عن كعب بن مالك-أحد الثلاثة الذين خُلِّفُوا- قال: (وَكُنَّا تَخَلَّفْنَا أَيُّهَا الثَّلَاثَةُ عَنْ أَمْرِ أُولَئِكَ الَّذِينَ قَبِلَ مِنْهُمْ رَسُولُ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، حِينَ حَلَفُوا لَهُ، فَبَايَعَهُمْ، وَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ، وَأَرْجَأَ رَسُولُ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَمْرَنَا حَتَّى قَضَى اللَّهُ فِيهِ، فَبِذَلِكَ قَالَ اللَّهُ: {وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا} وَلَيْسَ الَّذِي ذَكَرَ اللَّهُ مِمَّا خُلِّفْنَا عَنْ الْغَزْوِ، إِنَّمَا هُوَ تَخْلِيفُهُ إِيَّانَا، وَإِرْجَاؤُهُ أَمْرَنَا عَمَّنْ حَلَفَ لَهُ، وَاعْتَذَرَ إِلَيْهِ فَقَبِلَ مِنْهُ). (صحيح البخاري، كتاب المغازي، باب حديث كعب بن مالك، وقول الله عز وجل: {وعلى الثلاثة الذين خلفوا} (التوبة: 118)
وقفت الحلقة السابقة عند جريمة خطيرة نكراء، اقترفها أحد الصحابة، رضي الله عنهم، ولولا الوحي الإلهي لكانت تسريباً لسر عسكري خطير، وقد اعترف الفاعل حاطب بن أبي بلطعة بما صدر عنه، وبدوافعه الشخصية لذلك، وصادق الرسول، صلى الله عليه وسلم، على صدق إفادته، من هنا يلحظ التوجه للعفو، على الرغم من فظاعة الخطيئة، واللافت للانتباه والنظر أن الرسول، صلى الله عليه وسلم، لم يناقش حاطب في تفاصيل خطيئته، واكتفى بالشهادة له بالصدق، مقرونة بالتوصية به خيراً، والرسول، صلى الله عليه وسلم، عالج هذه المشكلة، وخرج من أزمتها بسلاسة ويسر وحكمة وبأقل الأضرار، من خلال تعامله بحزم شديد مع الواقعة، فور تلقيه خبرها، فأرسل فرساناً من الصحابة لتوقيف حاملة رسالة حاطب، والذين بدورهم تعاملوا مع المسألة بحزم وصرامة ودقة متناهية، مما أتاح لهم الرجوع بالرسالة إلى النبي، صلى الله عليه وسلم، الذي استدعى حاطب للمثول والتحقيق، ولما اعترف بما كان منه، تم التخلص من تداعيات شر هذا الحدث على أمن المسلمين، وفوتت الفرصة على أعدائهم، لكن الرسول، صلى الله عليه وسلم، تعامل مع هذا الحدث داخلياً بحكمة وروية وعدالة، فلم يتسرع للعقاب البدني الذي قد يروق لكثيرين اختياره في مثل هذا الحادث وغيره من الحوادث الأقل خطراً، فعلَّم أصحابه ومن يأتي بعدهم، أن العدالة تقتضي الشمولية في التقييم والتقدير، فذكر لعمر، رضي الله عنه، حين استأذن بضرب عنق حاطب، أنه - أي حاطب- من أهل بدر، أصحاب القدر الرفيع، والمكانة الجليلة، منبهاً إلى أن الله لعله لفضل أهل بدر، قد تجاوز عن سابق ذنوبهم ولاحقها، وهذا درس تربوي عظيم يغفل عنه كثير من الناس خلال مواقفهم من بعضهم بعضاً، فينسون فضل بعضهم بعضاً، ويركزون على الجزء الفارغ من الكأس، أو على الضبابية التي تحيط ببعض المواقف، أو على أخطاء حاضرة عابرة، ويتجاهلون فضل بعضهم بعضاً، وبناء على هذه المواقف المجحفة يقع الظلم، وتحصل القطيعة، ويزداد الكره، وتتنامى البغضاء بين الناس.
