عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: (إِذَا جَاءَ رَمَضَانُ فُتِحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ).(صحيح البخاري، كتاب الصوم، باب هل يقال رمضان أو شهر رمضان ومن رأى كله واسعاً)
يحل علينا بيمن الله ورعايته ضيف عزيز كريم، نصوم نهاره، ونقوم ليله، على منهج ديننا الحنيف، فننتظره بحنين وشوق بالغيْنِ، آملين أن نوفق لحسن طاعة الله فيه، وأن نكون من عتقائه، الذين يغفر الله لهم ما تقدم من ذنوبهم وما تأخر.
معنى "رمضان" وذكره في القرآن والسنة
رمضان في اللغة مشتق من رمض، والرَّمَضُ والرَّمْضاءُ: شِدّةُ الحَرّ .
والرَّمَضُ: حَرُّ الحجارة من شدّة حَرّ الشمس، وقيل: هو الحرّ، والرَّمَضُ: شدة وَقْع الشمس على الرمل وغيره، والأَرضُ رَمْضاءُ .
ورَمِضَ الإِنسانُ رَمَضاً: مَضى على الرَّمْضاءِ، والأَرضُ رَمِضةٌ، ورَمِضَ يَومُنا، بالكسر، يَرْمَضُ: اشتدَّ حَرُّه، ويجمع على رَمَضاناتٌ ورَماضِينُ وأَرْمِضاءُ وأَرْمِضةٌ وأَرْمُضٌ؛ عن بعض أَهل اللغة، وليس بثبَت-حسب ما جاء في لسان العرب- وروي أن مجاهد كان يكره أَن يُجْمَعَ رمضانُ، قال ابن دريد: لما نقلوا أَسماء الشهور عن اللغة القديمة سموها بالأَزمنة التي هي فيها، فوافَقَ رمضانُ أَيامَ رَمَضِ الحرّ وشدّته، فسمّي به. وشهر رمضانَ مأْخوذ من رَمِضَ الصائم يَرْمَضُ إِذا حَرّ جوْفُه من شدّة العطش. (لسان العرب: 6/225)
ويطلق اسم رمضان في الاصطلاح على الشهر التاسع من الأشهر القمرية، ويقع بين شهري شعبان وشوال، وفرض الله صيام نهاره على المسلمين في السنة الثانية للهجرة، وأنزل فيه القرآن، وفيه ليلة خير من ألف شهر.
وذكر لفظ "رمضان" في القرآن الكريم مرة واحدة، وذلك في الآية 185 من سورة البقرة، حيث يقول جل ذكره: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ...} (البقرة:185)
أما في السنة النبوية فذكر لفظ "رمضان" في عدد من الأحاديث النبوية الصحيحة، التي من أبرزها حديث أركان الإسلام، ونصه: "بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ؛ شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالْحَجِّ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ". (صحيح البخاري، كتاب الإيمان، باب قول النبي، صلى الله عليه وسلم: بني الإسلام على خمس)
إطلاق اسم رمضان دون ذكر الشهر
الحديث الصحيح أعلاه ذكر فيه لفظ "رمضان" دون ذكر "شهر" أو ما شابه معه، مما يدحض منع إطلاق لفظ "رمضان" مطلقاً على شهر الصيام بدون ذكر لفظ الشهر، وفي هذه الرواية ذكر لفظ "جاء" وورد في روايات أخرى لفظ "دخل" حيث قال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِذَا دَخَلَ رَمَضَانُ فُتِّحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ (السَّمَاءِ)" (صحيح البخاري، كتاب بدء الخلق، باب صفة إبليس وجنوده)، وفي رواية أخرى ذكر لفظ "كان" بدل (جاء ودخل)، فعَنْ عَائِشَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالَتْ: (كَانَ يَوْمُ عَاشُورَاءَ تَصُومُهُ قُرَيْشٌ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَكَانَ النَّبِيُّ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَصُومُهُ، فَلَمَّا قَدِمَ الْمَدِينَةَ صَامَهُ، وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ، فَلَمَّا نَزَلَ رَمَضَانُ كَانَ رَمَضَانُ الْفَرِيضَةَ، وَتُرِكَ عَاشُورَاءُ، فَكَانَ مَنْ شَاءَ صَامَهُ، وَمَنْ شَاءَ لَمْ يَصُمْهُ). (صحيح البخاري، كتاب تفسير القرآن، سورة البقرة، باب {يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام...} (البقرة: 183)
وهذه الألفاظ الثلاثة (جاء ودخل وكان) تعبر عن قدوم رمضان وحلوله.
