.:: الرسول الأسوة صلى الله عليه وسلم ::.

ودلالة عفوه عن المسَلِفين بالخير - الحلقة الثالثة والأخيرة

==========================================================

عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قَالَ: " كُنْتُ عِنْدَ النَّبِيِّ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَجَاءَهُ رَجُلٌ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أَصَبْتُ حَدًّا فَأَقِمْهُ عَلَيَّ، قَالَ: وَلَمْ يَسْأَلْهُ عَنْهُ، قَالَ: وَحَضَرَتِ الصَّلاَةُ، فَصَلَّى مَعَ النَّبِيِّ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَمَّا قَضَى النَّبِيُّ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، الصَّلاَةَ، قَامَ إِلَيْهِ الرَّجُلُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أَصَبْتُ حَدًّا، فَأَقِمْ فِيَّ كِتَابَ اللَّهِ، قَالَ: أَلَيْسَ قَدْ صَلَّيْتَ مَعَنَا؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ غَفَرَ لَكَ ذَنْبَكَ، أَوْ قَالَ: حَدَّكَ". (صحيح البخاري، كتاب الحدود، باب إذا أقر بالحد، ولم يبين هل للإمام أن يستر عليه)
وقفت الحلقة السابقة عند حادثة معاضدة للموقف النبوي من حادثة حاطب بن أبي بلتعة، تلكم هي حادثة الثلاثة الذي تخلفوا عن المشاركة في غزوة العسرة - تبوك- الذين استبشر الرسول، صلى الله عليه وسلم، بِتَوْبَةِ اللهِ عليهم، واستخلاص بعض الدروس والعبر من قصتهم، وتتلخص تلك الحادثة بأنه لما قصد الرسول، صلى الله عليه وسلم، تبوك في السنة التاسعة للهجرة لعمل عسكري، أعلن عن وجهته على غير عادته، للظرف الخاص الذي أحاط بهذه المهمة، فيحتاج الأمر من المشارك في هذه المهمة العسكرية إلى استعداد إيماني، وعزيمة قوية تنطلق من هذا الاستعداد، وقدرة على التحمل البدني ومواجهة الصعاب بجلد وثبات وصبر، من هنا انبرى من وقع عليه الاختيار لهذه المشاركة من الصحابة الصادقين لها بطاعة وشجاعة، منطلقين مما يستقر في القلوب من إيمان ودربة على التضحية في سبيل الله بالغالي والنفيس، وتخلف عن هذه المشاركة بعض ضعاف النفوس والإيمان الذين تذرعوا بحجج واهية، إضافة إلى الثلاثة الذين تخلفوا، لكنهم ليسوا من صنف أهل النفاق، ولما انتهت المهمة حضر المتخلفون ليقدموا أعذارهم، فقبل الرسول، صلى الله عليه وسلم، من المنافقين ظاهرهم الذي أبدوه له، وترك سرائرهم إلى الله، أما الثلاثة الصادقون الذين تخلفوا، فقد جاءوا معترفين بالذنب، ومصارحين بالأسباب التي دفعتهم لهذا التخلف، فصدقوا الله ورسوله، صلى الله عليه وسلم، الذي أعلن عن معاقبتهم، بمقاطعتهم ومنع التعامل معهم، حتى يقضي الله فيهم أمرهم، وقد قضى الله بالعفو عنهم.
غفران ذنب المحسن التائب
من شواهد السيرة النبوية الدالة على العفو عن مسَلِفين بالخير، ما جاء فيها عن تبشير من ارتكب خطيئة تستجوب الحد، وتاب منها توبة نصوحاً، مع أدائه الواجبات الدينية، فقد طمأنه النبي، صلى الله عليه وسلم، إلى شموله بالعفو الرباني، حسب ما جاء في نص حديث أنس، رضي الله عنه، المثبت أعلاه، فقال له: "أَلَيْسَ قَدْ صَلَّيْتَ مَعَنَا؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَإِنَّ اللهَ قَدْ غَفَرَ لَكَ ذَنْبَكَ، أَوْ قَالَ حَدَّكَ". جاء في عون المعبود أن هذا الرجل لم يفصح بما يوجب الحد، ولعله كان بعض الصغائر، فظن بأنه يوجب الحد عليه، فلم يكشفه عند رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ورأى التعريض عنه لإقامة الحد عليه توبة، وقوله: "فإن الله قد عفا عنك" لأن الحسنات يذهبن السيئات.
قال القسطلاني: ويحتمل أن يكون صلى الله عليه وسلم، اطلع بالوحي على أن الله تعالى قد غفر له، كونها واقعة عين، وإلا لكان يستفسره عن الحد، ويقيم عليه.
