.:: الرسول الأسوة صلى الله عليه وسلم ::.

نصره الله يوم الفرقان في السابع عشر من رمضان

==========================================================

يخاطب الله المسلمين بقوله عز وجل:{وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم من شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِن كُنتُمْ آمَنتُمْ بِاللّهِ وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}(الأنفال:41)
تضمنت هذه الآية الكريمة تذكير لقارئي القرآن الكريم، المنزل في رمضان، بيوم الفرقان، الذي التقى فيه الجمعان، ذاك اليوم هو يوم بدر الذي نصر الله فيه المسلمين بقيادة رسولهم محمد، صلى الله عليه وسلم، على المشركين من قريش، في رمضان، حيث فرق الله بهذا النصر المظفر بين الحق والباطل، وأعز فيه جنده في أول لقاء حربي حاسم لهم مع أعدائهم، وقد من الله على المسلمين بهذا النصر المؤزر، فقال جل شأنه: {وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللّهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}(آل عمران:123)

أداء الواجبات البدنية في رمضان
يحسن بالصائمين التأسي بسيرة الرسول، صلى الله عليه وسلم، وصحبه، رضي الله عنهم، الذين لم يمنعهم رمضان عن أداء واجباتهم البدنية، فجاهدوا في الله حق الجهاد، وألقوا عن كواهلهم دواعي الاسترخاء والكسل لما كان النداء، ولم يتذرعوا بالجوع والعطش، أو الانشغال بأداء العبادات، فنصرهم الله أولاً على نوازع الخمول، وحب التلذذ بالمُتع، ثم أخذ بأيديهم نحو النصر الحاسم على الظالمين الذين ناصبوهم العداء، ولرفع الحرج عن الصائمين رخص الله لهم أن يفطروا في السفر، وعند تعسر استمرارهم بأداء الصيام، من باب مبدأ رفع الحرج والعسر، المتضمن في آيات الذكر الحكيم، حيث يقول عز وجل:{...مَا يُرِيدُ اللّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ ...}(المائدة:6){...وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ}(الحج:78) {...وَمَن كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ...}(البقرة:185)
وعن قَزَعَةُ قال: (أَتَيْتُ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ، رضي الله عنه، وهو مَكْثُورٌ عليه، فلما تَفَرَّقَ الناس عنه، قلت: إني لَا أَسْأَلُكَ عَمَّا يَسْأَلُكَ هَؤُلَاءِ عنه، سَأَلْتُهُ عن الصَّوْمِ في السَّفَر، فقال سَافَرْنَا مع رسول اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، إلى مَكَّةَ وَنَحْنُ صِيَامٌ، قال: فَنَزَلْنَا مَنْزِلًا، فقال رسول اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم: إِنَّكُمْ قد دَنَوْتُمْ من عَدُوِّكُمْ، وَالْفِطْرُ أَقْوَى لَكُمْ، فَكَانَتْ رُخْصَةً، فَمِنَّا من صَامَ، وَمِنَّا من أَفْطَرَ، ثُمَّ نَزَلْنَا مَنْزِلًا آخَرَ، فقال: إِنَّكُمْ مُصَبِّحُو عَدُوِّكُمْ، وَالْفِطْرُ أَقْوَى لَكُمْ فَأَفْطِرُوا، وَكَانَتْ عَزْمَةً، فَأَفْطَرْنَا، ثُمَّ قال: لقد رَأَيْتُنَا نَصُومُ مع رسول اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، بَعْدَ ذلك في السَّفَرِ)(صحيح مسلم، كتاب الصيام، باب أجر المفطر في السفر إذا تولى العمل)
جاء في تحفة الأحوذي، أن هذا دليل على أن الفطر لمن وصل في سفره إلى موضع قريب من العدو أولى؛ لأنه ربما وصل إليهم العدو إلى ذلك الموضع الذي هو مظنة ملاقاة العدو، ولهذا كان الإفطار أولى، ولم يتحتم، وأما إذا كان لقاء العدو متحققاً، فالإفطار عزيمة؛ لأن الصائم يضعف عن منازلة الأقران، ولا سيما عند غليان مراجل الضراب والطعان.(تحفة الأحوذي:5/271)
فالصيام بريء من أعذار المتعذرين به للتقصير في أداء الواجبات، والأمر عند المقتضى يحتمل الموازنة بين الفطر والصيام، بما يناسب ظرف الواجب المطلوب أداؤه، فلن يكون الصيام يوماً معوقاً لتلبية نداء الواجب، ولا مبرراً للتقصير في الالتزامات.


اللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
خاتمة الآية 41 من سورة الأنفال، والآية 39 من سورة الحج، والمثبت نصهما آنفاً، والمتعلقتان بلقاءات المسلمين الحربية، ختمتا بالتأكيد على عظمة قدرة الله سبحانه، فهو على كل شيء قدير، كيف لا، وأمره بين الكاف والنون؟!! إذا أراد شيئاً فإنما يقول له كن فيكون، لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، فإنقاذه لأنصاره حتى عند عسر حالهم، وصعوبة أوضاعهم، وهم يواجهون ترسانة أعدائهم، يقدره سبحانه كيف يريد، وكل مسخر لأمره من جند السماء والأرض، ففي بدر نزلت الملائكة تعاضد جيش المسلمين، ونزل ماء السماء يثبت أقدامهم، وفي الوقت نفسه يربك عدوهم، وكان للنعاس دور مؤثر في مؤازرة جند المسلمين، وعن هذا يحدث القرآن الكريم، فيقول رب البرية:{إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّن السَّمَاء مَاء لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الأَقْدَامَ}(الأنفال:11)
وحادثة الطير الأبابيل التي قضي فيها على جيش المتغطرس أبرهة، سطرت في سورة الفيل، التي يقول عز وجل فيها:{أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ* أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ* وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبَابِيلَ* تَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍ مِّن سِجِّيلٍ* فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولٍ}(سورة الفيل)

سيبقى الأمل بالنصر منعقداً
انتصار الحق والإيمان، الأمل بتحققه لن ينقطع، واليأس من فرج الله يتنافى مع روح الإيمان، والله عز وجل يقول:{...وَلاَ تَيْأَسُواْ مِن رَّوْحِ اللّهِ إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ} (يوسف:87)
وفي رمضان فرصة لتجديد عهد الإيمان مع الله، وتعزيز الأمل بتحقق نصره الموعود لعباده الأخيار، وما ذلك على الله بعزيز، وهو منا بعون الله قريب قريب.
سائلين الله أن يهدينا سبيل الرشاد، وأن ينصر ديننا، ويعز المؤمنين بما أنزل على قلب نبينا محمد، صلى الله عليه وسلم، وعلى آله الطاهرين، وأزواجه أمهات المؤمنين، وأصحابه الغر الميامين، ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين.
11 رمضان 1443هـ

تاريخ النشر 2021-04-23
 دار الإفتاء الفلسطينية - القدس