.:: الرسول الأسوة صلى الله عليه وسلم ::.

وقوله: "الله مولانا ولا مولى لهم" - الحلقة الأولى

==========================================================

عن الْبَرَاءَ بن عَازِبٍ، رضي الله عنهما، قال: (جَعَلَ النَّبِيُّ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، عَلَى الرَّجَّالَةِ يَوْمَ أُحُدٍ، وَكَانُوا خَمْسِينَ رَجُلًا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جُبَيْرٍ، فَقَالَ: إِنْ رَأَيْتُمُونَا تَخْطَفُنَا الطَّيْرُ فَلاَ تَبْرَحُوا مَكَانَكُمْ، هَذَا حَتَّى أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ، وَإِنْ رَأَيْتُمُونَا هَزَمْنَا القَوْمَ وَأَوْطَأْنَاهُمْ، فَلاَ تَبْرَحُوا حَتَّى أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ، فَهَزَمُوهُمْ، قَالَ: فَأَنَا وَاللَّهِ رَأَيْتُ النِّسَاءَ يَشْتَدِدْنَ، قَدْ بَدَتْ خَلاَخِلُهُنَّ وَأَسْوُقُهُنَّ، رَافِعَاتٍ ثِيَابَهُنَّ، فَقَالَ أَصْحَابُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جُبَيْرٍ: الغَنِيمَةَ أَيْ قَوْمِ الغَنِيمَةَ، ظَهَرَ أَصْحَابُكُمْ، فَمَا تَنْتَظِرُونَ؟ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جُبَيْرٍ: أَنَسِيتُمْ مَا قَالَ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قَالُوا: وَاللَّهِ لَنَأْتِيَنَّ النَّاسَ، فَلَنُصِيبَنَّ مِنَ الغَنِيمَةِ، فَلَمَّا أَتَوْهُمْ صُرِفَتْ وُجُوهُهُمْ، فَأَقْبَلُوا مُنْهَزِمِينَ، فَذَاكَ إِذْ يَدْعُوهُمُ الرَّسُولُ فِي أُخْرَاهُمْ، فَلَمْ يَبْقَ مَعَ النَّبِيِّ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، غَيْرُ اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا، فَأَصَابُوا مِنَّا سَبْعِينَ، وَكَانَ النَّبِيُّ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَصْحَابُهُ أَصَابُوا مِنَ المُشْرِكِينَ يَوْمَ بَدْرٍ أَرْبَعِينَ وَمِائَةً، سَبْعِينَ أَسِيرًا، وَسَبْعِينَ قَتِيلًا، فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: أَفِي القَوْمِ مُحَمَّدٌ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ، فَنَهَاهُمُ النَّبِيُّ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَنْ يُجِيبُوهُ، ثُمَّ قَالَ: أَفِي القَوْمِ ابْنُ أَبِي قُحَافَةَ؟ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ قَالَ: أَفِي القَوْمِ ابْنُ الخَطَّابِ؟ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى أَصْحَابِهِ، فَقَالَ: أَمَّا هَؤُلاَءِ، فَقَدْ قُتِلُوا، فَمَا مَلَكَ عُمَرُ نَفْسَهُ، فَقَالَ: كَذَبْتَ وَاللَّهِ يَا عَدُوَّ اللَّهِ، إِنَّ الَّذِينَ عَدَدْتَ لَأَحْيَاءٌ كُلُّهُمْ، وَقَدْ بَقِيَ لَكَ مَا يَسُوءُكَ، قَالَ: يَوْمٌ بِيَوْمِ بَدْرٍ، وَالحَرْبُ سِجَالٌ، إِنَّكُمْ سَتَجِدُونَ فِي القَوْمِ مُثْلَةً، لَمْ آمُرْ بِهَا، وَلَمْ تَسُؤْنِي، ثُمَّ أَخَذَ يَرْتَجِزُ: أُعْلُ هُبَلْ، أُعْلُ هُبَلْ، قَالَ النَّبِيُّ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَلاَ تُجِيبُوا لَهُ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا نَقُولُ؟ قَالَ: قُولُوا: اللَّهُ أَعْلَى وَأَجَلُّ، قَالَ: إِنَّ لَنَا العُزَّى وَلاَ عُزَّى لَكُمْ، فَقَالَ النَّبِيُّ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَلاَ تُجِيبُوا لَهُ؟ قَالَ: قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا نَقُولُ؟ قَالَ: قُولُوا اللَّهُ مَوْلاَنَا، وَلاَ مَوْلَى لَكُمْ)(صحيح البخاري، كتاب الجهاد، باب ما يكره من التنازع والاختلاف في الحرب)