ويبين النووي أن في إطلاق لفظ رمضان فيها دون ربطه بلفظ "شهر" دليل للمذهب الصحيح المختار الذي ذهب إليه البخاري والمحققون أنه يجوز أن يقال "رمضان" من غير ذكر الشهر بلا كراهة، وفي هذه المسألة ثلاثة مذاهب:
قالت طائفة: لا يقال "رمضان" على انفراده بحال، وإنما يقال: "شهر رمضان" هذا قول أصحاب مالك، وزعم هؤلاء أن "رمضان" اسم من أسماء الله تعالى، فلا يطلق على غيره إلا بقيد، وقال كثيرون وابن الباقلاني إن كانت هناك قرينة تصرفه إلى الشهر فلا كراهة، وإلا فيكره، فيقال: صمنا رمضان، قمنا رمضان، ورمضان أفضل الأشهر، ويندب طلب ليلة القدر في أواخر رمضان، وأشباه ذلك، ولا كراهة في هذا كله، وإنما يكره أن يقال: جاء رمضان ودخل، وحضر رمضان، وأحب رمضان، ونحو ذلك.
والمذهب الثالث؛ مذهب البخاري والمحققين، أنه لا كراهة في إطلاق رمضان بقرينة وبغير قرينة، وبيَّن النووي أن هذا المذهب هو الصواب، والمذهبان الأولان فاسدان؛ لأن الكراهة إنما تثبت بنهي الشرع، ولم يثبت فيه نهي، وقولهم إنه اسم من أسماء الله تعالى ليس بصحيح، ولم يصح في شيء، وإن كان قد جاء فيه أثر ضعيف، وأسماء الله تعالى توقيفية لا تطلق إلا بدليل صحيح، ولو ثبت أنه اسم لم يلزم منه كراهة، وهذا الحديث المذكور في الباب صريح في الرد على المذهبين، ولهذا الحديث نظائر كثيرة في الصحيح في إطلاق رمضان على الشهر من غير ذكر الشهر، والله أعلم. (صحيح مسلم بشرح النووي 7 /187-188)
ويقول السيوطي: "إذا جاء رمضان" فيه رد لمن قال يكره ذكر رمضان بدون شهر. (شرح السيوطي على مسلم، 3 /183)
فتح أبواب الجنة مع مجيء رمضان
من أبرز الخيرات المبشر بها مع مجيء رمضان، فتح أبواب الجنة، حسب المبين في حديث أبي هريرة، رضي الله عنه، المثبت نصه أعلاه: (إِذَا جَاءَ رَمَضَانُ فُتِحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ).
يبين سليمان بن محمد اللهيميد في "إعانة المسلم في شرح صحيح مسلم" أن قوله، صلى الله عليه وسلم: "إذا جاء رمضان" يكون في أول ليلة من رمضان، وقوله:"فُتِّحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ": تقريباً للرحمة بالعباد، ولا تعارض بين هذه الرواية ورواية «إِذَا كَانَ رَمَضَانُ فُتِّحَتْ أَبْوَابُ الرَّحْمَةِ..." (صحيح مسلم، كتاب الصيام، باب فضل شهر رمضان)؛ لأن المراد بالرحمة الجنة، لحديث: "تَحَاجَّتِ الْجَنَّةُ وَالنَّارُ، فَقَالَتِ النَّارُ: أُوثِرْتُ بِالْمُتَكَبِّرِينَ وَالْمُتَجَبِّرِينَ، وَقَالَتِ الْجَنَّةُ: مَا لِي لَا يَدْخُلُنِي إِلَّا ضُعَفَاءُ النَّاسِ وَسَقَطُهُمْ، قَالَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لِلْجَنَّةِ: أَنْتِ رَحْمَتِي (رَحْمَةٌ) أَرْحَمُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ مِنْ عِبَادِي..." (صحيح البخاري، كتاب تفسير القرآن، سورة ق، باب قوله: {وتقول هل من مزيد} ق: 30). (إعانة المسلم في شرح صحيح مسلم، 1 /2)
ويبين العيني أن المراد من فتح أبواب الجنة حقيقة الفتح، وذهب بعضهم إلى أن المراد بذلك كثرة الطاعات في شهر رمضان، فإنها موصلة إلى الجنة، فكني بها عن ذلك، ويقال المراد به ما فتح الله على العباد فيه من الأعمال المستوجبة بها إلى الجنة؛ من الصيام والصلاة والتلاوة، وأن الطريق إلى الجنة في رمضان سهل، والأعمال فيه أسرع إلى القبول. (عمدة القاري، 16 /255)
جَنَّات عَدْنٍ مُّفَتَّحَةً لَّهُمُ الْأَبْوَابُ
الإخبار عن فتح أبواب الجنة في رمضان ينسجم مع البشرى بجنات عدن مفتحة الأبواب للمتقين، التي زفها الله لعباده المخلصين في قرآنه الكريم، حيث يقول جل شأنه: {...وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ* جَنَّاتِ عَدْنٍ مُّفَتَّحَةً لَّهُمُ الْأَبْوَابُ* مُتَّكِئِينَ فِيهَا يَدْعُونَ فِيهَا بِفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرَابٍ* وَعِندَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ أَتْرَابٌ* هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الْحِسَابِ* إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِن نَّفَادٍ} (ص:49-54)
يبين عبد الكريم الخطيب في تفسير القرآن للقرآن أن قوله تعالى: {جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوابُ} هو بدل من {حسن مآب}....فالمآب الحسن هو جنات عدن، أي جنات خلود، يجدها المتقون، وقد فتحت أبوابها لهم، يدخلونها من أي باب شاءوا، دون أن يحجبهم عنها حاجب.
