعسير، وزُعم أن المراد النهي عن تنفير الطير وزجره، وكانوا ينفرونه، فإن جنح عن اليمين تيمنوا، أو الشمال تشاءموا، زلل فاحش إذ المبعوث الصحابة، كما قيد به، ومعاذ الله أن يفعلوا بعد إسلامهم ما كانت الجاهلية تفعله. (فيض القدير:5/112)
التيسير واتقاء الفتنة والتنفير من الدين
تركيز النبي، صلى الله عليه وسلم، على سمة التيسير حين قال لأئمة المسلمين: "...فَإِنَّمَا بُعِثْتُمْ مُيَّسِّرِينَ، وَلَمْ تُبْعَثُوا مُعَسِّرِينَ"(صحيح البخاري، كتاب الوضوء، باب صب الماء على البول في المسجد). يشير إلى عنايته، عليه الصلاة والسلام، باستجلاب خيرات وثمار التيسير، وتجنب سلبيات التعسير ومشكلاته، ومن تلك المشكلات الواضحة التنفير من الدين، بدليل ما جاء في حديث جَابِر بْنَ عَبْدِ اللهِ الْأَنْصَارِيَّ، قَالَ: «أَقْبَلَ رَجُلٌ بِنَاضِحَيْنِ، وَقَدْ جَنَحَ اللَّيْلُ، فَوَافَقَ مُعَاذًا يُصَلِّي، فَتَرَكَ نَاضِحَهُ، وَأَقْبَلَ إِلَى مُعَاذٍ، فَقَرَأَ بِسُورَةِ البَقَرَةِ - أَوِ النِّسَاءِ- فَانْطَلَقَ الرَّجُلُ، وَبَلَغَهُ أَنَّ مُعَاذًا نَالَ مِنْهُ، فَأَتَى النَّبِيَّ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَشَكَا إِلَيْهِ مُعَاذًا، فَقَالَ النَّبِيُّ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَا مُعَاذُ، أَفَتَّانٌ أَنْتَ؟!! - أَوْ أَفَاتِنٌ؟!! - ثَلاَثَ مِرَارٍ: فَلَوْلاَ صَلَّيْتَ بِسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ، وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا، وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى، فَإِنَّهُ يُصَلِّي وَرَاءَكَ الكَبِيرُ وَالضَّعِيفُ وَذُو الحَاجَةِ». (صحيح البخاري، كتاب الأذان، باب من شكا إمامه إذا طول)
وفي رواية أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ، قَالَ: «قَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ، لاَ أَكَادُ أُدْرِكُ الصَّلاَةَ مِمَّا يُطَوِّلُ بِنَا فُلاَنٌ، فَمَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فِي مَوْعِظَةٍ أَشَدَّ غَضَبًا مِنْ يَوْمِئِذٍ، فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّكُمْ مُنَفِّرُونَ، فَمَنْ صَلَّى بِالنَّاسِ فَلْيُخَفِّفْ، فَإِنَّ فِيهِمُ المَرِيضَ، وَالضَّعِيفَ، وَذَا الحَاجَةِ». (صحيح البخاري، كتاب العلم، باب الغضب في الموعظة والتعليم، إذا رأى ما يكره)
فقوله، صلى الله عليه وسلم، لمعاذ لما أطال في إمامته: "يَا مُعَاذُ أَفَتَّانٌ أَنْتَ -أَوْ أَفَاتِنٌ- ثَلَاثَ مِرَارٍ" وقوله في الرواية الثانية: "يا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ مِنْكُمْ مُنَفِّرِينَ..."(صحيح مسلم، كتاب الصلاة، باب أمر الأئمة بتخفيف الصلاة في التمام) يشيران إلى سلبية مشتركة تتمثل في التنفير من الدين، وفتنة الناس عنه، وهما يتناقضان مع الثمار الإيجابية للطف بالناس، مصداقاً لقوله، عز وجل: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ} (آل عمران:159)
عناية الإسلام بتأليف القلوب بالتيسير والتبشير
أحاديث الأمر بالتيسير والتبشير، والنهي عن التعسير والتنفير، يحقق العمل بمقتضاها غاية سامية عني الإسلام بها عناية فائقة، عمادها كسب القلوب وتأليفها لقبول الدين والانصياع إليه بحب ورغبة، فإن من مصارف الزكاة الثمانية شريحة المؤلفة قلوبهم.
