.:: الرسول الأسوة صلى الله عليه وسلم ::.

يبين أموراً تفضل الدنيا وما عليها - الحلقة الثالثة

==========================================================

عن أَنَسِ بن مَالِكٍ، رضي الله عنه، عن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال: (لَغَدْوَةٌ في سَبِيلِ اللَّهِ أو رَوْحَةٌ خَيْرٌ من الدُّنْيَا وما فيها)(صحيح البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب الغدوة والروحة في سبيل الله...)
وقفت الحلقة السابقة عند صورة من صور الرباط المشروع، ذي الفضل والقيمة عند الله تعالى، والمتمثلة في انتظار الصلاة بعد الصلاة، حسب قوله صلى الله عليه وسلم، عنها: (فَذَلِكُم الرِّبَاطُ، فَذَلِكُم الرِّبَاطُ) أي الرباط المرغب فيه، وأصله الحبس على الشيء، كأنه حبس نفسه على هذه الطاعة، وقيل: ويحتمل أنه أفضل الرباط، كما قيل الجهاد جهاد النفس، ويحتمل أنه الرباط المتيسر الممكن، أي أنه من أنواع الرباط.
وقوله صلى الله عليه وسلم: (فذلكم الرباط) يحتمل أن يريد تفضيل هذا الرباط على غيره من الرباط في الثغور، وتكرار عبارة: (فذلكم الرباط) ثلاثاً على معنى التعظيم لشأنه، أو الإبهام، أو غير ذلك، وقيل: أراد أن ثوابه كثواب الرباط.

ما عليها وما فيها
حديث أنس المثبت نصه أعلاه، يؤكد ما جاء في حديث سهل بن سعد سالف الذكر، بشأن فضل الغدوة والروحة في سبيل الله، وأنهما خَيْرٌ من الدُّنْيَا وما فيها، مع وجود فارق بسيط بين النصين، حيث ذكر في حديث سعد أنهما خير من الدنيا وما عليها، وفي حديث أنس ذكر أنهما خير من الدنيا وما فيها، يعلل الإمام العيني هذا الاختلاف، فيقول: قوله: (وما عليها) أي على الدنيا، وفائدة العدول عن قوله: (وما فيها) هو أن معنى الاستعلاء أعم من الظرفية، وأقوى، فقصده زيادة المبالغة.(عمدة القاري:14/176)

الغدوة والروحة
ذكر القرآن الكريم الغدوة والروحة، فقال تعالى: {وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ...}(سبأ:12) أي كانت تسير به بالغداة مسيرة شهر، وبالعشي مسيرة شهر.(التسهيل لعلوم التنزيل:3/147)
فالله سخر لسليمان، عليه السلام، الريح تجري بأمره وتحمله، وتحمل ما معه جميعاً، وتقطع المسافة البعيدة جداً في مدة يسيرة، فتسير في اليوم مسيرة شهرين {غدوها شهر} أي أول النهار إلى الزوال، {ورواحها شهر} أي الزوال إلى آخر النهار.(تفسير السعدي:1/676)
قال الحافظ: الغدوة المرة الواحدة من الغدو، وهو الخروج في أي وقت كان من أول النهار إلى انتصافه، والروحة المرة الواحدة من الرواح، وهو الخروج في أي وقت كان، من زوال الشمس إلى غروبها.(تحفة الأحوذي:5/235)
يقول النووي: (أو) هنا للتقسيم لا للشك، ومعناه أن الروحة يحصل بها هذا الثواب، وكذا الغدوة، والظاهر أنه لا يختص ذلك بالغدو والرواح من بلدته، بل يحصل هذا الثواب بكل غدوة أو روحة في طريقه إلى الغزو، وكذا غدوة وروحة في موضع القتال؛ لأن الجميع يسمى غدوة وروحة في سبيل الله، ومعنى هذا الحديث أن فضل الغدوة والروحة في سبيل الله وثوابهما خير من نعيم الدنيا كلها لو ملكها إنسان، وتصور تنعمه بها كلها؛ لأنه زائل، ونعيم الآخرة باق، قال القاضي: وقيل في معناه ومعنى نظائره من تمثيل أمور الآخرة وثوابها بأمور الدنيا، أنها خير من الدنيا وما فيها، لو ملكها إنسان، وملك ما فيها جميعه، وأنفقه في أمور الآخرة، قال: وليس تمثيل الباقي بالفاني على ظاهر إطلاقه، والله أعلم.( صحيح مسلم بشرح النووي: 13/26- 27)