والاتكاء في قوله تعالى: {مُتَّكِئِينَ فِيها يَدْعُونَ فِيها بِفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَ شَرابٍ} كناية عن الراحة من السعي وراء المطالب المعيشية، فهم لا يعملون عملاً في سبيل ما يريدون، بل إن كل شيء حاضر عتيد بين أيديهم، وما عليهم إلا أن يطلبوا فيجدوا ما طلبوا حاضراً، إنهم يأكلون ما يشاءون، ويشربون ما يشتهون، مما كان قد فاتهم من حظوظ الدنيا، هذا إلى ما أعدّ اللّه لهم، مما لم تره عين، ولم تسمع به أذن، ولم يخطر على قلب بشر.
ومعنى قاصرات الطرف في قوله تعالى: {وَعِنْدَهُمْ قاصِراتُ الطَّرْفِ أَتْرابٌ}؛ أي غاضّات البصر، حياء، وعفّة.
والأتراب: جمع ترب، والترب الشبيه والمثيل.
أي وبين يدي أهل الجنة حور عين، قاصرات الطرف، أي خاشعات الأبصار، حياء، على صورة كاملة في الجمال، والشباب..كلهن على ميزان واحد في الجمال، ليس في أيّ منهن زيادة لمستزيد.
وقوله تعالى: {هذا ما تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الْحِسابِ}؛ أي هذا النعيم الخالد، بألوانه، وأشكاله، هو ما وعد اللّه به المؤمنين، حيث يلقونه يوم الحساب، والجزاء.
وقوله تعالى: {إِنَّ هذا لَرِزْقُنا ما لَهُ مِنْ نَفادٍ} أي هذا النعيم الخالد، هو الرزق الذي يرزقه اللّه أصحاب الجنة، وهو رزق لا ينفد أبداً، ولا ينقص منه شيء أبداً، على كثرة الواردين عليه. (التفسير القرآني للقرآن، 2/ 112-113)
فأبواب الجنة تفتح للمتقين ليدخلوها من أيها شاءوا، والصائمون منهم، خصهم الله بباب لا يدخل أحد الجنة منه إلا من كان من شريحتهم، مصداقاً لقوله، صلى الله عليه وسلم: (إِنَّ فِي الْجَنَّةِ بَابًا يُقَالُ لَهُ الرَّيَّانُ، يَدْخُلُ مِنْهُ الصَّائِمُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، لَا يَدْخُلُ مِنْهُ أَحَدٌ غَيْرُهُمْ، يُقَالُ: أَيْنَ الصَّائِمُونَ؟ فَيَقُومُونَ، لَا يَدْخُلُ مِنْهُ أَحَدٌ غَيْرُهُمْ، فَإِذَا دَخَلُوا أُغْلِقَ فَلَمْ يَدْخُلْ مِنْهُ أَحَدٌ) (صحيح البخاري، كتاب الصوم، باب الريان للصائمين)
مع احتفاظ الصائمين بفرصة التنعم بدخول الجنة من أبوابها الأخرى، بناء على ما ثبت في الحديث الصحيح عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: (مَنْ أَنْفَقَ زَوْجَيْنِ فِي سَبِيلِ اللهِ نُودِيَ مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ: يَا عَبْدَ اللهِ، هَذَا خَيْرٌ، فَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّلَاةِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الصَّلَاةِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْجِهَادِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الْجِهَادِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصِّيَامِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الرَّيَّانِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّدَقَةِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الصَّدَقَةِ. فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللهِ، مَا عَلَى مَنْ دُعِيَ مِنْ تِلْكَ الْأَبْوَابِ مِنْ ضَرُورَةٍ؟ فَهَلْ يُدْعَى أَحَدٌ مِنْ تِلْكَ الْأَبْوَابِ كُلِّهَا؟ قَالَ: نَعَمْ، وَأَرْجُو أَنْ تَكُونَ مِنْهُمْ) (صحيح البخاري، كتاب الصوم، باب الريان للصائمين)
فهذه وقفة مع أولى بشائر الخيرات التي وعد بها المسلمون مع مجيء رمضان، المتمثلة في فتح أبواب الجنة مع هذا المجيء المبارك، الذي نسأل الله أن ينعم علينا به، وأن يهل علينا رمضان بالخير واليمن والبركات، وأن يعيننا على حسن صيامه وقيام لياليه، وأن يعتقنا به من النار، ونرجوه سبحانه أن ييسر الوقوف عند مزيد من بشائر الخير التي تترافق مع مجيء رمضان، حسب الوارد في صحيح سنة نبينا محمد، صلى الله عليه وسلم، وعلى آل بيته الطاهرين، وأزواجه أمهات المؤمنين، وأصحابه الغر الميامين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
29 شعبان 1446هـ