.:: الرسول الأسوة صلى الله عليه وسلم ::.

وقوله: حَسْبُنَا الله وَنِعْمَ الْوَكِيلُ - الحلقة الأولى

==========================================================

عن ابن عَبَّاسٍ، رضي الله عنهما: (حَسْبُنَا الله وَنِعْمَ الْوَكِيلُ، قَالَهَا إِبْرَاهِيمُ، عليه السَّلَام حين ألقي في النَّارِ، وَقَالَهَا مُحَمَّدٌ، صلى الله عليه وسلم، حين قالوا: }إِنَّ الناس قد جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا الله وَنِعْمَ الْوَكِيلُ}). (صحيح البخاري، كتاب تفسير القرآن، سورة آل عمران، باب {إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ} (آل عمران: 173))
يتعلق هذا الحديث الشريف الصحيح بأمر إيماني، ينفح بالأمل للذين يتمسكون بالحق، ولا يفرطون، ولا يبدلون، مهما اشتدَّ الأذى الذي يعترض سبيلهم، ويلحق بهم؛ لأنهم يوقنون أنهم ينتصرون لله، وهو ناصرهم، مصداقاً لوعده سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ} (محمد:7)
معنى حَسْبُنَا الله وَنِعْمَ الْوَكِيلُ
قال ابن الأنباري: {حَسْبُنَا اللَّهُ} أي كافينا الله، و{الْوَكِيلُ} فيه أقوال، أحدها: أنه الكفيل، والثاني قول الفراء: أنه الكافي، ويستدل الرازي على صحة هذا القول أن {نِعْمَ} سبيلها أن يكون الذي بعدها موافقاً للذي قبلها، تقول: رازقنا الله، ونعم الرازق، وخالقنا الله، ونعم الخالق، فكذا هاهنا تقدير الآية: يكفينا الله، ونعم الكافي، والقول الثالث: الوكيل فعيل بمعنى مفعول، وهو الموكول إليه، والكافي والكفيل يجوز أن يُسمى وكيلاً؛ لأن الكافي يكون الأمر موكولاً إليه، وكذا الكفيل يكون الأمر موكولاً إليه. (التفسير الكبير، 9/82)
الشدائد تستدعي تفعيل اليقين بحَسْبُنَا الله وَنِعْمَ الْوَكِيلُ
يبين ابن عباس، رضي الله عنهما، في حديثه أعلاه، أن إبراهيم، عليه السلام، قال: {حَسْبُنَا الله وَنِعْمَ الْوَكِيلُ} في ساعة واجهته فيها شدة عظيمة، وذلك لما ألقى به أعداؤه في النار ليحرقوه بها، فعبر إبراهيم، عليه السلام، بهذا القول عن عمق إيمانه ويقينه بأن الله كافيه شر أعدائه، وكان الرد الرباني عظيماً، فأنجى خليله إبراهيم من النار بفعل خارق للعادة، إذ أمر سبحانه النار أن تتحول خاصية الإحراق فيها إلى النقيض، فصارت برداً وسلاماً على إبراهيم، عليه السلام، وعن هذا يقول جل شأنه في قرآنه الكريم: {قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلَاماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ} (الأنبياء: 69)
وفي حديث صحيح عن ابن عَبَّاسٍ، قال: (كان آخِر قَوْلِ إبراهيم حين أُلْقِيَ في النَّارِ: حَسْبِيَ الله وَنِعْمَ الْوَكِيلُ) (صحيح البخاري، كتاب تفسير القرآن، سورة آل عمران، باب {إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ} (آل عمران: 173))
ونبينا محمد، صلى الله عليه وسلم، لجأ لقول: {حَسْبُنَا الله وَنِعْمَ الوَكِيلُ} لما اشتد الكيد ضده ودينه وأصحابه، وأرجف المخذلون بأن الأعداء يحشدون للانقضاض على المسلمين، فسأل عليه الصلاة والسلام، ربه أن يكفيه شرهم، وقد أخبر القرآن الكريم عن هذه الحادثة، فقال عز وجل: {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ* فَانقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ منَ اللّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُواْ رِضْوَانَ اللّهِ وَاللّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ* إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءهُ فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ* وَلاَ يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَن يَضُرُّواْ اللّهَ شَيْئاً يُرِيدُ اللّهُ أَلاَّ يَجْعَلَ لَهُمْ حَظّاً فِي الآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} (آل عمران:173-176)
