عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قَالَ اللهُ: (أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ، فَاقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ {فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ}) (صحيح البخاري، كتاب بدء الخلق، باب ما جاء في صفة الجنة وأنها مخلوقة)
وقفت الحلقة السابقة (الثامنة) عند الآية 44 من سورة آل عمران التي بيّن الله فيها أنه سبحانه أوحى إلى نبيه محمد، صلى الله عليه وسلم، من أنباء الغيب، الذي لم يكن له عِلْمٌ بِهِ، ما يؤكد نفي علم الرسول، صلى الله عليه وسلم، الغيب إلا بما أعلمه الله به أو عنه، فكيف بالناس الذين لا يتلقون الوحي، فزعمهم العلم بالغيب باطل وهراء.
وذُكر الغيب في القرآن الكريم في مجال الرجم به، الذي حقيقته الرمي بحجر ونحوه، واستعير لرمي الكلام من غير روية ولا تثبت، ومن ذلك ما جاء بشأن عدد أصحاب الكهف في سورة الكهف.
وتعرضت الحلقة كذلك لدحض مزاعم تتعلق بالغيب ممن لم يطلعوه، كالعاص بن وائل الذي زعم أنه سيؤتى مالاً وولداً، ولم يؤت علماً بالغيب قاطع بذلك. والجن لا يعلمون الغيب، وهم يصرحون بذلك، ومن هدي القرآن للتي هي أقوم: بيان أن الجن لا يعلمون الغيب. وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُطْلِعَ الناس عَلَى الْغَيْبِ، والأمور تجري في الكون وفق علم الله سبحانه وتقديره، وللابتلاء غاية يميز الله بها الخبيث من الطيب، ومن الطبيعي أن يجهل الناس تفسير بعض المجريات التي تجري في واقعهم، لجهلهم بالمثبت في علم الله الغيبي بشأنها، حيث جاء ذكر ذلك في سياق التعقيب على أحداث وقعة أحد، وما لازمها من ظروف وأحوال، فلم يكن من سننه سبحانه في خلقه أن يطلعهم على الغيب، فيميز المؤمن من المنافق، والبار من الفاجر، وإنما يبتلي بالتكاليف، ويظهر بها المؤمن من الكافر، والصالح من الفاسد، إلا أنه تعالى قد يجتبي من رسله من يشاء فيطلعه على الغيب، ويظهره على بواطن الأمور، وبناء على هذا فآمنوا بالله ورسله حق الإيمان، فإنكم إن آمنتم صادق الإيمان، واتقيتم معاصي الرحمن، كان لكم بذلك أعظم الأجور، وهو الجنة دار الحبور والسرور.
لأهل الجنة فيها ما لا يخطر على قلب بشر
الحديث القدسي المثبت نصه أعلاه، يظهر أن ما في الجنة غيب لا علم للناس به، ففيها لعباد الله الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، وقوله: "أعددت" أي هيأت، وقوله: "لعبادي" الإضافة فيه للتشريف؛ أي لعبادي المخلصين.(عمدة القاري شرح صحيح البخاري:36/176)
يبين المناوي أن معناه أنه تعالى ادخر في الجنة من النعيم والخيرات واللذات ما لم يطلع عليه أحد من الخلق بطريق من الطرق، وذكر الرؤية والسمع؛ لأن أكثر المحسوسات تدرك بهما، والإدراك ببقية الحواس أقل، ولا يكون غالباً إلا بعد تقدم رؤية أو سماع، ثم زاد أنه لم يجعل لأحد طريقاً إلى توهمها بذكر وخطور على قلب، فقد جلت عن أن يدركها فكر وخاطر.(فيض القدير:4/473)
قال المهلب: إن تخصيصه قلب بشر بأن لا يعلمه، يدل- والله أعلم- أنه يجوز أن يخطر على قلوب الملائكة. (شرح صحيح البخاري لابن بطال:10/499)
