.:: الرسول الأسوة صلى الله عليه وسلم ::.

أعلم المسلمين أنهم إِنَّمَا بُعِثْوا مُيَسِّرِينَ، وَلَمْ يبْعَثُوا مُعَسِّرِينَ - الحلقة الرابعة

==========================================================

جاء في صحيح البخاري: باب مَنْ أَخَفَّ الصَّلاةَ عِنْدَ بُكَاءِ الصَّبِيِّ، وفيه: عن أَبي قَتَادَةَ: أن نَّبِيِّ الله، قَالَ: "إِنِّي لأقُومُ فِي الصَّلاةِ، أُرِيدُ أَنْ أُطَوِّلَ فِيهَا، فَأَسْمَعُ بُكَاءَ الصَّبِيِّ، فَأَتَجَوَّزُ فِي صَلاتِي، كَرَاهِيَةَ أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمِّهِ". (صحيح البخاري، كتاب الأذان، باب من أخف الصلاة عند بكاء الصبي)
تم الوقوف في الحلقة السابقة عند وصف أئمة الصلاة الذين يطيلون فيها بالمُنَفِّرِينَ، وقد أمر الأئمة بأن يَتَجَوَّزْوا في صلاة الجماعة دون الإخلال في أركانها، وهذا يشمل إطالة الإمام في أي صلاة جماعة، إضافة إلى بيان حكم انسحاب المأموم من صلاة الجماعة بعد الشروع فيها بسبب تضرره من إطالة الإمام، فالرسول، صلى الله عليه وسلم، بدى عليه الغضب البالغ لما علم بخبر انسحاب أحد الصحابة من صلاة الجماعة بسبب تضرره من إطالة إمامها، ثم خاطب الكل بقوله: "إن منكم منفرين" ولم يعين المطول كرماً ولطفاً عليه، وكانت هذه عادته، حيث ما كان يخصص العتاب والتأديب بمن يستحقه، وقول الرجل: "لأتأخر عن صلاة الغداة" يعني لا أحضرها مع الجماعة؛ لأجل التطويل. وقوله: "مما يطيل بنا" كلمة "ما" مصدرية أي من تطويله.
والرسول، صلى الله عليه وسلم، وجه أئمة الصلاة بأن يتجوزوا في إمامتهم، أي فليخففوا، والتطويل والتخفيف من الأمور الإضافية النسبية، فقد يكون الشيء خفيفاً بالنسبة إلى عادة قوم، طويلاً بالنسبة إلى عادة آخرين، والأحكام إنما تناط بالغالب لا بالحالات النادرة، فينبغي للأئمة التخفيف مطلقاً، كما شرع القصر في الصلاة في حق المسافر، وعلل بالمشقة، وهي مع ذلك تشرع، ولو لم تشق، عملاً بالغالب. والتنفير هنا يشمل الإطالة في أي صلاة جماعة؛ أي يخص الصلوات جميعها، سواء كانت ليلية أم نهارية، فرضاً أم نافلة –كالتراويح في رمضان لمن يصلونها جماعة- ولا يقتصر على بعضها، وللفقهاء آراء وتفاصيل تخص حكم انسحاب المأموم من صلاة الجماعة بعد الشروع فيها بسبب تضرره من إطالة الإمام.
فوائد من حديث قتادة
حول حديث أبي قتادة المثبت نصه أعلاه، يبين العيني أن قوله، صلى الله عليه وسلم: "إني لأقوم في الصلاة أريد" -وفي رواية لأقوم إلى الصلاة - وأنا أريد" الواو في "وأنا أريد" للحال، وقوله: "أريد" أيضاً في موضع الحال. وقوله: "أن أطول" أن مصدرية؛ أي أريد التطويل في الصلاة. وقوله: "فأتجوز" أي فأخفف، وقال ابن سابط: التجوز هنا يراد به تقليل القراءة.
واستدل بعضهم بهذا الحديث على جواز إدخال الصبي إلى المسجد، وقال بعضهم: فيه نظر لاحتمال أن يكون الصبي كان مخلفاً في بيت يقرب من المسجد، قال العيني: ليس هذا موضع النظر؛ لأن الظاهر أن الصبي لا يفارق أمه غالباً. وفيه دلالة على جواز صلاة النساء مع الرجال، وفيه دلالة على كمال شفقة النبي، صلى الله عليه وسلم، على أصحابه، ومراعاة أحوال الكبير منهم والصغير. (عمدة القاري شرح صحيح البخاري:8/435-436)
وفي عون المعبود أن معنى التجوز أنه قطع قراءة السورة، وأسرع في أفعاله. والأظهر أنه شرع في سورة قصيرة بعد ما أراد أن يقرأ سورة طويلة، فالحاصل أنه حاز بين الفضيلتين، وهما قصد الإطالة، والشفقة والرحمة وترك الملالة. و(أن أشق على أمه) يقال: شق عليه أي ثقل، أو حمله من الأمر الشديد ما يشق عليه ويشتد، والمعنى كراهية وقوع المشقة عليها من بكاء الصبي.