وجزم النووي وجماعة أن الذنب الذي فعله كان من الصغائر، بدليل قوله: "كفرته الصلاة، بناء على أن الذي تكفره الصلاة من الذنوب الصغائر لا الكبائر".
قال المنذري: هذا الرجل هو أبو اليسر كعب بن عمرو الأنصاري السلمي، قيل: يحتمل أن يكون ذكر الحد ها هنا عبارة عن الذنب لا على حقيقة ما فيه حد من الكبائر؛ إذ أجمع العلماء أن التوبة لا تسقط حداً من حدود الله، إلا المحاربة، فلما لم يحده النبي، صلى الله عليه وسلم، دل على أنه كان مما لا حد فيه؛ لأن الصلاة إنما تكفر غير الكبائر، وقيل: هو على وجهه، وإنما لم يحده؛ لأنه لم يفسر الحد فيما لزمه، فسكت عنه النبي، صلى الله عليه وسلم، ولم يستفسره؛ لئلا يجب عليه الحد، وقد نبه النبي، صلى الله عليه وسلم، المقر في غير هذا الحديث على الرجوع بقوله، صلى الله عليه وسلم: "لعلك لمست أو قبلت" مبالغة في الستر على المسلمين.(عون المعبود: 12/30-31)
والحديث المشار إلى تضمنه هذا التنبيه رواه ابْن عَبَّاسٍ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، قَالَ: " لَمَّا أَتَى مَاعِزُ بْنُ مَالِكٍ النَّبِيَّ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ لَهُ: «لَعَلَّكَ قَبَّلْتَ، أَوْ غَمَزْتَ، أَوْ نَظَرْتَ» قَالَ: لاَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ". (صحيح البخاري، كتاب الحدود، باب هل يقول الإمام للمقرّ: لعلك لمست أو غمزت)
وقوله، صلى الله عليه وسلم، له: "لَعَلَّكَ قَبَّلْتَ": بتشديد الباء، أي فعلت القبلة "أو غمزت": أي لمست باليد أو أشرت إليها بها "أو نظرت": أي قصدت النظر إليها، فإن كلاً يسمى زنى. (مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح: 11/ 168)
يبين ابن بطال أنه كان يلقنه، ويعرض عليه بعد اعتراف قد سبق منه، فلو أنه قال: نعم، قبلت أو غمزت لسقط عنه الرجم، وإلا لم يكن لتعريض النبي، صلى الله عليه وسلم، لذلك معنى، فعلم أنه إنما لقنه لفائدة، وهي الرجوع. قال المهلب وغيره: في هذا الحديث دليل على جواز تلقين المقر في الحدود ما يدرأ بها عنه. (شرح صحيح البخاري لابن بطال: 8/435+444)
التروي قبل الشروع بإقامة الحد على المقر بالجريمة
الزنى من كبائر الذنوب التي يجب على مرتكبها الحد المشروع، وعلى الرغم من ذلك، فقد وضعت ضوابط مشددة لتنفيذ هذا الحد، منها أنه لا يقام بالشهادة إلا إذا شهد على فعل الجاني أربعة شهود عدول، يتفقون على وصف الفعل بوضوح، وحتى عند الإقرار به ـ والإقرار سيد الأدلةـ فلا يستعجل في تنفيذ الحد، وإنما يفتح المجال واسعاً للمقر ليرجع عن إقراره إن كان لديه تردد أو لبس حوله، وهذا ما تكرر فعلاً في حوادث من هذا القبيل في عهد النبوة، فثبت في حديثِ أبي هُرَيْرَةَ، قَالَ: " أَتَى رَجُلٌ مِنْ أَسْلَمَ رَسُولَ اللَّهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَهُوَ فِي المَسْجِدِ، فَنَادَاهُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ الآخَرَ قَدْ زَنَى - يَعْنِي نَفْسَهُ - فَأَعْرَضَ عَنْهُ، فَتَنَحَّى لِشِقِّ وَجْهِهِ الَّذِي أَعْرَضَ قِبَلَهُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ الآخَرَ قَدْ زَنَى، فَأَعْرَضَ عَنْهُ، فَتَنَحَّى لِشِقِّ وَجْهِهِ الَّذِي أَعْرَضَ قِبَلَهُ، فَقَالَ لَهُ ذَلِكَ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ، فَتَنَحَّى لَهُ الرَّابِعَةَ، فَلَمَّا شَهِدَ عَلَى نَفْسِهِ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ دَعَاهُ فَقَالَ: «هَلْ بِكَ جُنُونٌ؟» قَالَ: لاَ، فَقَالَ النَّبِيُّ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: اذْهَبُوا بِهِ، فَارْجُمُوهُ". (صحيح البخاري، كتاب الطلاق، باب الطلاق في إغلاق والكره والسكران والمجنون وأمرهما...)
