عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ، صلى الله عليه وسلم، أَنَّهَا قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، يَقُولُ: «لَوْلاَ أَنَّ قَوْمَكِ حَدِيثُو عَهْدٍ بِجَاهِلِيَّةٍ -أَوْ قَالَ بِكُفْرٍ- لأَنْفَقْتُ كَنْزَ الْكَعْبَةِ في سَبِيلِ اللَّهِ، وَلَجَعَلْتُ بَابَهَا بِالأَرْضِ، وَلأَدْخَلْتُ فِيهَا مِنَ الْحِجْرِ» (صحيح مسلم، كتاب الحج، باب نقض الكعبة وبنائها)
تعرضت الحلقة السابقة لبدء العام الهجري الجديد 1448هـ، مع الإشارة إلى أن الهجرة من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة، كانت بعد أن وجدت ظروف مواتية لها على إثر ما لقيه المسلمون في مهد البعثة النبوية من عداء صعب، هدد وجودهم واستمرار دعوتهم، فكان لا مناص عن البحث عن أرض تحتضنهم، ويأمنوا فيها على أنفسهم ودينهم، واستقر الأمر في نهاية المطاف باختيار المدينة المنورة مأوى للمسلمين ودعوتهم، واستمرت الهجرة قائمة حتى فتحت مكة من قبل المسلمين.
ثم تغيرت الظروف بعد فتح مكة المكرمة، وتغيرت الموازين والمعايير تبعاً لذلك، وتغيرت بعض الأحكام بأدلة جديدة، ومن ضمن ذلك توقف مسار الهجرة، مصداقاً لقوله، صلى الله عليه وسلم: "لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ، وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ، وَإِذَا اسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا" (صحيح البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب وجوب النفير، وما يجب من الجهاد والنية). وعلى هامش هذا الحديث تمت الإشارة إلى الدعوات المشبوهة للهجرة من فلسطين، التي باتت تطرح بين الحين والآخر لأسباب مختلفة، وفي ظروف مختلفة أيضاً، خاصة في أواخر أيام الحرب على غزة، حيث كانت هناك مطالبة بتهجير أهل غزة إلى الخارج، والتهجير القسري من ديار المهجرين ظلم قديم حديث، اعتاد الظالمون على فرض مثله على بعض المستضعفين في الأرض، والتهجير الذي يجري العمل اليوم على فرضه على الفلسطينيين أفراداً وجماعات، هو سنة الظالمين وديدنهم وغطرستهم واستقوائهم، وفي هذا السياق أبيح السفر المؤقت من فلسطين لغايات محددة كالعمل أو الدراسة، بشرط توفر نية العودة الأكيدة للإقامة في الأرض المباركة. بخلاف الهجرة الدائمة عن فلسطين، فهي محرمة، إذ الواجب الشرعي والوطني يحتم على الفلسطينيين الرباط في ديارهم، وعدم تركها لقمة سائغة للمحتلين والغزاة، وفتوى تحريم الهجرة الدائمة من فلسطين كثابت شرعي ووطني، تستند إلى أدلة دامغة من الشرع الحنيف، وتدبر حاذق بمآلات الأمور وعواقب الأفعال، من منظار شرعي واضح.