وفي هذا الوعد الصادق ترغيب لمن يؤمن بالله واليوم الآخر من الناس بالجنة، وتحفيز لهم على المبادرة لعمل الصالحات، وتجنب المعاصي، والخطايا والآثام، وأن يبذلوا بسخاء ما يقدمونه في سبيل الله من المهج والأرواح والأموال، ما دامت تنتظرهم جنة هذه أوصاف الملذات والخيرات فيها، فسلعة الله غالية، وقد فهم هذه الحقيقة الدامغة أهل الإيمان الذين رمى أحدهم تمرة كانت بيده حتى لا تؤخره عن الإقدام في سبيل الله، كما جاء في الحديث الصحيح أنه لما انْطَلَقَ رَسُولُ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، وَأَصْحَابُهُ حَتَّى سَبَقُوا الْمُشْرِكِينَ إِلَى بَدْرٍ وَجَاءَ الْمُشْرِكُونَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم: (لاَ يُقَدِّمَنَّ أَحَدٌ مِنْكُمْ إِلَى شَيْءٍ حَتَّى أَكُونَ أَنَا دُونَهُ، فَدَنَا الْمُشْرِكُونَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم: قُومُوا إِلَى جَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ، قَالَ: يَقُولُ عُمَيْرُ بْنُ الْحُمَامِ الأَنْصَارِيُّ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، جَنَّةٌ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ؟؟!! قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: بَخٍ بَخٍ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم: مَا يَحْمِلُكَ عَلَى قَوْلِكَ بَخٍ بَخٍ؟ قَالَ: لاَ وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِلاَّ رَجَاءَةَ أَنْ أَكُونَ مِنْ أَهْلِهَا، قَالَ: فَإِنَّكَ مِنْ أَهْلِهَا، فَأَخْرَجَ تَمَرَاتٍ مِنْ قَرنِهِ، فَجَعَلَ يَأْكُلُ مِنْهُنَّ، ثُمَّ قَالَ: لَئِنْ أَنَا حَيِيتُ حَتَّى آكُلَ تَمَرَاتِي هَذِهِ إِنَّهَا لَحَيَاةٌ طَوِيلَةٌ، - قَالَ - فَرَمَى بِمَا كَانَ مَعَهُ مِنَ التَّمْرِ. ثُمَّ قَاتَلَهُمْ حَتَّى قُتِلَ). (صحيح مسلم، كتاب الإمارة، باب ثبوت الجنة للشهيد)
{فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ}
هذا العنوان المستشهد به في الحديث القدسي أعلاه مقتبس من الآية السابعة عشرة من سورة السجدة، وفيها يقول تعالى: {فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاء بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}(السجدة:17)
يقول أبو السعود في تفسيره: إن العلم بمعنى المعرفة، وما موصولة، أو استفهامية، علق عنها الفعل {جَزَاء بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} أي جزوا جزاء، أو أخفى لهم الجزاء بما كانوا يعملونه في الدنيا من الأعمال الصالحة، قيل: هؤلاء القوم أخفوا أعمالهم؛ فأخفى الله تعالى ثوابهم.(تفسير أبو السعود:7/85)
ويبين ابن عاشور: أنه لا تبلغ نفس من أهل الدنيا معرفة ما أعد الله لهم، مستدلاً بما تضمنه نص الحديث القدسي أعلاه، فدل على أن المراد بـ {نَفْسٌ} في هذه الآية أصحاب النفوس البشرية، فإن مدركات العقول منتهية إلى ما تدركه الأبصار من المرئيات، من الجمال والزينة، وما تدركه الأسماع من محاسن الأقوال ومحامدها، ومحاسن النغمات، وإلى ما تبلغ إليه المتخيلات من هيئات يركبها الخيال من مجموع ما يعهده من المرئيات والمسموعات، مثل الأنهار من عسل أو خمر أو لبن، ومثل القصور والقباب من اللؤلؤ، ومثل الأشجار من زبرجد، والأزهار من ياقوت، وتراب من مسك وعنبر، فكل ذلك قليل في جانب ما أعد لهم في الجنة من هذه الموصوفات، ولا تبلغه صفات الواصفين؛ لأن منتهى الصفة محصور فيما تنتهي إليه دلالات اللغات، مما يخطر على قلوب البشر، فلذلك قال النبي، صلى الله عليه وسلم: (ولا خطر على قلب بشر) وهذا كقولهم في تعظيم شيء: هذا لا يعلمه إلا الله، قال الشاعر:
فلم يدر إلا الله ما هيجت لنا ... عشية آناء الديار وشامها
وعبر عن تلك النعم بـ {مَا أُخْفِيَ} لأنها مغيبة، لا تدرك إلا في عالم الخلود.
