.:: الرسول الأسوة صلى الله عليه وسلم ::.

أمره الله والناس والمؤمنين بالتقوى - الحلقة العاشرة

==========================================================

وعد الله الملتزمين بتقواه، بأن ييسرهم لليسرى، فقال عز وجل: {فَأَمَّا مَن أَعْطَى وَاتَّقَى* وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى* فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى}(الليل:5-7)
تعرضت الحلقة السابقة للحديث عن بعض الوعود الربانية للمتقين، التي منها وعدهم بالعقبى، مع ذكر الآيات القرآنية الأربع التي استخدم فيها لفظ العقبى خمس مرات، وكلها في سورة الرعد، منها الآية 35 التي تكرر فيها ذكر لفظ عقبى مرتين، إحداهما أضيف إليها الذين اتقوا، والأخرى أضيف إليها الكافرون، مع الإشارة إلى الجنة الموعودة للمتقين، والنار الموعودة للكافرين، والآيات الثلاث الأخرى، اشتركت بختم كل منها بعبارة (عقبى الدار) مع اختصاص كل منها بصياغة معينة، وتم التذكير بعدد مواضع ذكر العاقبة في القرآن الكريم، والتي ذكر لفظها في إحدى وثلاثين آية كريمة، منها ثلاث آيات أضيف فيها المتقون إلى لفظ العقبى، ومرة أخرى أضيف إليه لفظ التقوى.

تيسير المتقين لليسرى
من بين الوعود الربانية للمتقين، أن ييسرهم الله لليسرى، حسب الوعد الرباني لهم في الآيات أعلاه من سورة الليل، جاء في أضواء البيان، أنه أطلق{أعطى}ليعم كل عطاء من ماله وجاهه وجهده، حتى الكلمة الطيبة، بل حتى طلاقة الوجه، والحسنى قيل المجازاة على الأعمال، وقيل: للخلف على الإنفاق، وقيل: لا إله إلاَّ اللّه، وقيل: الجنة، والذي يشهد له القرآن هو الأخير، لقوله تعالى: {لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ}(يونس: 26)، فقالوا: الحسنى هي الجنة، والزيادة النظر إلى وجهه الكريم، وهذا المعنى يشمل كل المعاني، لأنها أحسن خلف لكل ما ينفق العبد، وخير وأحسن مجازاة على أي عمل، مهما كان، ولا يتوصل إليها إلا بلا إله إلا اللَّه، وقوله: {فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى}، وقوله: {فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى} بعد ذكر {أعطى واتقى} في الأولى، و{بخل واستغنى} في الثانية، قيل: هو دلالة على أن فعل الطاعة ييسر إلى طاعة أخرى، وفعل المعصية يدفع إلى معصية أخرى.(أضواء البيان 8/547- 548)

نجاة المتقين
النجاة من عذاب الآخرة، جزء مهم ورئيس من الثواب، مصداقاً لقوله عز وجل: {كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَما الحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الغُرُورِ} (آل عمران:185)
وعن نجاة المتقين يوم القيامة، يقول عز وجل: {وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوا بِمَفَازَتِهِمْ لَا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ}(الزمر:61) أي ينجي الله المتقين بمفازتهم (التفسير الكبير، 27/11)، و{بمفازتهم} أصله من الفوز، والتقدير بسبب فوزهم، وقيل: معناه بفضائلهم. (التسهيل لعلوم التنزيل، 3/198)
وقد وعد الله المتقين بالنجاة من النار، رغم لزوم مرورهم على الصراط، فقال تعالى: {وَإِن منكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْماً مَّقْضِيّاً* ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا ونَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيّاً} (مريم: 71-72)
جاء في تفسير ابن كثير، أن قوله: {وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا} هو الممر عليها، وقيل: ورود المسلمين المرور على الجسر، وورود المشركين أن يدخلوها.
وعن ابن مسعود في قوله:{كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْماً مَّقْضِيّاً} قال: قسماً واجباً، وقال مجاهد: حتماً قضاء، وكذا قال ابن جريج. وقوله: {ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا} أي إذا مر الخلائق كلهم على النار، وسقط فيها من سقط من الكفار والعصاة ذوي المعاصي بحسبهم، نجى الله تعالى المؤمنين المتقين منها بحسب أعمالهم، فجوازهم على الصراط، وسرعتهم بقدر أعمالهم التي كانت في الدنيا.(تفسير ابن كثير، 3/134- 135)
وعن أُمّ مُبَشِّرٍ، أنها سَمِعَتْ النبي، صلى الله عليه وسلم، يقول عِنْدَ حَفْصَةَ: (لَا يَدْخُلُ النَّارَ إن شَاءَ الله من أَصْحَابِ الشَّجَرَةِ أَحَدٌ، الَّذِينَ بَايَعُوا تَحْتَهَا، قالت: بَلَى يا رَسُولَ اللَّهِ، فَانْتَهَرَهَا، فقالت حَفْصَةُ: {وَإِنْ مِنْكُمْ إلا وَارِدُهَا} فقال النبي، صلى الله عليه وسلم: قد قال الله عز وجل: {ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فيها جِثِيًّا}.(صحيح مسلم، كتاب فضائل الصحابة، رضي الله تعالى عنهم، باب من فضائل أصحاب الشجرة أهل بيعة الرضوان )
وعن أبي هُرَيْرَةَ، رضي الله عنه، عن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال: (لَا يَمُوتُ لِمُسْلِمٍ ثَلَاثَةٌ من الْوَلَدِ فَيَلِجَ النَّارَ إلا تَحِلَّةَ الْقَسَمِ، قال أبو عَبْد اللَّهِ: {وَإِنْ مِنْكُمْ إلا وَارِدُهَا} (صحيح البخاري، كتاب الجنائز، باب فضل من مات له ولد فاحتسب)

تفريج كرب المتقين
تفريج الكرب، والخروج من الأزمات بسلام وأمان، نعمة يمنها الله على عباده المتقين، بفضله سبحانه وعظمته وقدرته وإرادته، حيث وعد سبحانه المتقين بأن يجعل لهم من الضيق مخرجاً، فقال تعالى: {...وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لهُ مَخْرَجاً* وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً} (الطلاق: 2-3)، فالله يطمئن المتقين إلى تخليصهم من الأزمات التي تعترضهم، وإلى الإنعام عليهم بالرزق من حيث لا يحتسبون، ووعد سبحانه المتقين في الآيتين التاليتن بثوابين آخرين، فوعدهم بأن يجعل لهم من أمرهم يسراً، وأن يعظم لهم أجراً، فقال عز وجل: {...وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً}(الطلاق: 4)، وقال تعالى: {...وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْراً} (الطلاق:5(
فهذه وقفة أخرى مع بعض مناحي الأمر الرباني بالتقوى، والمثوبة الموعودة من الله عليها، عسى أن ييسر الله الوقوف عند مزيد من ثمار التقوى، وأن يشرح سبحانه صدورنا لهداه، ويلهمنا تقواه، لننال حبه ورضاه، وحب نبيه محمد، صلى الله عليه وسلم، وعلى آله الطاهرين، وأزواجه أمهات المؤمنين، وأصحابه الغر الميامين، ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين.
19 شعبان 1442هـ

تاريخ النشر 2021-04-02
 دار الإفتاء الفلسطينية - القدس