وأوصى الإسلام بالرفق بالمدعوين والإحسان إليهم، ومخاطبتهم بالحسنى، فقال عز وجل: {ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} (النحل:125) وأشاد الله برفق النبي، صلى الله عليه وسلم، بالذين يخاطبهم ويتعامل معهم، مبيناً أنه لو لم يكن على هذا النحو لانفضوا عنه ونفروا، فقال تعالى: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ} (آل عمران:159)
ومن صفات الله الحسنى الواسع، وهو القائل جل ذكره: {...إِنَّ اللّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} (البقرة:115) والمراد سعة ملكه، أو سعة تيسيره. (التحرير والتنوير:1/665)
فوائد مستنبطة من حديث الأمر بالتيسير والتبشير
استنبط بعض العلماء ومنهم النووي من قوله، صلى الله عليه وسلم: «بَشِّرُوا وَلا تُنَفِّرُوا وَيَسِّرُوا وَلا تُعَسِّرُوا» الأمر بالتبشير بفضل الله وعظيم ثوابه، وجزيل عطائه، وسعة رحمته، والنهي عن التنفير بذكر التخويف وأنواع الوعيد، محضة من غير ضمها إلى التبشير.
وفيه: تأليف من قرب إسلامه وترك التشديد عليهم، وكذلك من قارب البلوغ من الصبيان، ومن بلغ ومن تاب من المعاصي كلهم يتلطف بهم، ويدرجون في أنواع الطاعة قليلاً قليلاً، وقد كانت أمور الإسلام في التكليف على التدريج فمتى يسر على الداخل في الطاعة، أو المريد للدخول فيها سهلت عليه، وكانت عاقبته غالباً التزايد منها، ومتى عسرت عليه أو شك ألا يدخل فيها، وإن دخل أو شك ألا يدوم، أو لا يستحليها.
وفيه: أمر الولاة بالرفق واتفاق المتشاركين في ولاية ونحوها، وهذا من المهمات؛ فإن غالب المصالح لا يتم إلا بالاتفاق، ومتى حصل الاختلاف فات.
وفيه: وصية الإمام الولاة وإن كانوا أهل فضل وصلاح، كمعاذ وأبي موسى، فإن الذكرى تنفع المؤمنين. (صحيح مسلم بشرح النووي:6/170)
ويذكر العيني أن هذا الحديث من جوامع الكلم؛ لاشتماله على خيري الدنيا والآخرة؛ لأن الدنيا دار الأعمال، والآخرة دار الجزاء، فأمر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فيما يتعلق بالدنيا بالتسهيل، وفيما يتعلق بالآخرة بالوعد بالخير والإخبار بالسرور، تحقيقاً لكونه رحمة للعالمين في الدارين. (عمدة القاري شرح صحيح البخاري:2/496-497)
ففي إطار الحديث عن إعلام المسلمين أنهم إِنَّمَا بُعِثْوا مُيَسِّرِينَ، وَلَمْ يبْعَثُوا مُعَسِّرِينَ، تم الوقوف في هذه الحلقة عند تعليل اقتران النهي عن التنفير والتعسير مع الأمر بالتبشير والتيسير، واتقاء الفتنة، والتنفير من الدين، وعند عناية الإسلام بتأليف القلوب بالتيسير والتبشير، واستنباط فوائد من حديث: "بَشِّرُوا وَلَا تُنَفِّرُوا، وَيَسِّرُوا وَلَا تُعَسِّرُوا.
راجين الله أن ينفع من تابع قراءة هذه الحلقة وسابقاتها بما تم تناوله حول موضوع إعلام المسلمين أنهم إِنَّمَا بُعِثْوا مُيَسِّرِينَ، وَلَمْ يبْعَثُوا مُعَسِّرِينَ، حسب ما جاء في حديث الصحيح المروي عن نبينا محمد، صلى الله وسلم عليه، وعلى آل بيته الطاهرين، وأزواجه أمهات المؤمنين، وأصحابه الغر الميامين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
17 صفر 1448هـ