التذكير بفضل منازل الآخرة وثوابها في سياق الحديث عن منازل الشهداء
عن أَنَسٍ، (أَنَّ أُمَّ حَارِثَةَ أَتَتْ رَسُولَ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم- وقد هَلَكَ حَارِثَةُ يوم بَدْرٍ، أَصَابَهُ غَرْبُ سَهْمٍ- فقالت: يا رَسُولَ اللَّهِ، قد عَلِمْتَ مَوْقِعَ حَارِثَةَ من قَلْبِي، فَإِنْ كان في الْجَنَّةِ لم أَبْكِ عليه، وَإِلَّا سَوْفَ تَرَى ما أَصْنَعُ، فقال لها: هَبِلْتِ؟! أَجَنَّةٌ وَاحِدَةٌ هِيَ؟!! إِنَّهَا جِنَانٌ كَثِيرَةٌ، وَإِنَّهُ في الْفِرْدَوْسِ الأعلى، وقال: غَدْوَةٌ في سَبِيلِ اللَّهِ، أو رَوْحَةٌ خَيْرٌ من الدُّنْيَا وما فيها، وَلَقَابُ قَوْسِ أَحَدِكُمْ أو مَوْضِعُ قَدَمٍ من الْجَنَّةِ، خَيْرٌ من الدُّنْيَا وما فيها، وَلَوْ أَنَّ امْرَأَةً من نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ اطَّلَعَتْ إلى الأرض لَأَضَاءَتْ ما بَيْنَهُمَا، وَلَمَلَأَتْ ما بَيْنَهُمَا رِيحًا، وَلَنَصِيفُهَا - يَعْنِي الْخِمَارَ- خَيْرٌ من الدُّنْيَا وما فيها)(صحيح البخاري، كتاب الرقاق، باب صفة الجنة والنار)
فالرسول، صلى الله عليه وسلم، انتهز فرصة المناقشة التي دارت بينه وبين أم الشهيد حارثة، ليبين فضل الغدوة والروحة في سبيل الله، ومن جزاء من يستحقون الجنة نساؤها، فالمرأة منهن لو اطلعت إلى الأرض لأضاءت ما بينهما، جاء في عمدة القاري، أن قوله: (ريحاً) أي ريحاً طيبة، وفي رواية سعيد بن عامر لملأت الأرض ريح مسك، وقوله: (ولنصيفها) اللام فيه للتأكيد، والنصيف هو الخمار، وعن الأزهري: النصيف أيضاً يقال للخادم.(عمدة القاري:23/128)، وإذا كان لنصيف المرأة من نساء الجنة هذا الفضل الذي يفوق خير الدنيا وما فيها، فكيف بالجنة نفسها وما فيها من نعيم واسع؟!(تحفة الأحوذي:5/236)
سائلين الله العلي القدير أن يوفقنا للرباط في سبيله على الوجه الذي يرضيه سبحانه، وأن يحفظ المرابطين وبخاصة في المسجد الأقصى المبارك، وأن ييسر جل شأنه في الحلقة القادمة متابعة الحديث عن مزيد من الأمور التي تفوق في فضلها الدنيا وما عليها، حسب المبين في حديث النبي محمد، عليه الصلاة والسلام، وعلى آله الطاهرين، وأزواجه أمهات المؤمنين، وأصحابه الغر الميامين، وعلى من تبعه بإحسان إلى يوم الدين.
26 شوال 1443هـ

تاريخ النشر 2022-05-27
 دار الإفتاء الفلسطينية - القدس