.:: الرسول الأسوة صلى الله عليه وسلم ::.

خاطبه الله بقوله، عز وجل: {وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ} (الشعراء:219) - الحلقة العاشرة

==========================================================

انطلاقاً من موضوع الحلف بمقلب القلوب، وبمناسبة ختم شهر رمضان المبارك، وحلول عيد الفطر، وقفت الحلقة السابقة عند أمور تتعلق بالعيد تجلت فيها تقلبات من نوع خاص، منها المخالفة في طريق الذهاب والإياب لصلاة العيد، وتحريم صوم يوم العيد بخلاف اليوم الذي سبقه، وإدخال السرور على قلوب الأهل والعيال في الأعياد، وتغير أحوالها للأفضل، إضافة إلى ترقيق القلوب تجاه اليتامى والفقراء والمحتاجين يوم العيد.
وحيث إن التقلب العام في الظروف والأحوال لا يقتصر على تقلب القلوب، فهناك تقلب يحدث في نواحي وجوانب أخرى؛ كالتقلب في الساجدين، وتقلب القلوب والأبصار، وتقلب الوجوه في النار، والانقلاب على الأعقاب، والأخذ في التقلب، والتقلب في البلاد، وإليه تقلبون، والانقلاب إلى الأهل، وتقلب الوجه في السماء، والله يعلم المتقلب والمثوى، وذلك في ضوء ما نصت عليه آيات الذكر الحكيم، وسيتم الشروع فيما يأتي بإجمال الوقوف عند معاني التقلب في هذه المناحي، وذلك على النحو الآتي:

التقلب في الساجدين
خاطب الله، رسوله الكريم محمداً، صلى الله عليه وسلم، بقوله، عز وجل: {وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ} (الشعراء:219) وقد جاءت هذه الآية الكريمة في سياق جملة من التوجيهات الربانية، حيث أمر الله رسوله، صلى الله عليه وسلم، بأمور عقائدية ودعوية وسلوكية، وأكد له أنه يراه حين يقوم، وتقلبه في الساجدين، فقال عز وجل:{فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ* وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ* وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ* فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تَعْمَلُونَ* وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ* الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ* وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ* إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} (الشعراء:213-220)
يبين ابن جزى أن: {وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ} معطوف على الضمير المفعول في قوله: {يَرَاكَ} والمعنى أنه يراك حين تقوم، وحين تسجد. وقيل: معناه يرى صلاتك مع المصلين، ففي ذلك إشارة إلى الصلاة مع الجماعة، وقيل: يرى تقلب بصرك في المصلين خلفك؛ لأنه، عليه الصلاة والسلام، كان يراهم من وراء ظهره. (التسهيل لعلوم التنزيل: 3/299-300)
ويذكر الطاهر بن عاشور أن هذا الخطاب يتضمن تنويهاً بالنبي، صلى الله عليه وسلم، في جليل أعماله، وتسلية على ما يلاقيه من المشركين من تكذيب وأذى؛ لأن اطلاع الله على ذلك، وعلمه بأنه في مرضاته، كاف في التسلية، كقوله: {وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا} (الطور: 48)، ولذلك توجه الخطاب ابتداء إلى النبي، صلى الله عليه وسلم، ثم توجه إليه وإلى من معه من المسلمين. (التحرير والتنوير:11/118)

