.:: الرسول الأسوة صلى الله عليه وسلم ::.

يبين أموراً تفضل الدنيا وما عليها - الحلقة الثانية

==========================================================

عن أبي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، قال: (ألا أَدُلُّكُمْ على ما يَمْحُو الله بِهِ الْخَطَايَا، وَيَرْفَعُ بِهِ الدَّرَجَاتِ؟ قالوا: بَلَى يا رَسُولَ اللَّهِ، قال: إِسْبَاغُ الْوُضُوءِ على الْمَكَارِهِ، وَكَثْرَةُ الْخُطَا إلى الْمَسَاجِدِ، وَانْتِظَارُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصَّلَاةِ، فَذَلِكُم الرِّبَاطُ)(صحيح مسلم، كتاب الطهارة، باب فضل إسباغ الوضوء على المكاره)
وقفت الحلقة السابقة عند حديث سَهْلِ بن سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ، رضي الله عنه، عن رَسُولِ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، الذي أخبر فيه عن ثلاثة أمور يعدل كل منها الدنيا وما عليها، وهي: في الرباط في سبيل الله، وَمَوْضِعُ السَوْطِ من الْجَنَّةِ، وَالرَّوْحَةُ يَرُوحُهَا الْعَبْدُ في سَبِيلِ اللَّهِ أو الْغَدْوَةُ، وتم بيان معنى الرباط في سبيل الله، الذي يعني ملازمة ثغر العدو، والله سبحانه ختم سورة آل عمران بأمر المؤمنين بالصبر والمصابرة والرباط والتقوى، وفي سورة الأنفال أمر سبحانه بالإعداد للقاء الأعداء، ومحاربتهم وصد عدوانهم، ومن ضمن الإعداد المطلوب لهذه الغاية رباط الخيل، وبلغت إشادة النبي، صلى الله عليه وسلم، بالرباط في سبيل الله، أن فضل اليوم به على الدنيا وما عليها، وهو خَيْرٌ من صِيَامِ شَهْرٍ وَقِيَامِهِ، وَإِنْ مَاتَ المرابط جَرَى عليه عَمَلُهُ الذي كان يَعْمَلُهُ، وأجرى عليه رِزْقُهُ، وَأَمِنَ الْفَتَّانَ، والرباط أفضل الأعمال التي يبقى ثوابها بعد الموت.

انتظار الصلاة بعد الصلاة رباط
من صور الرباط المشروعة ذات الفضل والقيمة عند الله تعالى، انتظار الصلاة بعد الصلاة، حسب المبين في حديث أبي هُرَيْرَةَ، المثبت نصه أعلاه، وفي رواية كررت عبارة: (فَذَلِكُمْ الرِّبَاطُ، فَذَلِكُمْ الرِّبَاطُ)
وبالنسبة إلى معاني الألفاظ والعبارات المتضمنة في الحديث أعلاه، يذكر النووي عن القاضي عياض أن محو الخطايا كناية عن غفرانها، قال: ويحتمل محوها من كتاب الحفظة، ويكون دليلاً على غفرانها، ورفع الدرجات إعلاء المنازل في الجنة، وإسباغ الوضوء تمامه، والمكاره تكون بشدة البرد، وألم الجسم، ونحو ذلك، وكثرة الخطا تكون ببعد الدار، وكثرة التكرار.
وقوله: (فذلكم الرباط) أي الرباط المرغب فيه، وأصل الرباط الحبس على الشيء، كأنه حبس نفسه على هذه الطاعة، قيل: ويحتمل أنه أفضل الرباط، كما قيل الجهاد جهاد النفس، ويحتمل أنه الرباط المتيسر الممكن، أي أنه من أنواع الرباط.(صحيح مسلم بشرح النووي:3/141)
وفيما يتعلق بانتظار الصلاة بعد الصلاة، جاء في شرح الزرقاني، قول المظهري: أي إذا صلى بالجماعة ينتظر صلاة أخرى، يتعلق ذكره لها، إما بأن يجلس في المسجد ينتظرها، أو يكون في بيته، أو يشتغل بكسبه، وقلبه متعلق بها، ينتظر حضورها، فكل ذلك داخل في هذا الحكم، ويؤيده حديث (ورجل قلبه معلق بالمسجد، إذا خرج منه حتى يعود إليه).(شرح الزرقاني:1/462-463)

