.:: الرسول الأسوة صلى الله عليه وسلم ::.

أمره الله والناس والمؤمنين بالتقوى - الحلقة الثانية عشرة والأخيرة

==========================================================

يقول منزل القرآن سبحانه في محكم التنزيل: {وَللّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُواْ اللّهَ وَإِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ لِلّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَانَ اللّهُ غَنِيّاً حَمِيداً}(النساء:131(
تعرضت الحلقة السابقة للحديث عن مكافأة المتقين بصورها وأنواعها الكثيرة، ومن ذلك وهبهم العلم وتوفيقهم فيه، ومن ثمار التقوى التي ينعم بها المتقون، نيلهم المعية الربانية، وذلك بالمعونة والنصرة والحفظ والعلم، وكرر هذا المعنى في مواضع أخر، وأما المعية العامة لجميع الخلق، فهي بالإحاطة التامة، والعلم ونفوذ القدرة، وكون الجميع في قبضته جل وعلا؛ وهذه هي المذكورة أيضاً في آيات كثيرة.

الأمر العام بالتقوى والتوصية بها
أمر سبحانه خلقه بتقواه، كما في الآية القرآنية الكريمة 131 من سورة النساء، والمثبت نصها أعلاه، وتكرر الأمر بالتقوى في آيات أخرى، كقوله تعالى:{فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنفِقُوا خَيْراً لِّأَنفُسِكُمْ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} (التغابن:16)، وقوله سبحانه: {...فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُوْلِي الْأَلْبَابِ الَّذِينَ آمَنُوا قَدْ أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْراً} (الطلاق:10)
ولم يقف الأمر الرباني بالتقوى عند مجالات دون أخرى، فالله أمر بالتقوى في ثنايا أطول آية قرآنية، والمعروفة بآية الدين، فقال عز وجل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلاَ يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللّهَ رَبَّهُ وَلاَ يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً ...}(البقرة:282)، وتكرر الأمر بالتقوى في الآية التالية ذات الصلة بمضمون سابقتها، فقال تعالى:{وَإِن كُنتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُواْ كَاتِباً فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضاً فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللّهَ رَبَّهُ وَلاَ تَكْتُمُواْ الشَّهَادَةَ وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ}(البقرة:283)

فضائل التقوى وبواعثها ودرجاتها
للتقوى فضائل وبواعث ودرجات، وقف عند مجمل ذلك صاحب التسهيل لعلوم التنزيل، ضمن فصول ثلاثة، وذلك على النحو الآتي:
فضائل التقوى المستنبطة من القرآن، وهي خمس عشرة، الهدى، كقوله: {هدى للمتقين} والنصرة لقوله: {إن الله مع الذين اتقوا} والولاية، لقوله: {الله ولي المتقين} والمحبة، لقوله: {إن الله يحب المتقين} والمغفرة، لقوله: {إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا} والمخرج من الغم، والرزق من حيث لا يحتسب، لقوله: {ومن يتق الله يجعل له مخرجا}الآية، وتيسير الأمور، لقوله: {ومن يتق الله يجعل له من أمره يسرا} وغفران الذنوب، وإعظام الأجور، لقوله: {ومن يتق الله يكفر عنه سيئاته ويعظم له أجرا} وتقبل الأعمال، لقوله: {إنما يتقبل الله من المتقين}والفلاح، لقوله: {واتقوا الله لعلكم تفلحون}، والبشرى، لقوله: {لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة} ودخول الجنة، لقوله: {إن للمتقين عند ربهم جنات النعيم} والنجاة من النار، لقوله: {ثم ننجي الذين اتقوا}
أما البواعث على التقوى، فعشرة: خوف العقاب الأخروي، وخوف الدنيوي، ورجاء الثواب الدنيوي، ورجاء الثواب الأخروي، وخوف الحساب، والحياء من نظر الله، وهو مقام المراقبة، والشكر على نعمه بطاعته والعلم، لقوله: {إنما يخشى الله من عباده العلماء} وتعظيم جلال الله، وهو مقام الهيبة، وصدق المحبة لقول القائل:
تعصي الإله وأنت تظهر حبه هذا لعمري في القياس بديع
لو كان حبك صادقا لأطعته إن المحب لمن يحب مطيع
ولله در القائل: قالت وقد سألت عن حال عاشقها لله صفه ولا تنقص ولا تزد
فقلت لو كان يظن الموت من ظمإ وقلت قف عن ورود الماء لم يرد
وبالنسبة إلى درجات التقوى، فهي خمس: أن يتقي العبد الكفر، وذلك مقام الإسلام، وأن يتقي المعاصي والحرمات، وهو مقام التوبة، وأن يتقي الشبهات، وهو مقام الورع، وأن يتقي المباحات، وهو مقام الزهد، وأن يتقي حضور غير الله على قلبه، وهو مقام المشاهدة. (التسهيل لعلوم التنزيل، 1/35-36)

رجاء إمامة المتقين
إمامة المتقين فضيلة يرجوها العقلاء، الذين يرجون أن تتحقق لهم هذه المكرمة، وفق ما تضمنه قوله عز وجل: {وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً} (الفرقان:74)، وفي التسهيل لعلوم التنزيل، أن قوله تعالى: {واجعلنا للمتقين إماماً}أي قدوة يقتدي بنا المتقون، فإمام مفرد يراد به الجنس، وقيل هو جمع (آم) أي متبع. (التسهيل لعلوم التنزيل، 3/82)
وفي صحيح البخاري، بَاب الِاقْتِدَاءِ بِسُنَنِ رسول اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا} قال: أيمة نَقْتَدِي بِمَنْ قَبْلَنَا، وَيَقْتَدِي بِنَا من بَعْدَنَا. (صحيح البخاري، كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب الاقتداء بسنن رسول الله، صلى الله عليه وسلم)
فالتقوى يتمنى التوفيق إليها، والعمل بمقتضاها كل مؤمن رجاء أن ينال بمعيتها الدرجات العلى عند ربه، يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.
وبهذه الوقفة نختم الحديث عن بعض مناحي الأمر الرباني بالتقوى، في هذه المرحلة، سائلين الله العلي القدير أن يشرح صدورنا لهداه، وأن يلهمنا تقواه، لننال حبه سبحانه ورضاه، وحب نبيه محمد، صلى الله عليه وسلم، وعلى آله الطاهرين، وأزواجه أمهات المؤمنين، وأصحابه الغر الميامين، ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين.
23 شوال 1442هـ

تاريخ النشر 2021-06-04
 دار الإفتاء الفلسطينية - القدس