ملحق لتقلب القلوب والأبصار
لاحقاً لما تم عرضه في الحلقة الثانية عن تقلب القلوب والأبصار، قد يكون من المفيد هنا بيان أن تقلب القلوب والأبصار يحدث للخلق أحياناً في الدنيا، وأحياناً في الآخرة، ففي الدنيا يتعرض الناس لمواقف وحوادث تتزلزل فيها قلوبهم، وتتقلب فيها أبصارهم، بدرجات ومستويات متفاوتة، لكن هذا التقلب ليس بشيء إذا ما قورن بما يكون يوم القيامة، والمؤمنون الذي يخشون ربهم بالغيب يخافون الآخرة التي تتقلب فيها القلوب والأبصار، مصداقاً لقوله عز وجل: {رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ} (النور:37) يذكر الشنقيطي أن اليوم الذي تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ، هُوَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ لِشِدَّةِ هَوْلِهِ، وَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ مِنْ عِظَمِ هَوْلِ ذَلِكَ الْيَوْمَ، وَتَأْثِيرُهُ فِي الْقُلُوبِ وَالْأَبْصَارِ، جَاءَ فِي آيَاتٍ كَثِيرَةٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ الْعَظِيمِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ* أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ} (النازعات: 8 – 9) وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ} (إبراهيم: 42) وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ} الْآيَةَ (غافر: 18)، وَنَحْوُ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى عِظَمِ ذَلِكَ الْيَوْمِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا* السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ} الْآيَةَ (المزمل: 17 – 18)، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا* إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا} (الإنسان: 9 – 10) إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ.
وَفِي مَعْنَى تُقَلِّبِ الْقُلُوبِ وَالْأَبْصَارِ أَقْوَالٌ مُتَعَدِّدَةٌ لِأَهْلِ التَّفْسِيرِ، وبيّن الشنقيطي أن أظهر هذه الأقوال عنده: أَنَّ تُقَلُّبَ الْقُلُوبِ هُوَ حَرَكَتُهَا مِنْ أَمَاكِنِهَا مِنْ شِدَّةِ الْخَوْفِ؛ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ} وَأَنَّ تُقَلَّبَ الْأَبْصَارِ هُوَ زَيْغُوغَتُهَا وَدَوَرَانُهَا بِالنَّظَرِ فِي جَمِيعِ الْجِهَاتِ مِنْ شِدَّةِ الْخَوْفِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ} (النور:39) وقال تعالى: {فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ} (الأحزاب: 19)، وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ} (الأحزاب: 10) فَالدَّوَرَانُ وَالزَّيْغُوغَةُ الْمَذْكُورَانِ يُعْلَمُ بِهِمَا مَعْنَى تقلبِ الْأَبْصَارِ، وَإِنْ كَانَا مَذْكُورَيْنِ فِي الْخَوْفِ مِنَ الْمَكْرُوهِ فِي الدُّنْيَا. (أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن: 5 /548-549)
تقلب الوجوه في النار
الملاحظ أن التقلب يحدث لأجزاء من الأبدان الداخلية والخارجية، فيقع للقلوب، والأبصار، ويقع كذلك للوجوه في النار، وقد صور القرآن الكريم مشاهد للتقلب الذي يكون في الآخرة، ومنه تقلب الوجوه في النار، فقال جل شأنه: {يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا} (الأحزاب:66)
ومعنى تقليب وجوههم أي تصريفها في جهة النار، كما تدور البضعة في القدر إذا غلت من جهة إلى جهة، أو تغيرها عن أحوالها. (التسهيل لعلوم التنزيل: 2/380)
يبين د. عبد الكريم الخطيب أن في الآية عرضاً لصورة من صور العذاب التي يلقاها الكافرون يوم القيامة، فإنهم يقلبون على وجوههم في جهنم، وهم أحياء، كلما نضجت جلودهم بدلهم اللّه جلوداً غيرها ليذوقوا العذاب ألواناً، وليطعموه حميماً وغسّاقاً، وهم في هذا العذاب لا يملكون إلا صرخات الندم والحسرة، على خلافهم للّه والرسول، فيقولون: {يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا}(الأحزاب:66) وأنّى لهم أن يصلحوا ما أفسدوا؟ لقد فات الأوان!. (التفسير القرآني للقرآن: 1/295)