وما دام الله يغفر الذنوب جميعاً فلا يأس ولا قنوط، فالله يغفر الذنوب جميعاً؛ صغيرها وكبيرها، إلا أن يشرك به سبحانه، فمن من لم يشرك بالله يؤمل له أن ينال العفو الرباني، ومغفرة الذنوب مهما بلغ حجمها وتعاظم أمرها، فالله يقبل التوبة عن عباده، وهو الغفور الرحيم.
الاستبشار بِتَوْبَةِ اللهِ عَلَى الثَّلاَثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُواْ
الحوادث المعاضدة للموقف النبوي من حادثة حاطب بن أبي بلتعة، وقعت في حياته، صلى الله عليه وسلم، ومن أبرزها حادثة الثلاثة الذي تخلفوا عن المشاركة في غزوة العسرة - تبوك- التي نزل فيها قرآناً يتلى، ونتعبد إلى الله بتلاوته، والثلاثة هم:كعب بن مالك، وهلال بن أمية، ومرارة بن الربيع. (عمدة القاري شرح صحيح البخاري، 26 /316)، وقصتهم أنهم لما قصد الرسول، صلى الله عليه وسلم، تبوك في السنة التاسعة للهجرة لعمل عسكري، أعلن عن وجهته على غير عادته، للظرف الخاص الذي أحاط بهذه المهمة، فالمسافة بين المدينة وتبوك طويلة، والجو تسوده حرارة صحراوية شديدة، ويوافق موسم حصاد الزرع، فعن كَعْبِ بْن مَالِكٍ قال: "وَلَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يُرِيدُ غَزْوَةً إِلَّا وَرَّى بِغَيْرِهَا، حَتَّى كَانَتْ تِلْكَ الْغَزْوَةُ، غَزَاهَا رَسُولُ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فِي حَرٍّ شَدِيدٍ، وَاسْتَقْبَلَ سَفَرًا بَعِيدًا، وَمَفَازًا، وَعَدُوًّا كَثِيرًا، فَجَلَّى لِلْمُسْلِمِينَ أَمْرَهُمْ لِيَتَأَهَّبُوا أُهْبَةَ غَزْوِهِمْ، فَأَخْبَرَهُمْ بِوَجْهِهِ الَّذِي يُرِيدُ، وَالْمُسْلِمُونَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كَثِيرٌ وَلَا يَجْمَعُهُمْ كِتَابٌ حَافِظٌ، -يُرِيدُ الدِّيوَانَ- قَالَ كَعْبٌ: فَمَا رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَتَغَيَّبَ إِلَّا ظَنَّ أَنْ سَيَخْفَى لَهُ، مَا لَمْ يَنْزِلْ فِيهِ وَحْيُ اللَّهِ، وَغَزَا رَسُولُ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، تِلْكَ الْغَزْوَةَ حِينَ طَابَتْ الثِّمَارُ وَالظِّلَالُ، وَتَجَهَّزَ رَسُولُ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَالْمُسْلِمُونَ مَعَهُ". (صحيح البخاري، كتاب المغازي، باب حديث كعب بن مالك، وقول الله عز وجل: {وعلى الثلاثة الذين خلفوا} (التوبة: 118)
فيحتاج الأمر من المشارك في هذه المهمة العسكرية استعداد إيماني، وعزيمة قوية تنطلق من هذا الاستعداد، وقدرة على التحمل البدني، ومواجهة الصعاب بجلد وثبات وصبر، من هنا انبرى من وقع عليه الاختيار لهذه المشاركة من الصحابة الصادقين بطاعة وشجاعة، منطلقتين مما يستقر في القلوب من إيمان ودربة على التضحية في سبيل الله بالغالي والنفيس، وتخلف عن هذه المشاركة بعض ضعاف النفوس والإيمان الذين تذرعوا بحجج واهية، إضافة إلى ثلاثة تخلفوا لكنهم ليسوا من صنف أهل النفاق، ولما انتهت المهمة حضر المتخلفون ليقدموا أعذارهم، فقبل الرسول، صلى الله عليه وسلم، من المنافقين ظاهرهم