.:: الرسول الأسوة صلى الله عليه وسلم ::.

يبين أموراً تفضل الدنيا وما عليها - الحلقة الأولى

==========================================================

عن سَهْلِ بن سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ، رضي الله عنه، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، قال: (رِبَاطُ يَوْمٍ في سَبِيلِ اللَّهِ خَيْرٌ من الدُّنْيَا وما عليها، وَمَوْضِعُ سَوْطِ أَحَدِكُمْ من الْجَنَّةِ، خَيْرٌ من الدُّنْيَا وما عليها، وَالرَّوْحَةُ يَرُوحُهَا الْعَبْدُ في سَبِيلِ اللَّهِ أو الْغَدْوَةُ، خَيْرٌ من الدُّنْيَا وما عليها) (صحيح البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب فضل رباط يوم في سبيل الله)
يبين الرسول، صلى الله عليه وسلم، في حديثه الشريف هذا ثلاثة أمور، يفوق فضل كل منها الدنيا وما عليها، أولها:

الرباط في سبيل الله
الرباط من ربط الشيء يربطه، ويربطه ربطاً، فهو مربوط وربيط شده، والرباط ما رُبِطَ به، والجمع رُبُط، والرباط والمرابطة ملازمة ثغر العدو، وأصله أن يربط كل واحد من الفريقين خيله، ثم صار لزوم الثغر رباطاً، وربما سميت الخيل أنفسها رباطاً، والرباط المواظبة على الأمر. (لسان العرب: 6/82)
ختم الله سبحانه سورة آل عمران بأمر المؤمنين بالصبر والمصابرة والرباط والتقوى، فقال عز وجل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} (آل عمران:200)
يقول الرازي في التفسير الكبير: واعلم أن الإنسان، وإن تكلف الصبر والمصابرة، إلا أن فيه أخلاقاً ذميمة تحمل على أضدادها، وهي: الشهوة، والغضب، والحرص، والإنسان ما لم يكن مشتغلاً طول عمره بمجاهدتها، وقهرها، لا يمكنه الإتيان بالصبر والمصابرة، فلهذا قال: {وَرَابِطُوا} ولما كانت هذه المجاهدة فعلاً من الأفعال، ولا بدَّ للإنسان في كل فعل يفعله من داعية وغرض، وجب أن يكون للإنسان في هذه المجاهدة غرض وباعث، وذلك هو تقوى الله، لنيل الفلاح والنجاح، فلهذا قال: {وَاتَّقُواْ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} (التفسير الكبير، 9/126)
وفي سورة الأنفال أمر سبحانه بالإعداد للقاء الأعداء، ومحاربتهم وصد عدوانهم، ومن ضمن الإعداد المطلوب لهذه الغاية رباط الخيل، فقال جل شأنه: {وَأَعِدُّواْ لَهُم ما اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ} (الأنفال:60)
يبين الزمخشري أن معنى القوة في هذه الآية الكريمة، كل ما يتقوى به في الحرب، من عُدِدِها، واستشهد بحديث عُقْبَة بن عَامِر، حيث قال: سمعت رَسُولَ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، وهو على الْمِنْبَرِ يقول: {وَأَعِدُّوا لهم ما اسْتَطَعْتُمْ من قُوَّةٍ} ألا إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ، ألا إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ، ألا إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ) (صحيح مسلم، كتاب الإمارة، باب فضل الرمي والحث عليه وذم من علمه ثم نسيه)، ومات عقبة عن سبعين قوساً في سبيل الله، وعن عكرمة هي الحصون، والرباط اسم للخيل التي تربط في سبيل الله، ويجوز أن يسمى بالرباط الذي هو بمعنى المرابطة، ويجوز أن يكون جمع ربيط، كفصيل وفصال، وقرأ الحسن: {ومن ربط الخيل} بضم الباء وسكونها، جمع رباط، ويجوز أن يكون قوله: {وَمِن رّبَاطِ الْخَيْلِ} تخصيصاً للخيل من بين ما يتقوى به، كقوله: {وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ} (البقرة: 98)، وعن ابن سيرين، رحمه الله، أنه سئل عمن أوصى بثلث ماله في الحصون؟ فقال: يشتري به الخيل، فترابط في سبيل الله، ويغزي عليها، فقيل له: إنما أوصى في الحصون، فقال: ألم تسمع قول الشاعر أَنَّ الْحُصُونَ الْخَيْلُ لاَ مَدَرُ الْقُرَى. (الكشاف 2/220)

فضل الرباط في سبيل الله
بلغت إشادة النبي، صلى الله عليه وسلم، بالرباط في سبيل الله، أن فضل يومه على الدنيا وما عليها، وفي روايات أخرى فضله عن صيام شهر وقيامه، فعن سَلْمَانَ، قال: (سمعت رَسُولَ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، يقول: رِبَاطُ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، خَيْرٌ من صِيَامِ شَهْرٍ وَقِيَامِهِ، وَإِنْ مَاتَ جَرَى عليه عَمَلُهُ الذي كان يَعْمَلُهُ، وأجري عليه رِزْقُهُ، وَأَمِنَ الْفَتَّانَ) (صحيح مسلم، كتاب الإمارة، باب فضل الرباط في سبيل الله عز وجل)
جاء في تفسير القرطبي: أن الرباط أفضل الأعمال التي يبقى ثوابها بعد الموت، وقارن القرطبي بين الرباط في سبيل الله، وبين الأعمال التي تبقى للعبد بعد مماته، وهي كما جاء في حديث أبي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، قال: (إذا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عنه عَمَلُهُ، إلا من ثَلَاثَةٍ: إلا من صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أو عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أو وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو له) (صحيح مسلم، كتاب الوصية، باب ما يلحق الإنسان من الثواب بعد وفاته)
فقال القرطبي: إن الصدقة الجارية، والعلم المنتفع به، والولد الصالح يدعو لأبويه، ينقطع ذلك بنفاد الصدقات، وذهاب العلم، وموت الولد، والرباط يضاعف أجره إلى يوم القيامة؛ لأنه لا معنى للنماء إلا المضاعفة، وهي غير موقوفة على سبب، فتنقطع بانقطاعه، بل هي فضل دائم من الله تعالى إلى يوم القيامة، وهذا لأن أعمال البر كلها لا يتمكن منها إلا بالسلامة من العدو، والتحرز منه بحراسة بيضة الدين، وإقامة شعائر الإسلام، وهذا العمل الذي يجري عليه ثوابه هو ما كان يعمله من الأعمال الصالحة. (تفسير القرطبي، 4/325)
سائلين الله العلي القدير أن يوفقنا للرباط في سبيله على الوجه الذي يرضيه سبحانه، وأن يحفظ المرابطين وبخاصة في المسجد الأقصى المبارك، وأن ييسر جل شأنه في الحلقة القادمة متابعة الحديث عن الرباط وفضله، والوقوف عند مزيد من الأمور التي يفوق فضلها الدنيا وما عليها، حسب المبين في حديث النبي محمد، عليه الصلاة والسلام، وعلى آله الطاهرين، وأزواجه أمهات المؤمنين، وأصحابه الغر الميامين، وعلى من تبعه بإحسان إلى يوم الدين.
12 شوال 1443هـ

تاريخ النشر 2022-05-13
 دار الإفتاء الفلسطينية - القدس