الانقلاب على الأعقاب
إضافة إلى تقلب القلوب والأبصار، وتقلب الوجوه في النار، هناك انقلاب على الأعقاب، ففي مشهد آخر من المشاهد التي يصورها القرآن الكريم للانقلاب الذي يحصل من المرتدين عن دين الله، يقول جل في علاه: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىَ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللّهُ الشَّاكِرِينَ} (آل عمران:144)
معنى الانقلاب: الرجوع إلى المكان. وهو هنا مجاز في الرجوع إلى الحال التي كانوا عليها قبل الإسلام.
ويقال لكل من رجع إلى حاله السيئ الأول: "نكص على عقبيه"، و"ارتد على عقبيه". والعقب مؤخر الرجل. وجمعه أعقاب.
وفي قوله تعالى: {انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ} تنفير شديد من الرجوع إلى الضلال بعد الهدى، وتصوير بليغ لمن ارتد عن الحق بعد أن هداه اللّه إليه. (التفسير الوسيط للقرآن الكريم: 2/283)
يذكر ابن عاشور أن سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ نزَلَتْ بَعْدَ سُورَةِ الْأَنْفَالِ، وَكَانَ نُزُولُهَا فِي وَقْعَةِ أُحُدٍ، أَيْ شَوَّالٍ سَنَةَ ثَلَاثٍ، وَقَدِ اتَّفَقَ الْمُفَسِّرُونَ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: {وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ لِلْقِتالِ} (آل عمرَان: 121) أَنَّهُ قِتَالُ يَوْمِ أُحُدٍ. وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: {وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ} (آل عمرَان: 144) فَإِنَّهُ مُشِيرٌ إِلَى الْإِرْجَافِ يَوْمَ أُحُدٍ بقتل النبي، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. (التحرير والتنوير: 3/144)
فلما أشيع يوم أحد أن النبي، صلى الله عليه وسلم قتل، كان لهذا الخبر الكاذب وقعه على المسلمين، فاضطربت لذلك صفوفهم، ووقع بعض منهم تحت وطأة الحزن والكمد، فهام على وجهه يطلب الفرار من وجه هذا الهول الصاعق، فعاتبهم اللّه على ما كان منهم في هذا الموقف، عتاباً رقيقاً، يحمل في طياته الرحمة والمغفرة، فما لقيهم اللّه بالعتاب إلا بعد أن ردّهم إلى الحق الذي عرفوه وآمنوا به، وإن كان قد غاب عنهم، أو ذهلوا عنه في هذا الموقف الرهيب! {وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ} وما الرّسل إلا ناس من الناس، وبشر من البشر، يموتون كما يموت سائر الناس، وقد مات الرسل جميعاً، ولا بد أن يموت محمّد. فكيف إذا مات محمد أو قتل تتحولون عن مواقفكم، وتنقلبون على أعقابكم تاركين ما دعاكم إليه، إن ذلك غير مستقيم مع منطق أبداً!!
{وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً} فهذا حكم اللّه؛ إن من ينقلب على عقبيه فيكفر باللّه بعد إيمانه، بعد موت النبي، صلى الله عليه وسلم، فلن يضر اللّه شيئاً، إن اللّه غني عن العالمين. (التفسير القرآني للقرآن: 2/99)
فضمن الحديث المنبثق عن الحلف بمقلب القلوب، وبعد ختم شهر رمضان المبارك، والحديث عن بعض قضاياه ذات الصلة بتغير القلوب والأحوال فيه، وبهدف تعزيز الفهم والإدراك وبناء مواقف تكاملية عن قضايا البحث، وأخذ العبر والعظات، وقفت هذه الحلقة عند قضايا وموضوعات مستقرأة من القرآن الكريم تتعلق بالتقلب الذي يحدث للخلق سواء في الدنيا أم الآخرة، فوقفت عند موضوع التقلب في الساجدين، وتقلب القلوب والأبصار، وتقلب الوجوه في النار، والانقلاب على الأعقاب، سائلين الله العلي القدير التوفيق للوقوف عند مزيد من الموضوعات والقضايا ذات الصلة بالقلوب وتقلبها، حسب ما ثبت في الآيات القرآنية والأحاديث الصحيحة المروية عن نبينا محمد، صلى الله وسلم عليه، وعلى آل بيته الطاهرين، وأزواجه أمهات المؤمنين، وأصحابه الغر الميامين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
8 شوال 1447هـ

تاريخ النشر 2026-03-27
 دار الإفتاء الفلسطينية - القدس