نصر المتوكلين على الله
من الروايات المخبرة عن مناسبة الحادثة التي قَالَ فيها النَّاسُ للمسلمين: {إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ} ما ذكره ابن عباس، قال: إن الله قذف الرعب في قلب أبي سفيان يوم أحد بعد الذي كان منه، فرجع إلى مكة، فقال النبي، صلى الله عليه وسلم: إن أبا سفيان قد أصاب منكم طرفاً، وقد رجع وقذف الله في قلبه الرعب، وكانت وقعة أحد في شوال، وكان التجار يقدمون المدينة في ذي القعدة، فينزلون ببدر الصغرى، وأنهم قدموا بعد وقعة أحد، وكان أصاب المؤمنين القرح، واشتكوا ذلك، فندب النبي، صلى الله عليه وسلم، الناس لينطلقوا معه، فجاء الشيطان فخوف أولياءه، فقال: إن الناس قد جمعوا لكم، فأبى عليه الناس أن يتبعوه، فقال: إني ذاهب وإن لم يتبعني أحد، فانتدب معه أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، والزبير، وسعد، وطلحة، وعبد الرحمن بن عوف، وعبد الله بن مسعود، وحذيفة بن اليمان، وأبو عبيدة بن الجراح، في سبعين رجلاً، فساروا في طلب أبي سفيان، فطلبوه حتى بلغوا الصفراء، فأنزل الله: {الَّذِينَ اسْتَجَابُواْ لِلّهِ وَالرَّسُولِ...الآية} (آل عمران: 172)(ابن لباب النقول، 1/60)
والآية المشار إليها في ختام هذا الخبر هي قوله تعالى: {الَّذِينَ اسْتَجَابُواْ لِلّهِ وَالرَّسُولِ مِن بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ مِنْهُمْ وَاتَّقَواْ أَجْرٌ عَظِيمٌ} (آل عمران:172)، وعن مناسبتها تخبر أم المؤمنين عَائِشَة، رضي الله عنها، ابن أختها عُرْوَةَ بن الزبير، فتقول: (يا ابن أُخْتِي، كان أَبَوَاكَ منهم؛ الزُّبَيْرُ وأبو بَكْرٍ، لَمَّا أَصَابَ رَسُولَ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، ما أَصَابَ يوم أُحُدٍ، وَانْصَرَفَ عنه المُشْرِكُونَ، خَافَ أَنْ يَرْجِعُوا، قال: من يَذْهَبُ في إِثْرِهِمْ؟ فَانْتَدَبَ منهم سَبْعُونَ رَجُلًا، قال: كان فِيهِمْ أبو بَكْرٍ وَالزُّبَيْرُ) (صحيح البخاري، كتاب المغازي، باب {الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ } (آل عمران: 172))
فالرسول، صلى الله عليه وسلم، لما بلغته الأراجيف بشأن تجهيز جموع الكفار للانقضاض على المدينة بعد أحد، توجه إلى الله طالباً العون، من خلال قوله المعبر عن يقينه وإيمانه بأن الله كافيه، فكفاه الله شرهم، ونصره عليهم، دون أن يحدث قتال بين الطرفين على الأرض، فكان الرعب سلاحاً سلطه الله بقدرته على أعداء الإسلام، فهزمهم به، وأبطل مفعول أراجيفهم، وكفى الله المؤمنين القتال.
فهذه وقفة عند قول الله: {حَسْبُنَا الله وَنِعْمَ الْوَكِيلُ} المثبت في الذكر الحكيم، شملت بيان معناه، والإشارة إلى بعض الشدائد التي تستدعي استذكاره بيقين، سائلين الله العلي القدير أن ييسر الوقوف عند مزيد من القضايا ذات الصلة بهذا القول الإيماني، الذي استحضر ذكره خليل الله إبراهيم، عليه السلام، ونبينا محمد، عليه الصلاة والسلام، وعلى آله الطاهرين، وأزواجه أمهات المؤمنين، وأصحابه الغر الميامين، ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين
25 ربيع الأول 1444هـ

تاريخ النشر 2022-10-21
 دار الإفتاء الفلسطينية - القدس