.:: الرسول الأسوة صلى الله عليه وسلم ::.

وقوله: (الله مولانا ولا مولى لهم) - الحلقة الرابعة والأخيرة

==========================================================

عن أبي هُرَيْرَةَ، قال: قال رسول اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم: (إِنَّ اللَّهَ قال من عَادَى لي وَلِيًّا، فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ) (صحيح البخاري، كتاب الرقاق، باب التواضع)
تعرضت الحلقة السابقة للتأكيد على طمأنة المؤمنين إلى حقيقة أن الله مولاهم، في قوله عز وجل: {... وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ} (الحج:78)
فالله في هذه الآية الكريمة يأمر المؤمنين بأن يمتنعوا به، ويتوكلوا عليه، ولا يتكلوا على حولهم وقوتهم، فهو سبحانه مولاهم الذي يتولى أمورهم، فيدبرها بحسن تدبيره، ويصرفها على أحسن تقدير، وهو نعم المولى، ونعم النصير، وفي قوله تعالى: {إِنَّهُمْ لَن يُغْنُوا عَنكَ مِنَ اللَّهِ شَيئاً وإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ} (الجاثية:19)، تأكيد لحقيقة "الله مولانا ولا مولى لهم" بثلاثة أبعاد، أولها إِنَّهُمْ لَن يُغْنُوا عَنكَ مِنَ اللَّهِ شَيئاً، وثانيها أن الظالمين بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ، في الدنيا وفي الآخرة، ولا ولي لهم ينفعهم في إيصال الثواب، وإزالة العقاب، فيتوازى مع ولاية الله للمؤمنين، افتقار أعدائهم لهذه الولاية، والفرق شاسع بين ولاية الله وولاية غيره، فالله ذو القوة المتين، فعّال لما يريد، وغيره ضعيف مهما بلغت درجة قوته، فالخلق فقراء إلى الله، وهو غني عنهم، وبهذا الصدد يقول عز وجل: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاء إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ} (فاطر:15)
وحقيقة ولاية الظالمين بعضهم بعضاً أكدتها آيات أخر، وبخاصة في سورتي الأنفال والتوبة.
فمسألة الولاية محسومة ربانياً، لا خلط فيها ولا اندماج، فسطاط الحق والإيمان يتولى أفراده بعضهم بعضاً، وتتولى فئاته بعضها بعضاً، وفسطاط الضلال والزيغ تتولى مكوناته بعضها بعضاً، وتم تحذير أهل الحق من الانخداع بما لدى الفسطاط الآخر من حظوة ظاهرة، فما ذلك إلا متاع قليل زائل.

الله ولي المتقين
البعد الثالث الذي لم يتسع المجال في الحلقة السابقة للوقوف عنده، والذي تطرقت إليه الآية الكريمة التاسعة عشرة من سورة الجاثية، في سياق الاستدلال بها على تأكيد حقيقة "الله مولانا ولا مولى لهم" يتعلق بالنص الصريح على أن الله ولي المتقين، يذكر صاحب أضواء البيان، أن المتقين الذين وليهم الله هم الذين يمتثلون أمره، ويجتنبون نهيه، وأن الله ذكر في موضع آخر أن المتقين أولياؤه، فهو وليهم وهم أولياؤه؛ لأنهم يوالونه بالطاعة والإيمان، وهو يواليهم بالرحمة والجزاء، وذلك في قوله تعالى: {أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} (يونس:62)
ثم بين سبحانه المراد بأوليائه في قوله تعالى: {الَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ} (يونس:63)، فقوله تعالى: {وَكَانُواْ يَتَّقُونَ} كقوله في آية الجاثية هذه: {وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ}
وبين تعالى في آيات من كتابه أنه ولي المؤمنين، وأنهم أولياؤه، كقوله تعالى: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ} (المائدة:55)
وقوله تعالى: {اللّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّوُرِ...}(البقرة:257)
وقوله تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ} (محمد:11)
وقوله تعالى: {إِنَّ وَلِيِّـيَ اللّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ} (الأعراف:196)
وقوله تعالى في الملائكة: {قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنتَ وَلِيُّنَا مِن دُونِهِم...}(سبأ:41) إلى غير ذلك من الآيات. (أضواء البيان، 7/201، بتصرف)
ويذكر أبو السعود في تفسيره أن الرسول، صلى الله عليه وسلم، مشمول بقوله تعالى: {والله ولي المتقين} من حيث إنه قدوتهم، فيطلب منه أن يداوم على ما هو عليه من تولي الله، خاصة الإعراض عما سواه بالكلية. (تفسير أبي السعود، 8/71)

إعلان الحرب الربانية على الذين يعادون أولياء الله
أولياء الله هم خاصته الذين تعهد بحمايتهم والذود عنهم، كما جاء في الحديث القدسي الصحيح عن أبي هُرَيْرَةَ، المثبت نصه أعلاه.
يبين ابن حجر العسقلاني بأن المراد بولي الله العالم بالله، المواظب على طاعته، المخلص في عبادته، وقد استشكل وجود أحد يعاديه؛ لأن المعاداة إنما تقع من الجانبين، ومن شأن الولي الحلم والصفح عمن يجهل عليه، وأجيب بأن المعاداة لم تنحصر في الخصومة والمعاملة الدنيوية مثلاً، بل قد تقع عن بغض ينشأ عن التعصب. (فتح الباري، 11/342)
وجاء في مرقاة المفاتيح، أن الله يعلم من يحارب وليه، فتعهد سبحانه بمحاربته ومعاداته، أو بأنه سيحاربه ويقهره وينتصر منه، وينتقم لوليه، والولي بحسب التركيب يدل على القرب، فكأنه قريب منه سبحانه؛ لاستغراقه في نور معرفته وجماله وجلاله، وكمال مشاهدته.(مرقاة المفاتيح 9/514)

خاتمة
موالاة الله للمؤمنين، وحجبها عن الظالمين والكافرين والمتغطرسين، حقيقة قرآنية وعقائدية، وآثارها يشاهدها كل بصير من الخلق، وهي بالإضافة إلى هذا بلسم للمستهدفين بالجراح والاضطهاد كأبناء شعبنا المرابطين في فلسطين وعلى ثغورها، فإن إيمانهم بأن الله مولاهم يدافع عنهم ويعادي أعداءهم مهم جداً لصمودهم وثباتهم وإصرارهم على التشبث بحقوقهم المشروعة، وحالهم ومقالهم يرددان تلك المقولة الإيمانية، التي نطق بها أسلافهم، وثبتها الله في آية من قرآنه الكريم، فقال تعالى: {قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ } (التوبة: 52)
وبهذه الخاتمة والإعلان الرباني المتضمن تعهده سبحانه بمناصرة أوليائه، وشن الحرب الإلهية على أعدائهم، نختم في هذه المرحلة الحديث عن أبعاد قول: (الله مولانا ولا مولى لهم) الصادر عن نبينا محمد، عليه الصلاة والسلام، وعلى آله الطاهرين، وأزواجه أمهات المؤمنين، وأصحابه الغر الميامين، وعلى من تبعه بإحسان إلى يوم الدين.
23 ذو الحجة 1443هـ

تاريخ النشر 2022-07-22
 دار الإفتاء الفلسطينية - القدس