عينة من أدلة مساندة لغفران ذنب المحسن التائب
غفران ذنوب التائبين يستند إلى أدلة بينة مستقاة من القرآن الكريم، وسنة خاتم النبيين، صلى الله عليه وسلم، منها: قوله تعالى: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} (الزمر:53) ويقول جل شأنه: {وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهْتَدَى} (طه:82) {وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللّهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللّهُ وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} (آل عمران:135) {وَمَن يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللّهَ يَجِدِ اللّهَ
غَفُوراً رَّحِيماً} (النساء:110) {أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} (التوبة:104) {وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ} (الشورى:25)
فما دام الباب مفتوحاً من رب العالمين للمذنبين على هذا النحو الواسع الرحب، فالعفو عن المسلفين بالخير إذا ما اقترفوا ذنوباً عابرة يستند إلى الدليل القاطع الواضح الذي لا لبس فيه.
ومن أدلة مساندة غفران ذنوب المحسنين التائبين من السنة النبوية، قوله صلى الله عليه وسلم: "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَذَهَبَ اللهُ بِكُمْ، وَلَجَاءَ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ، فَيَسْتَغْفِرُونَ اللهَ فَيَغْفِرُ لَهُمْ". (صحيح مسلم، كتاب التوبة، باب سقوط الذنوب بالاستغفار توبة)، وعلى الرغم من استفظاع المؤمن لأمر الذنوب التي يقترفها، حسب ما جاء في قوله، عليه الصلاة والسلام: "إِنَّ الْمُؤْمِنَ يَرَى ذُنُوبَهُ كَأَنَّهُ قَاعِدٌ تَحْتَ جَبَلٍ يَخَافُ أَنْ يَقَعَ عَلَيْهِ، وَإِنَّ الْفَاجِرَ يَرَى ذُنُوبَهُ كَذُبَابٍ مَرَّ عَلَى أَنْفِهِ فَقَالَ بِهِ هَكَذَا".(صحيح البخاري، كتاب الدعوات، باب التوبة) فإن الله يفرح بتوبة المذنبين من عباده، مصداقاً لقوله، صلى الله عليه وسلم: "لَلَّهُ أَفْرَحُ بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ مِنْ رَجُلٍ نَزَلَ مَنْزِلًا وَبِهِ مَهْلَكَةٌ، وَمَعَهُ رَاحِلَتُهُ، عَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ، فَوَضَعَ رَأْسَهُ فَنَامَ نَوْمَةً، فَاسْتَيْقَظَ وَقَدْ ذَهَبَتْ رَاحِلَتُهُ، حَتَّى إِذَا اشْتَدَّ عَلَيْهِ الحَرُّ وَالعَطَشُ أَوْ مَا شَاءَ اللَّهُ، قَالَ: أَرْجِعُ إِلَى مَكَانِي، فَرَجَعَ فَنَامَ نَوْمَةً، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ، فَإِذَا رَاحِلَتُهُ عِنْدَهُ ". (صحيح البخاري، كتاب الدعوات، باب التوبة)
فهذه عينة من الأدلة الشرعية التي يجد المتدبر فيها ما يعينه على اليقين بنعمة الإسلام المتجلية في العفو عن مقترفي الذنوب، إذا تابوا وأنابوا لله رب العالمين، خاصة المسلفين بالخير منهم.
وبهذه الوقفة الختامية لبعض أبعاد دلالة عفوه صلى الله عليه وسلم، عن مسَلِفين بالخير، التي تم فيها الوقوف عند غفران ذنب المحسن التائب، إضافة إلى التروي قبل الشروع بإقامة الحد على المقر بالجريمة، إلى جانب استحضار عينة من أدلة مساندة لغفران ذنب المحسن التائب من القرآن الكريم، والسنة النبوية المطهرة، ما يعني ضرورة التحلي بالرحمة والأناة مع المسيء التائب، ومساعدته على التطهر من ذنبه برفق، وهذا دليل واضح يعاضد مبدأ العفو عن المسَلِفين بالخير، الذي تتجلى فيه ملامح قيم ديننا الحنيف، الذي يهدف إلى تحقيق الخير والهداية والصلاح للناس، والعقوبة فيه تكون لغايات سامية نبيلة، وهي تدرأ بالشبهات، وهي وسيلة وليست غاية بذاتها، وبهذا نختم الوقوف عند ما تيسر من استلهام العبر والعظات من أخبار عفوه، صلى الله عليه وسلم، عن مسَلِفين بالخير، في ضوء ما جاء في أخبار سنته، صلى الله وسلم عليه، وعلى آل بيته الطاهرين، وأزواجه أمهات المؤمنين، وأصحابه الغر الميامين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
20 رجب 1447هـ

تاريخ النشر 2026-01-09
 دار الإفتاء الفلسطينية - القدس