.:: الرسول الأسوة صلى الله عليه وسلم ::.

وتحريم التقدم بين يديه - الحلقة الرابعة

==========================================================

يأمر الله المؤمنين في كل مكان وحين بالعمل وفق أوامر الرسول، صلى الله عليه وسلم، ونواهيه، فيقول عز وجل:{...وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} (الحشر:7)
تعرضت الحلقة السابقة إلى وصف موقف المؤمنين من الدعوة للاحتكام إلى الله ورسوله، بكلمتين هما: سمعنا وأطعنا، فالمؤمن المأمور بالطاعة المطلقة لله ورسوله، والمنهي عن التقدم بين يديهما، والموقن بلزوم الاحتكام لله ورسوله، والتسليم بحكمهما، يجد لزاماً عليه الانصياع لحكمهما والتقيد به، في الأحوال كلها، عملاً بمنهج السلف الأخيار بالخصوص.
ومعلوم من الدين بالضرورة أن طاعة الرسول، صلى الله عليه وسلم، من طاعة الله، وفي سور القرآن الكريم عدد من الآيات المخبرة عن تقيد المؤمنين بالسمع والطاعة لله ورسوله، صلى الله عليه وسلم، ومن عتب الله على بني إسرائيل تنكرهم للسمع والطاعة، ويُذكر الله المسلمين بالعهد الذي قطعوه للنبي، صلى الله عليه وسلم، بأن يكون منهم السمع والطاعة. وبالنسبة إلى تقييد الطاعة بالمعروف، فذلك يخص طاعة البشر من غير الأنبياء، كالأمراء والمسؤولين والعلماء والآباء والأزواج، بينما طاعة الله والرسول، صلى الله عليه وسلم، مطلقة؛ لأنها لا تكون إلا في المعروف.

الأخذ بمنهج الرسول، صلى الله عليه وسلم، في الفعل والترك
في الآية الكريمة السابعة من سورة الحشر، والمثبت نصها أعلاه، يأمر سبحانه بالعمل بأوامر النبي، صلى الله عليه وسلم، وبالانتهاء عما ينهى عنه، وهذا بلا ريب ينسجم مع الأمر الإلهي للمؤمنين بأن لا يقدموا بين يدي الله ورسوله، صلى الله عليه وسلم، حسب المعنى المتبنى لهذا الأمر، والذي تضافرت الآيات القرآنية، والأحاديث النبوية بصيغها المتعددة، ومناسباتها المختلفة، وسياقاتها العديدة، في التأكيد عليه، يقول ابن كثير: أي مهما أمركم به، فافعلوه، ومهما نهاكم عنه، فاجتنبوه، فإنه يأمر بخير، وإنما ينهى عن شر. (تفسير ابن كثير 4/337)
وجاء في التفسير أن لفظ هذه الآية عام في أوامر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أو نواهيه، ولذلك استدل بها عبد الله بن مسعود على المنع من لبس المحرم المخيط، ولعن الواشمة. (التسهيل لعلوم التنزيل، 4/108)
فعن عبد اللَّهِ –ابن مسعود- قال: (لَعَنَ الله الْوَاشِمَاتِ، وَالْمُوتَشِمَاتِ، وَالْمُتَنَمِّصَاتِ، وَالْمُتَفَلِّجَاتِ لِلْحُسْنِ، الْمُغَيِّرَاتِ خَلْقَ اللَّهِ، فَبَلَغَ ذلك امْرَأَةً من بَنِي أَسَدٍ، يُقَالُ لها أُمُّ يَعْقُوبَ، فَجَاءَتْ فقالت: إنه بَلَغَنِي أَنَّكَ لَعَنْتَ كَيْتَ وَكَيْتَ، فقال: ومالي لا أَلْعَنُ من لَعَنَ رسول اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، وَمَنْ هو في كِتَابِ اللَّهِ، فقالت: لقد قرأت ما بين اللَّوْحَيْنِ، فما وَجَدْتُ فيه ما تَقُولُ، قال: لَئِنْ كُنْتِ قَرَأْتِيهِ لقد وَجَدْتِيهِ، أَمَا قَرَأْتِ: {وما آتَاكُم الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وما نَهَاكُمْ عنه فَانْتَهُوا}؟ قالت: بَلَى، قال: فإنه قد نهى عنه...). (صحيح البخاري، كتاب تفسير القرآن، سورة الحشر، باب: {وما أتاكم الرسول فخذوه} الحشر: 7)

اتباع الرسول، صلى الله عليه وسلم، يستجلب محبة الله
قال تعالى: {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} (آل عمران:31)
جاء في أضواء البيان، أنه تعالى صرح في هذه الآية الكريمة أن اتّباع نبيه موجب لمحبته جل وعلا ذلك المتبع، وذلك يدل على أن طاعة رسوله، صلى الله عليه وسلم، هي عين طاعته تعالى، ويؤخذ من هذه الآية الكريمة أن علامة المحبة الصادقة لله ورسوله، صلى الله عليه وسلم، هي اتّباعه صلى الله عليه وسلم، فالذي يخالفه ويدعي أنه يحبه فهو كاذب مفتر، إذ لو كان محباً له لأطاعه، ومن المعلوم عند العامة، أن المحبة تستجلب الطاعة. (أضواء البيان، 1/199)
يقول أبو السعود في تفسيره: المحبة ميل النفس إلى الشيء؛ لكمال أدركته فيه، بحيث يحملها على ما يقر بها إليه، والعبد إذا علم أن الكمال الحقيقي ليس إلا لله عز وجل، وأن كل ما يراه كمالاً من نفسه أو من غيره، فهو من الله، وبالله، وإلى الله، لم يكن حبة إلا لله، وفي الله، وذلك مقتضى إرادة طاعته، والرغبة فيما يقربه إليه، فلذلك فسرت المحبة بإرادة الطاعة، وجعلت مستلزمة لاتّباع الرسول، صلى الله عليه وسلم، في عبادته، والحرص على مطاوعته. (تفسير أبي السعود، 2/24)
ومن أدلة جزاء محبة الله والرسول، صلى الله عليه وسلم، ما جاء عن أَنَسِ بن مَالِكٍ: (أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النبي، صلى الله عليه وسلم، مَتَى السَّاعَةُ يا رَسُولَ اللَّهِ؟ قال: ما أَعْدَدْتَ لها؟ قال: ما أَعْدَدْتُ لها من كَثِيرِ صَلَاةٍ ولا صَوْمٍ ولا صَدَقَةٍ، وَلَكِنِّي أُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، قال أنت مع من أَحْبَبْتَ). (صحيح البخاري، كتاب الأدب، باب علامة حب الله عز وجل)
فهذه وقفة أخرى عند أبعاد نهي الله عن التقدم بين يديه ويدي نبيه، صلى الله عليه وسلم، في ضوء فاتحة سورة الحجرات، التي نرجو أن تتيسر متابعة الوقوف عند المزيد من معانيها وجوانبها، والنصوص الشرعية الملتقية معها في المعنى والدلالة، ونسأله سبحانه أن يهدينا للعمل بما يرضيه، وأن يوفقنا لحسن طاعته، وطاعة رسوله محمد، عليه الصلاة والسلام، وعلى آله الطاهرين، وأزواجه أمهات المؤمنين، وأصحابه الغر الميامين، وعلى من تبعه بإحسان إلى يوم الدين.
4 جمادى الآخرة 1443هـ

تاريخ النشر 2022-01-07
 دار الإفتاء الفلسطينية - القدس