وقرة الأعين: كناية عن المسرة، كما في قوله تعالى: {وَقَرِّي عَيْناً} في سورة مريم آية 26.(التحرير والتنوير:21/162)
وعد الله عباده بالغيب
وعود الله عباده بالخيرات، وعلى رأسها وعدهم بالجنات، يفي الله بها كما وعد سبحانه، والله تعالى يقول: {وَعَدَ اللّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} (التوبة:72) ووعدهم بالمغفرة والأجر العظيم، فقال عز وجل: {وَعَدَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ} (المائدة:9) ووعد الله حق، مصداقاً لقوله جل شأنه: {أَلا إِنَّ لِلّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَلاَ إِنَّ وَعْدَ اللّهِ حَقٌّ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} (يونس:55)
وبين سبحانه أن وعده من هذا القبيل هو وعد بالغيب، فقال تعالى: {جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيّاً} (مريم:61)
يبين الطاهر بن عاشور بأن الغيب: مصدر غاب، فكل ما غاب عن المشاهدة فهو غيب، والباء في {بِالْغَيْبِ} للظرفية، أي وعدها إياهم في الأزمنة الغائبة عنهم، أي في الأزل إذ خلقها لهم، قال تعالى: {أُعِدَّتْ لِلمُتَّقِين}، وفيه تنبيه على أنها وإن كانت محجوبة عنهم في الدنيا، فإنها مهيأة لهم.
وجملة {إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيّاً} تعليل لجملة {الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ} أي يدخلون الجنة وعداً من الله واقعاً، وهذا تحقيق للبشارة.
والوعد هنا مصدر مستعمل في معنى المفعول؛ فالله وعد المؤمنين الصالحين جنات عدن؛ فالجنات لهم موعودة من ربهم.
والمأتي: الذي يأتيه غيره، وقد استعير الإتيان لحصول المطلوب المترقب، تشبيهاً لمن يُحصّل الشيء بعد أن سعى لتحصيله، بمن مشى إلى مكان حتى أتاه، وتشبيهاً للشيء المحصل بالمكان المقصود.
ففي قوله {مَأْتِيّاً} تمثيلية اقتصر من أجزائها على إحدى الهيئتين، وهي تستلزم الهيئة الأخرى؛ لأن المأتي لا بد له من آت. (التحرير والتنوير:16/60-61)
فهذه وقفة أخرى عند موضوع حصر العلم بمفاتيح الغيب بالله سبحانه، تم خلالها التركيز على أبعاد ذات صلة بهذا الموضوع العقائدي، تعلق أحدها بما لأهل الجنة فيها من نعيم غيبي لَا عَيْنٌ رَأَتْه، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْه، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ، مع بيان معنى قوله تعالى: {فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ} إضافة إلى مسألة وعد الله عباده بالغيب.
وبهذه الوقفة نختم الوقوف عند ما تيسر من قضايا علم الغيب التي تم التطرق إليها، آملين التوفيق لعرض ملخصات الحلقات التسع التي تطرقت لهذا الموضوع في الحلقة العاشرة التالية، ونسأله سبحانه أن ينفع بهذا التذكير المتدبرين فيه، الحريصين على نيل مرضاة الله ومثوبته سبحانه، بتأسيهم في عقيدتهم وثقافتهم وعبادتهم وقيمهم وسلوكهم برسولهم الأسوة محمد، صلى الله وسلم عليه، وعلى آل بيته الطاهرين، وأزواجه أمهات المؤمنين، وأصحابه الغر الميامين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
15 شعبان 1446هـ