.:: الرسول الأسوة صلى الله عليه وسلم ::.

وقوله: "الله مولانا ولا مولى لهم" - الحلقة الثالثة

==========================================================

يخاطب الله تعالى نبيه محمداً، صلى الله عليه وسلم، فيقول: {إِنَّهُمْ لَن يُغْنُوا عَنكَ مِنَ اللَّهِ شَيئاً وإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ}(الجاثية:19)
تعرضت الحلقة السابقة لبيان مفهوم مبدأ: (الله مولانا ولا مولى لهم) الذي عبر عنه في سورة محمد بقوله تعالى: {ذلك بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ} (محمد:11) وذلك في سياق بيان انتصار الله للمؤمنين، وتثبيت أقدامهم، وإضلال أعمال الكافرين، وفي سياق التفريق بين حالي المؤمنين والكافرين تجاه موالاة الله ونصره، فلفتت الآيات الكريمة الأنظار إلى عاقبة الذين كفروا من قبل، فدمر الله عليهم، وتوعد الكافرين بمصير مشابه، معللة الموقف من الحالين، بقوله عز وجل: {ذلك بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ} (محمد:11) وفي الكلام تباين عظيم بين الكافر والمؤمن؛ لأن المؤمن ينصره الله، وهو خير الناصرين، والكافر لا مولى له بصيغة نافية للجنس، فليس له ناصر.
ومن الشواهد القرآنية لموالاة الله للمؤمنين، قوله تعالى: {وَإِن تَوَلَّوْاْ فَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ مَوْلاَكُمْ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ}(الأنفال:40) وتفسير قوله تعالى: {فَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ مَوْلاَكُمْ} أي وليكم الذي يحفظكم، ويرفع البلاء عنكم، ثم بين أنه تعالى: {نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ} وكل ما كان في حماية هذا المولى وفي حفظه وكفايته، كان آمناً من الآفات، مصوناً عن المخوفات.
ويأتي التأكيد على طمأنة المؤمنين إلى حقيقة أن الله مولاهم، في قوله عز وجل: {... وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ}(الحج:78)
فالله في هذه الآية الكريمة يأمر المؤمنين بأن يمتنعوا به، ويتوكلوا عليه، ولا يتكلوا على حولهم وقوتهم، فهو سبحانه مولاهم الذي يتولى أمورهم، فيدبرها بحسن تدبيره، ويصرفها على أحسن تقدير، وهو نعم المولى ونعم النصير، أي نعم المولى لمن تولاه، فحصل له مطلوبه، ونعم النصير لمن استنصره، فدفع عنه المكروه.(تفسير السعدي:1/547)
والآية القرآنية الكريمة التاسعة عشرة من سورة الجاثية، المثبت نصها أعلاه، تؤكد حقيقة {الله مولانا ولا مولى لهم} بتطرقها لثلاثة أبعاد بالخصوص.

إِنَّهُمْ لَن يُغْنُوا عَنكَ مِنَ اللَّهِ شَيئاً
يفسر الرازي المراد بمعنى هذا المقطع من الآية الكريمة، فيقول: أي لو ملت إلى أديانهم الباطلة، فصرت مستحقاً للعذاب، فهم لا يقدرون على دفع عذاب الله عنك.(التفسير الكبير: 27/228)
يأتي هذا التحذير في هذه الآية الكريمة تبعاً للآية السابقة لها من سورة الجاثية، حيث حُذِر النبي الكريم، محمد صلى الله عليه سلم، وهو الأسوة والمثل الأعلى للمؤمنين، من اتباع أهواء الجاهلين، فقال تعالى: {ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاء الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ}(الجاثية:18)، وتأكد هذا التحذير في آيات قرآنية أخرى، ففي سورة المائدة يقول سبحانه: {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ عَمَّا جَاءكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً...* وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللّهُ إِلَيْكَ....}(المائدة:48-49) وفي سورة الشورى يقول عز وجل: {فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ...}(الشورى:15)
فهذه الآيات القرآنية وغيرها تتضافر في أمر النبي، صلى الله عليه وسلم، بالحكم بما أنزل الله والاستقامة على ما أمر به، وتحذره من اتباع أهواء الضالين من الخلق، وإذا كانت هذه الصرامة التحذيرية الواضحة موجهة للنبي، صلى الله عليه وسلم، فغيره من المسلمين مدعو للأخذ بهذا الهدي الرباني، وإلا فالخلق ولو اجتمعوا على نصره وعونه لن يستطيعوا إلى ذلك سبيلاً.

الظالمون بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ
بعد أن بيّن تعالى لرسوله، صلى الله عليه وسلم، بأِنَّهُمْ لَن يُغْنُوا عَنه مِنَ اللَّهِ شَيئاً، بين سبحانه بأن الظالمين يتولى بعضهم بعضاً في الدنيا وفي الآخرة، ولا ولي لهم ينفعهم في إيصال الثواب وإزالة العقاب.(التفسير الكبير27/228) فيتوازى مع ولاية الله للمؤمنين، افتقار أعدائهم لهذه الولاية، والفرق شاسع بين ولاية الله وولاية غيره، فالله ذو القوة المتين، فعال لما يريد، وغيره ضعيف مهما بلغت درجة قوته، فالخلق فقراء إلى الله، وهو غني عنهم، وبهذا الصدد يقول عز وجل: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ}(فاطر:15)
حقيقة ولاية الظالمين بعضهم بعضاً أكدتها آيات أخر، ففي سورة الأنفال يقول سبحانه:{وَالَّذينَ كَفَرُواْ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ...}(الأنفال:73)، وتمت الإشارة في سورة الأنفال نفسها في المقابل إلى ولاية المؤمنين مجاهدين ومهاجرين وأنصار بعضهما بعضاً، فيقول تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالَّذِينَ آوَوا وَّنَصَرُوا أُوْلَـئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ...}(الأنفال:72)، وأشير في سورة التوبة إلى ولاية المؤمنين والمؤمنات بعضهم بعضاً، فقال عز وجل: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ...}(التوبة:71)
إذا مسألة الولاية محسومة ربانياً، لا خلط فيها ولا اندماج، ففسطاط الحق والإيمان يتولى أفراده، وتتولى فئاته بعضهم بعضاً، وفسطاط الضلال والزيغ تتولى مكوناته بعضها بعضاً، وتم تحذير أهل الحق من الانخداع بما لدى الفسطاط الآخر من حظوة ظاهرة، فقال تعالى موجهاً الخطاب للنبي، صلى الله عليه وسلم، أيضاً: {لاَ يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلاَدِ* مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ}(آل عمران: 196-197)
ولضيق المجال نؤجل الوقوف عند البعد الثالث الذي تطرقت إليه الآية الكريمة التاسعة عشرة من سورة الجاثية، في سياق الاستدلال بها على تأكيد حقيقة أن {الله مولانا ولا مولى لهم}، والمتعلق بالنص الصريح على أن الله ولي المتقين، للحلقة القادمة، التي نرجو توفيق الله لمتابعة الحديث فيها عن أبعاد أخرى تتعلق بقول: (الله مولانا ولا مولى لهم) الصادر عن نبينا محمد، عليه الصلاة والسلام، وعلى آله الطاهرين، وأزواجه أمهات المؤمنين، وأصحابه الغر الميامين، وعلى من تبعه بإحسان إلى يوم الدين
16 ذو الحجة 1443هـ

تاريخ النشر 2022-07-15
 دار الإفتاء الفلسطينية - القدس