درء المفاسد أولى من جلب المصالح
بفتوى تحريم الهجرة الدائمة من فلسطين، يغلق باب شر كبير، والقاعدة الفقهية تنص على: "أن درء المفاسد أولى من جلب المصالح والمفاسد"، ومن الأدلة الشرعية المساندة لهذه القاعدة الفقهية، حديث عائشة، رضي الله عنها، المثبت نصه أعلاه، وقد جاء في أصول الفقه على منهج أهل الحديث، أن النبي، صلى الله عليه وسلم، ترك ما فيه مصلحة حتى لا تحصل مفسدة بسبب تلك المصلحة، قال ابن القيم: وإذا تأملت شرائع دينه التي وضعها بين عباده وجدتها لا تخرج عن تحصيل المصلحة الخالصة أو الراجحة، بحسب الإمكان، وإن تزاحمت قدم أهمها وأجلها، وإن فاتت أدناها، وتعطيل المفاسد الخالصة أو الراجحة بحسب الإمكان، عطل أعظمها فساداً باحتمال أدناهما، وعلى هذا وضع أحكم الحاكمين شرائع دينه، وهي دالة عليه، شاهدة له بكمال علمه وحكمته، ولطفه بعباده، وإحسانه إليهم. (أصول الفقه على منهج أهل الحديث، ص136)
ويوضح معنى هذه القاعدة الفقهية، فيقول: فإذا تعارضت مفسدة ومصلحة، قدم دفع المفسدة غالباً، لأن اعتناء الشارع بالمنهيات أشد من اعتنائه بالمأمورات، كما في الحديث الذي رواه البخاري في صحيحه: "...فَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَاجْتَنِبُوهُ، وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ". ( صحيح البخاري، كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب الاقتداء بسنن رسول الله، صلى الله عليه وسلم) (إيضاح القواعد الفقهية لطلاب المدرسة الصولتية للحجي، ص45، بتصرف)
وعند تطبيق هذه القاعدة الفقهية على مسألة الهجرة الدائمة من فلسطين، يظهر أن الأخذ بالتحريم مقدم على الإباحة، كون حجم الضرر الناتج عنها أكبر، فضرر الهجرة الدائمة يؤدي إلى إفراغ فلسطين من أهلها الشرعيين، أو تقليل عددهم فيها، مما يتيح المجال واسعاً ليحل فيها المحتلون مكانهم فيها، وتلك غاية يفقهها المحتلون وأعوانهم جيداً، ويخططون لتنفيذها على أرض الواقع بالترغيب والترهيب، ويلجأون إلى شتى السبل والوسائل في هذا الإطار، ليس انطلاقاً من لهو أو تجارب عشوائية، وإنما يستندون إلى مخططات مدروسة، ويعملون على تجنيد الطاقات والقوى الضاغطة لتنفيذ هذه المخططات المسمومة.
تقديم المصلحة العامة على الخاصة عند تعارضهما
الحكم الفقهي العام يقضي بتقديم المصلحة العامة على الخاصة عند تعارضهما وتعذر الجمع والتوفيق بينهما، ذكر الزركشي عند حديثه عن قاعدة تعارض المفسدتين، قول ابن عبد السلام: أجمعوا على دفع العظمى في ارتكاب الدنيا. وقال ابن دقيق العيد: من القواعد الكلية أن تدرأ أعظم المفسدتين باحتمال أيسرهما إذا تعين وقوع إحداهما، بدليل حديث بول الأعرابي في المسجد، لما نهاهم النبي، صلى الله عليه وسلم، عن زجره، وأن يحصل أعظم المصلحتين بترك أخفهما إذا تعين عدم إحداهما.
وقال الشيخ عز الدين إذا تعارضت مصلحتان حصلت العليا منهما بتفويت الدنيا. (المنثور في القواعد، 1 /349)
ويشهد لتقديم المصلحة العامة للأمة على الخاصة أدلة عديدة، منها "أن النَّبِيَّ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، بعد صلح الحديبية رَجَعَ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَجَاءَه أَبُو بَصِيرٍ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ وَهُوَ مُسْلِمٌ، فَأَرْسَلُوا فِي طَلَبِهِ رَجُلَيْنِ، فَقَالُوا: الْعَهْدَ الَّذِي جَعَلْتَ لَنَا، فَدَفَعَهُ إِلَى الرَّجُلَيْنِ...". (صحيح البخاري، كتاب الشروط في الجهاد والمصالحة مع أهل الحرب وكتابة الشروط)
وفي نهاية المطاف جعل الله لأبي بصير وأمثاله كأبي جندل مخرجاً من هذا الضيق، والمؤمن يلتزم تقوى الله في شدته ورخائه، موقناً بأن فرج الله قريب، مصداقاً لوعده سبحانه: {...وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً} (الطلاق:2) من هنا يلجأ الذي يتقي الله إلى الصبر، ولا يرضخ للدروب المحرمة والآثمة، مهما بلغ به الابتلاء، وتصعبت المحن.
وبناء على هذا فإن تعارض مصالح الدين والوطن وعموم المسلمين، مع مصالح بعضهم في مسألة التهجير عن أرض الوطن، يقتضي ترجيح المنع العام من الرضوخ لهذا الشرط، حماية لمصلحة عامة، على الرغم من تضرر بعض الأفراد من هذا الترجيح.