مناسبة قول: "الله مولانا ولا مولى لهم" في غزوة أحد
الصحابي البراء بن عازب، رضي الله عنه، يخبر في حديثه المثبت نصه أعلاه، عن المناسبة التي قال فيها النبي، صلى الله عليه وسلم: (الله مولانا ولا مولى لهم)، وهي تتعلق بغزوة أحد وتداعياتها، فمعلوم أن العام الثالث الهجري شهد ثاني لقاء حربي كبير بين المسلمين، بقيادة الرسول، صلى الله عليه وسلم، وقريش بقيادة أبي سفيان بن حرب، وكان اللقاء الأول الفاصل لصالح المسلمين يوم بدر، الذي وقع في السنة الثانية للهجرة، ومَنَ الله على المسلمين بنصرهم فيه، فقال عز وجل: {وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللّهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}(آل عمران:123)، فأرادت قريش استرداد اعتبارها وهيبتها بعد هزيمتها في بدر، فالتقى الفريقان عند جبل أحد، وكانت المعركة لصالح المسلمين في البداية، لكنها انقلبت رأساً على عقب، لخلل حصل من بعض المسلمين المشاركين فيها، حيث خالف الرماة المكلفين بالبقاء على الجبل، دون أن يفارقوا موقعهم، بغض النظر عن مجريات الأمور على أرض المعركة، حيث قال لهم النبي، صلى الله عليه وسلم: (إن رَأَيْتُمُونَا تَخْطَفُنَا الطَّيْرُ فلا تَبْرَحُوا مَكَانَكُمْ هذا حتى أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ وَإِنْ رَأَيْتُمُونَا هَزَمْنَا الْقَوْمَ وَأَوْطَأْنَاهُمْ فلا تَبْرَحُوا حتى أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ)
فلما نزل الرماة عن الجبل مخالفين بذلك أمر الرسول، صلى الله عليه وسلم، بعد انتصار المسلمين في بداية المعركة، لما شاهدوا ما غنمه المسلمون من عدوهم فيها، فقالوا: أَيْ قَوْمِ، الْغَنِيمَةَ، ظَهَرَ أَصْحَابُكُمْ، فما تَنْتَظِرُونَ؟ ولم ينصاعوا لقول أميرهم عبد اللَّهِ بن جُبَيْرٍ: أَنَسِيتُمْ ما قال لَكُمْ رسول اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم؟؟ قائلين: والله لَنَأْتِيَنَّ الناس، فَلَنُصِيبَنَّ من الْغَنِيمَةِ، وعلى إثر ذلك انقلبت مجريات المعركة، لصالح قريش، وأصابت المسلمين جراح صعبة، وتشتت شملهم، ولم يَبْقَ مع النبي، صلى الله عليه وسلم غَيْرُ اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا، فجاء أبو سفيان قائد جيش العدو يستعرض غطرسته، ويمجد آلهة المشركين، وكان مما قال: إِنَّ لنا الْعُزَّى، ولا عُزَّى لَكُمْ، فقال النبي، صلى الله عليه وسلم، لأصحابه الذين ثبتوا معه: ألا تجيبونه؟ قالوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، ما نَقُولُ؟ قال: قُولُوا الله مَوْلَانَا، ولا مولى لَكُمْ).

الدرس الأعظم من مجريات غزوة أحد ونتيجتها
أصيب المسلمون بجراح صعبة، في غزوة أحد، وانقلبت مجرياتها رأساً على عقب، لغير صالح المسلمين، بسبب مخالفة أمر الرسول، صلى الله عليه وسلم، وذلك بعد نزول الرماة عن الجبل، فكان ذلك درس لهم وللمسلمين من ورائهم حيث وجدوا، يتلخص مضمونه في وجوب طاعة الله ورسوله، صلى الله عليه وسلم، فيما يأمران به، أو ينهيان عنه، وينبغي الحذر كل الحذر من تنكب درب هذه الطاعة وسبيلها، والله تعالى يقول: {لَا تَجْعَلُوا دُعَاء الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاء بَعْضِكُم بَعْضاً قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكُمْ لِوَاذاً فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}(النور:63)
يبين الزمخشري أن الضمير في {أمره} يعود لله سبحانه، أو للرسول، صلى الله عليه وسلم، والمعنى عن طاعته ودينه، وأن معنى (فتنة) في قوله تعالى:{أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ} محنة في الدنيا، {أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} في الآخرة، وعن ابن عباس، رضي الله عنهما، {فتنة} قتل، وعن عطاء: زلازل وأهوال، وعن جعفر بن محمد: يسلط عليهم سلطان جائر.(الكشاف:3/265)
راجين الله أن يوفق لمتابعة الحديث في الحلقة القادمة عن مفهوم ودلالة قول: (الله مولانا ولا مولى لهم) الصادر عن نبينا محمد، عليه الصلاة والسلام، وعلى آله الطاهرين، وأزواجه أمهات المؤمنين، وأصحابه الغر الميامين، وعلى من تبعه بإحسان إلى يوم الدين.
17 ذو القعدة 1443هـ

تاريخ النشر 2022-06-17
 دار الإفتاء الفلسطينية - القدس