الذي أبدوه له، وترك سرائرهم إلى الله، أما الثلاثة الصادقون الذين تخلفوا، فقد جاءوا معترفين بالذنب، ومصارحين بالأسباب التي دفعتهم لهذا التخلف، فصدقوا الله، ورسوله، صلى الله عليه وسلم، الذي أعلن عن معاقبتهم، بمقاطعتهم ومنع التعامل معهم، حتى يقضي الله فيهم أمرهم، وقد قضى الله بالعفو عنهم حسب ما تضمنه قوله عز وجل: {وَعَلَى الثَّلاَثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُواْ حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّواْ أَن لَا مَلْجَأَ مِنَ اللّهِ إِلَا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُواْ إِنَّ اللّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} (التوبة:118)
وعن بعض تفاصيل هذه الحادثة وما انتهت إليه من عفو، يروي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ، وَهُوَ أَحَدُ الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ تِيبَ عَلَيْهِمْ، أَنَّهُ لَمْ يَتَخَلَّفْ عَنْ رَسُولِ اللهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فِي غَزْوَةٍ غَزَاهَا قَطُّ غَيْرَ غَزْوَتَيْنِ؛ غَزْوَةِ الْعُسْرَةِ، وَغَزْوَةِ بَدْرٍ، قَالَ: فَأَجْمَعْتُ صِدْقِي رَسُولَ اللهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ضُحًى، وَكَانَ قَلَّمَا يَقْدَمُ مِنْ سَفَرٍ سَافَرَهُ إِلَّا ضُحًى، وَكَانَ يَبْدَأُ بِالْمَسْجِدِ فَيَرْكَعُ رَكْعَتَيْنِ، وَنَهَى النَّبِيُّ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، عَنْ كَلَامِي وَكَلَامِ صَاحِبَيَّ، وَلَمْ يَنْهَ عَنْ كَلَامِ أَحَدٍ مِنَ الْمُتَخَلِّفِينَ غَيْرِنَا، فَاجْتَنَبَ النَّاسُ كَلَامَنَا، فَلَبِثْتُ كَذَلِكَ حَتَّى طَالَ عَلَيَّ الْأَمْرُ، وَمَا مِنْ شَيْءٍ أَهَمُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَمُوتَ فَلَا يُصَلِّي عَلَيَّ النَّبِيُّ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَوْ يَمُوتَ رَسُولُ اللهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَكُونَ مِنَ النَّاسِ بِتِلْكَ الْمَنْزِلَةِ، فَلَا يُكَلِّمُنِي أَحَدٌ مِنْهُمْ، وَلَا يُصَلِّي وَلَا يُسَلِّمُ عَلَيَّ، فَأَنْزَلَ اللهُ تَوْبَتَنَا عَلَى نَبِيِّهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، حِينَ بَقِيَ الثُّلُثُ الْآخِرُ مِنَ اللَّيْلِ، وَرَسُولُ اللهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، عِنْدَ أُمِّ سَلَمَةَ، وَكَانَتْ أُمُّ سَلَمَةَ مُحْسِنَةً فِي شَأْنِي، مَعْنِيَّةً فِي أَمْرِي، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "يَاأُمَّ سَلَمَةَ، تِيبَ عَلَى كَعْبٍ". قَالَتْ: أَفَلَا أُرْسِلُ إِلَيْهِ، فَأُبَشِّرَهُ؟ قَالَ: إِذًا يَحْطِمَكُمُ النَّاسُ، فَيَمْنَعُونَكُمُ النَّوْمَ سَائِرَ اللَّيْلَةِ". حَتَّى إِذَا صَلَّى رَسُولُ اللهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، صَلَاةَ الْفَجْرِ، آذَنَ بِتَوْبَةِ اللهِ عَلَيْنَا، وَكَانَ إِذَا اسْتَبْشَرَ اسْتَنَارَ وَجْهُهُ، حَتَّى كَأَنَّهُ قِطْعَةٌ مِنَ الْقَمَرِ، وَكُنَّا أَيُّهَا الثَّلَاثَةُ الَّذِينَ خُلِّفُوا عَنِ الْأَمْرِ الَّذِي قُبِلَ مِنْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ اعْتَذَرُوا حِينَ أَنْزَلَ اللهُ لَنَا التَّوْبَةَ، فَلَمَّا ذُكِرَ الَّذِينَ كَذَبُوا رَسُولَ اللهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، مِنَ الْمُتَخَلِّفِينَ، وَاعْتَذَرُوا بِالْبَاطِلِ، ذُكِرُوا بِشَرِّ مَا ذُكِرَ بِهِ أَحَدٌ، قَالَ اللهُ سُبْحَانَهُ: {يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُلْ لَا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ وَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ}). (صحيح البخاري، كتاب تفسير القرآن، باب {وعلى الثلاثة الذين خلفوا حتى إذا...} (التوبة: 118)
دروس وعبر من قصة الثلاثة الذين خلفوا
يمكن استنباط كثير من الدروس والعبر من غزوة تبوك وحادثة الثلاثة الذين خلفوا، وما تبعها من صدق اعترافهم بالذنب دون اللجوء لتخلق الأعذار، وتقيد المسلمين بمقاطعتهم، ومن ثم توبة الله عليهم، ومن تلك الدروس:
-الحرص على قضاء الحوائج بالكتمان، وتجنب الإفصاح عن الخطوات الإجرائية الحساسة إلا عند الحاجة والاضطرار.
-المؤمن يصدق مع الله ونفسه حتى عند وقوعه في الخطأ، فلا يتخلق الأعذار لينجو من حساب البشر ولومهم أو عقابهم، وهو يوقن أن الله يراقبه ويعلم سره ونجواه.
-يعتذر المؤمن حين يخطئ بصدق، ويتوب إلى الله، وأمله بقبول الله توبته والمغفرة له، ليس له حدود، ولا ينقطع رجاؤه من الله، والإسلام يَجُبُ ما قبله، وبالتوبة تمحى الخطايا والذنوب، مهما تعاظمت.
-يلتزم المسلمون الصادقون بتنفيذ أمر الله، ورسوله، صلى الله عليه وسلم، لإيمانهم بلزوم طاعة الله ورسوله، وهم المخاطبون بقوله عز وجل: {وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} (آل عمران:132) من هنا التزموا بمقاطعة الثلاثة الذين خلفوا، حتى صدر العفو عنهم، وأُلغي أمر مقاطعتهم.
- تحقيقاً للعدالة والإنصاف ينبغي عند تقييم أحوال الناس النظر إلى حسناتهم ومواقفهم الإيجابية بعيداً عن التمسك بأخطاء ارتكبوها في لحظات ضعف بشري.
فهذه وقفة ثانية عند بعض أبعاد دلالة عفوه، صلى الله عليه وسلم، عن مسَلِفين بالخير، والتي تم فيها الوقوف عند حادثة معاضدة للموقف النبوي من حادثة حاطب بن أبي بلتعة، تلكم هي حادثة الثلاثة الذي تخلفوا عن المشاركة في غزوة العسرة - تبوك- والذين استبشر الرسول، صلى الله عليه وسلم، بِتَوْبَةِ اللهِ عليهم، واستخلاص بعض الدروس والعبر من قصتهم.
سائلين الله العلي القدير التوفيق لمتابعة الوقوف عند مزيد من استلهام العبر والعظات من أخبار عفوه، صلى الله عليه وسلم، عن مسَلِفين بالخير، في ضوء ما جاء في أخبار سنته، صلى الله عليه وسلم، وعلى آل بيته الطاهرين، وأزواجه أمهات المؤمنين، وأصحابه الغر الميامين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
13 رجب 1447هـ