والحديث يدل على مشروعية الرفق بالمأمومين، ومراعاة مصالحهم، ودفع ما يشق عليهم، وإيثار تخفيف الصلاة للأمر يحدث. (عون المعبود:2/355)
تَجَوَّزُ الإمام فِي الصَلاة عند سماع بكاء الصبي
يظهر من حديث أبي قتادة، أن نَبِيَّ الله، صلى الله عليه وسلم، كان يتراجع عن نيته الإطالة في إمامة صلاة الجماعة، لما كان يسمع بكاء الصبي، فيعدل عن الإطالة إلى التجوز، كراهية أن يشق على أم الصبي، وفعله، صلى الله عليه وسلم، ذلك يتماشى مع إعلامه المسلمين أنهم إِنَّمَا بُعِثْوا مُيَسِّرِينَ، وَلَمْ يبْعَثُوا مُعَسِّرِينَ، فتَجَوزِ الإمام في الصلاة عند سماع بكاء الصبي ينسجم تماماً مع الأمر بالتيسير، وذم التعسير، فلم يكتف صلى الله عليه وسلم، بالأمر النظري، بل مارس التيسير عملياً، ليقتدي به الأئمة وغيرهم في ذلك كلما اقتضى الأمر.
تمهل الإمام ليمكن المتأخر من اللحاق بصلاة الجماعة
تُقاس على التجوز في الصلاة للتيسير أمورٌ عملية كثيرة، في الصلاة وغيرها، فابن بطال يبين أن حديث أبي قتادة أعلاه: يدل على أنه، صلى الله عليه وسلم، كان يتجوز في السجود في الصلاة لأمور الدنيا؛ خشية إدخال المشقة على النفوس. وقد يجوز أن يحتج بهذا الحديث من قال: إنه جائز للإمام إذا سمع خفق النعال، وهو راكع أن يزيد في ركوعه شيئًا ليدركه الداخلون فيها؛ لأنه في معنى تجوّز النبي، عليه الصلاة والسلام، من أجل بكاء الصبي، وممن أجاز ذلك: الشعبي، والحسن، وعبد الرحمن ابن أبي ليلى، وقال آخرون: ينتظرهم ما لم يشق على أصحابه، هذا قول أحمد، وإسحاق، وأبي ثور، وقال مالك: لا ينتظرهم؛ لأنه يضر بمن خلفه؛ لأنه لو فعل ذلك، ولعله يسمع آخر بعد ذلك فينتظره فيضر بمن معه، وهذا قول الأوزاعي، وأبي حنيفة، والشافعي، وقالوا: يركع كما كان يركع. واستدل أهل المقالة الأولى أنه لما كان تجوّزه في صلاته لا يخرجه منها، دل أن الزيادة فيها شيئًا لا تخرجه من الصلاة، ولما أجمعوا أنه جائز للإمام أن ينتظر الجماعة ما لم يخف فوات الوقت، جاز للراكع أيضًا ذلك ما لم يخف فوات الوقت. (شرح صحيح البخاري –لابن بطال:2/336) فهذه آراء الفقهاء في مسألة فقهية يمكن أن تكون مثالاً للتيسير على الخلق في عبادتهم ومعاشهم.