"ولكن جهاد ونية"
يبين العيني أن معنى: "لَا هِجْرَةَ وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ" أن تحصيل الخير بسبب الهجرة قد انقطع بفتح مكة، ولكن حصلوه في الجهاد ونية صالحة، وفيه الحث على نية الخير مطلقاً، وإنه يثاب على النية. (عمدة القاري شرح صحيح البخاري، 2 /342)، ويبين ابن حجر أَنَّ وُجُوب الْهِجْرَة مِنْ مَكَّة اِنْقَطَعَ بِفَتْحِهَا، إِذْ صَارَتْ دَارَ إِسْلَام، وَلَكِنْ بَقِيَ وُجُوب الْجِهَاد عَلَى حَاله عِنْد الِاحْتِيَاج إِلَيْهِ، وَفَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ: {فَإِذَا اُسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا} أَيْ إِذَا دُعِيتُمْ إِلَى الْغَزْو فَأَجِيبُوا. (فتح الباري، 6 /55)
وهذا الاستدراك يقتضي مخالفة حكم ما بعده لما قبله، والمعنى أن الهجرة التي هي مفارقة الوطن التي كانت مطلوبة على الأعيان إلى المدينة انقطعت، إلا أن المفارقة بسبب الجهاد باقية. (تحفة الأحوذي، 5 /178)
ويبين النووي أن العلماء قالوا: الهجرة من دار الحرب إلى دار الإسلام باقية إلى يوم القيامة، وفي تأويل هذا الحديث قولان: أحدهما: لا هجرة بعد الفتح من مكة، لأنها صارت دار إسلام، وإنما تكون الهجرة من دار الحرب، وهذا يتضمن معجزة لرسول الله، صلى الله عليه وسلم، بأنها تبقى دار الإسلام، لا يتصور منها الهجرة، والثاني: معناه لا هجرة بعد الفتح فضلها كفضلها قبل الفتح، كما قال الله تعالى: {...لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلّاً وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} (الحديد:10)
وأما قوله، صلى الله عليه وسلم: "ولكن جهاد ونية" فمعناه ولكن لكم طريق إلى تحصيل الفضائل التي في معنى الهجرة، وذلك بالجهاد ونية الخير في كل شيء. (شرح النووي على مسلم، 9 /123)
التحذير من الرضوخ للتهجير الظالم من الديار والبلاد أو التهاون باستباحة ذلك
في الختام ينبغي مواصلة تأكيد التشديد على التحذير من الرضوخ للتهجير الظالم من الديار والبلاد، فالخطب جلل، والعواقب جد وخيمة، وليس من المقبول اختزال المسألة بردود تهاونية سطحية النظر، ضيقة الأفق، وقاعدة: "الضرورات تبيح المحظورات" تبعد عن قبول الاستناد إليها لتبرير إباحة الهجرة الدائمة من فلسطين بُعد السماء عن الأرض، إذ من المعلوم أن الضرورة التي تبيح المحظور يعرفها الأصوليون أنها: ما لا تستقيم الحياة إلا بها. والفقهاء عرّفوا الضرورة بأنها: ما تلجئ المكلَّف إلى إتيان المحظور حفاظاً على الضرورات الخمس حتى تستقيم حياته، وهذه الضرورات هي: حِفْظ الدين، والعقل، والنفس والنسل، والمال، بحيث إذا فُقِدَت لم تَجْرِ مصالح الدنيا على استقامة، بل على فساد وتَهارُج وفوت حياة، وفي الأخرى فوت النجاة والنعيم والرجوع بالخسران المبين. والضرورة ترخص ما كان مُحَرَّماً على المضطر قبل حالة الاضطرار، وأحكامها مفصَّلة في كتب الفقه والقواعد الفقهية تحت قاعدة: (الضرورات تبيح المحظورات). (إبهاج العقول في علم الأصول ص179، بتصرف)
ومن ضوابط الضرورة التي تبيح المحظور أن يطرأ على الإنسان حالة من الخطر أو المشقة الشديدة التي لا يحتملها جنس بني آدم. (الخير المأمول، ص20)
وتُعرف الضرورة بأنها: ما يلحق العبد ضرر بتركه؛ بحيث لا يقوم غيره مقامه، بخلاف الحاجة فإن الحاجة هي ما يلحق المكلَّف ضرر بتركه، لكنه قد يقوم غيره مقامه.
ومن أمثلتها تهديد المرء بأنه سيُقتل إن لم يَقتل، قيل له: أقتل غيرك، وإلا قتلناك. (نظم القواعد الفقهية، ص59-60)
سائلين الله العلي القدير أن يهدينا سواء السبيل، وأن يحفظنا وديننا ووطنا وأمتنا من كل شر وضلال، وأن يثبتنا على الحق وعلى التمسك بأرضنا ومقدساتنا، دون أن نزل أو نطغى أو نشقى، لننال رضا الله وشفاعة نبينا العدنان، صلى الله عليه وسلم، وعلى آل بيته الطاهرين، وأزواجه أمهات المؤمنين، وأصحابه الغر الميامين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
11 محرم 1448هـ