المتعلق قلبه في المساجد
الإشادة بالمتعلق قلبه في المسجد، وردت في حديث بيان السبعة الذين يظلهم الله بظله يوم لا ظل إلا ظله، فعن أبي هُرَيْرَةَ عن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال: (سَبْعَةٌ يُظِلُّهُم الله في ظِلِّهِ يوم لَا ظِلَّ إلا ظِلُّهُ، الْإِمَامُ الْعَادِلُ، وَشَابٌّ نَشَأَ في عِبَادَةِ رَبِّهِ، وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ في الْمَسَاجِدِ، وَرَجُلَانِ تَحَابَّا في اللَّهِ؛ اجْتَمَعَا عليه، وَتَفَرَّقَا عليه، وَرَجُلٌ طَلَبَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ، فقال: إني أَخَافُ اللَّهَ، وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ أَخْفَى حتى لَا تَعْلَمَ شِمَالُهُ ما تُنْفِقُ يَمِينُهُ، وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ)(صحيح البخاري، كتاب الأذان، أبواب صلاة الجماعة والإمامة، باب من جلس في المسجد ينتظر الصلاة...)
جاء في عمدة القاري، بيان الكرماني بالنسبة إلى حرف الجر (في) في قوله: (وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ في الْمَسَاجِدِ) أي بالمساجد، وحروف الجر بعضها يقوم مقام بعض، ومعناه شديد الحب لها، والملازمة للجماعة فيها، وشدة التعلق في المساجد ينال صاحبها هذا الفضل وإن كان خارجاً عنه، وتعلق قلبه بالمساجد كناية عن انتظاره أوقات الصلوات، فلا يصلي صلاة ويخرج منه إلّا وهو منتظر وقت صلاة أخرى، حتى يصلي فيه، وهذا يستلزم صلاته أيضا بالجماعة.(عمدة القاري:5/178)

تكرار التلفظ بـعبارة (فذلكم الرباط)
جاء في شرح الزرقاني أن ذكره: (فذلكم الرباط) ثلاثاً على معنى التعظيم لشأنه، أو الإبهام، أو غير ذلك، قاله الباجي، وقيل: أراد أن ثوابه كثواب الرباط.
وقال الطيبي في قوله: (فذلكم الرباط) أتي باسم الإشارة الدال على بعد منزلة المشار إليه، في مقام التعظيم، وإيقاع الرباط المحلى بلام الجنس، خبراً لاسم الإشارة، كما في قوله: {الم* ذلك الكتاب...}(البقرة:1-2)، إذ التعريف في الخبر للجنس، ولما أريد تقرير ذلك مزيد تقرير واهتمام بشأنه، كرره ثلاثاً، وتخصيصها بالثلاث لأن الأعمال المذكورة في الحديث ثلاث، وأتى باسم الإشارة إشارة إلى تعظيمه بالبعد.(شرح الزرقاني:1/463)
سائلين الله العلي القدير أن يوفقنا للرباط في سبيله على الوجه الذي يرضيه سبحانه، وأن يحفظ المرابطين وبخاصة في المسجد الأقصى المبارك، وأن ييسر جل شأنه في الحلقة القادمة متابعة الحديث عن الرباط وفضله، والوقوف عند مزيد من الأمور التي تفوق في فضلها الدنيا وما عليها، حسب المبين في حديث النبي محمد، عليه الصلاة والسلام، وعلى آله الطاهرين، وأزواجه أمهات المؤمنين، وأصحابه الغر الميامين، وعلى من تبعه بإحسان إلى يوم الدين.
19 شوال 1443هـ

تاريخ النشر 2022-05-20
 دار الإفتاء الفلسطينية - القدس