يصوم ويفطر، ويصلي ويرقد
يشهد لتمثله، صلى الله عليه وسلم، عملياً منهج التيسير، موقفه من الثلاثة رهط الذين سألوا عن عبادته، صلى الله عليه وسلم، ولما علموا بها، شددوا على أنفسهم، فقرر أحدهم أن يصلي الليل كله أبداً، وقرر الثاني أن يصوم ولا يفطر أبداً، وقرر الثالث أن لا يتزوج النساء أبداً، ولما علم صلى الله عليه وسلم، بخبرهم، أنكر عليهم ما ذهبوا إليه، حسب ما جاء في حديث أَنَس بْن مَالِكٍ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، يَقُولُ: "جَاءَ ثَلَاثَةُ رَهْطٍ إِلَى بُيُوتِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَسْأَلُونَ عَنْ عِبَادَةِ النَّبِيِّ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَمَّا أُخْبِرُوا كَأَنَّهُمْ تَقَالُّوهَا، فَقَالُوا: وَأَيْنَ نَحْنُ مِنَ النَّبِيِّ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَدْ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ، فَقَالَ أَحَدُهُمْ: أَمَّا أَنَا فَإِنِّي أُصَلِّي اللَّيْلَ أَبَدًا، وَقَالَ آخَرُ: أَنَا أَصُومُ الدَّهْرَ وَلَا أُفْطِرُ، وَقَالَ آخَرُ: أَنَا أَعْتَزِلُ النِّسَاءَ، فَلَا أَتَزَوَّجُ أَبَدًا. فَجَاءَ رَسُولُ اللهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إِلَيْهِمْ، فَقَالَ: أَنْتُمُ الَّذِينَ قُلْتُمْ كَذَا وَكَذَا؟ أَمَا وَاللهِ، إِنِّي لَأَخْشَاكُمْ لِلهِ، وَأَتْقَاكُمْ لَهُ، لَكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ، وَأُصَلِّي وَأَرْقُدُ، وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي". (صحيح البخاري، كتاب النكاح، باب الترغيب في النكاح)
فالتقرب إلى الله تعالى يكون بالمتيسر من العبادة والطاعة، ولا يحتاج إلى تنكب مطالب الفطرة ونوازعها، ولا يلزمه التشديد الضار، والله تعالى لم يكلف نفساً إلا وسعها.
التحذير من أخذ كرائم أموال الناس
يؤيد التيسير وترك التعسير والتنفير، الحث على تجنب أخذ كرائم أموال الذين وجبت عليهم زكاتها، وهذا ما أمر به النبي، صلى الله عليه وسلم، جباة الزكاة، كما هو مبين في حديث ابْنِ عَبَّاسٍ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، قَالَ: "قَالَ رَسُولُ اللهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لِمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ حِينَ بَعَثَهُ إِلَى الْيَمَنِ... فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لَكَ بِذَلِكَ، فَإِيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ..." (صحيح البخاري، كتاب الزكاة، باب أخذ الصدقة من الأغنياء...)
يبين العيني أن قوله، صلى الله عليه وسلم: "فإياك وكرائم أموالهم" يعني احترز فلا تأخذ كرائم الأموال، والكرائم جمع كريمة، وهي النفيسة من المال، وقيل ما يختص صاحبه لنفسه منها ويؤثره، وقال صاحب (المطالع): هي جامعة الكمال المتمكن في حقها؛ من غزارة اللبن، وجمال صورة، أو كثرة لحم أو صوف. (عمدة القاري شرح صحيح البخاري: 13/187)
وهذا لا يتعارض مع التشجيع على التصدق بما يحبه صاحب المال، حسب ما جاء في قوله تعالى: {لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فَإِنَّ اللّهَ بِهِ عَلِيمٌ} (آل عمران:92) إذ إن الله يحث على التبرع الطوعي مما يحب المنفق من ماله، حتى لا يلجأ إلى أرذل المال لينفق منه، فالفضل الجم يكون للذي ينفق من أحب ماله، وحديث تجنب كرائم أموال الناس، يخص إخراج ما استحق في الزكاة الواجبة، فالإسلام يحث على مراعاة خواطر الذين تؤخذ الزكاة من أموالهم، في الوقت الذي يشجعهم فيه على الإنفاق مما يحبون، وبهذا تنسجم التربية على البذل والسخاء مع وضع تطلعات المنفقين بالحسبان، لتسير الأمور بالخصوص بشكل متوازن منسجم، والله أعلم.
ففي إطار الحديث عن إعلام المسلمين أنهم إِنَّمَا بُعِثْوا مُيَسِّرِينَ، وَلَمْ يبْعَثُوا مُعَسِّرِينَ، تم الوقوف في هذه الحلقة عند استنباط فوائد من حديث قتادة، وتَجَوَّزُ الإمام فِي الصَلاة عند سماع بكاء الصبي، وتمهل الإمام ليمكن المتأخر من اللحاق بصلاة الجماعة، وأن المستقيم على الدين يصوم ويفطر، ويصلي ويرقد، مع التحذير من أخذ كرائم أموال الناس.
راجين الله أن ييسر متابعة موضوع إعلام المسلمين أنهم إِنَّمَا بُعِثْوا مُيَسِّرِينَ، وَلَمْ يبْعَثُوا مُعَسِّرِينَ، حسب ما جاء في الحديث الصحيح المروي عن نبينا محمد، صلى الله وسلم عليه، وعلى آل بيته الطاهرين، وأزواجه أمهات المؤمنين، وأصحابه الغر الميامين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
10 صفر 1448هـ

تاريخ النشر 2026-07-24
 دار الإفتاء الفلسطينية - القدس