.:: الرسول الأسوة صلى الله عليه وسلم ::.

يحذر من اقتراف جرائم القتل - الحلقة الثانية

==========================================================

عن جَرِيرٍ، أَنَّ النبي، صلى الله عليه وسلم، قال له في حَجَّةِ الْوَدَاعِ: (اسْتَنْصِت الناس، فقال: لَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ)(صحيح البخاري، كتاب العلم، باب الإنصات للعلماء)
تم في الحلقة السابقة التحذير من اقتراف جرائم القتل، التي تزهق بها أرواح بريئة، وتسفك بها دماء أمر الله بحفظها وصونها، والله تعالى بكّت الذين يقتلون النفس بغير حق، بتضخيم حجم جنايتهم، وكأن مقترفها قتل الناس جميعاً، فقتل النفس على إطلاقها بغير حق يساوي قتل الناس جميعاً.
وإحياء النفس يعادل إحياء الناس جميعاً، وذلك بتخليصها من المهلكات؛ مثل الحرق والغرق، ومن فوائد تعظيم قتل النفس وإحيائها في القلوب: ليشمئز الناس عن الجسارة عليها، ويتراغبوا في المحاماة على حرمتها.
ومعنى أن المؤمن لا يَزَالَ في فُسْحَةٍ من دِينِهِ، ما لم يُصِبْ دَمًا حَرَامًا؛ أي يبقى في سعة منشرح الصدر، وإذا قتل نفساً بغير حق صار منحصراً ضيقاً، لما أوعد الله عليه ما لم يوعد على غيره، فأي ذنب وقع كان له في الدين والشرع مخرج، إلا القتل فإن أمره صعب.

التحذير من الاقتتال
في حديث جَرِيرٍ أعلاه يأمره النبي، صلى الله عليه وسلم، باستنصات الناس في حَجَّةِ الْوَدَاعِ لأمر مهم سيلقيه على سمعهم، ليعقلوه، ويلتزموا بتنفيذه، فيقول لجمهور السامعين المستنصتين، ولمن سيأتي من بعدهم من المسلمين: (لَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ) فقتل المسلم للمسلم سواء على المستوى الفردي، أم الجماعي من خلال تناحر الفرق والفئات، مؤاده إلى تبوأ أسوأ مبوأ، إذ الرجوع إلى الكفر تقهقر للردى، يربأ المسلم بنفسه عنه، لكن بعض المسلمين يبدو أن هذا التحذير لم يجد لديهم الصدى الشرعي المطلوب، بدليل استسهالهم قتل إخوانهم، والاقتتال معهم، في حروب يرعاها الشيطان، ويؤجج نارها الأشرار، وقد تخللت حجة الوداع خطبة للرسول، صلى الله عليه وسلم، نبه فيها إلى عظم حرمة الدماء، حيث شبه حرمتها بحرمة يوم النحر، وشهر ذي الحجة الحرام، والبلد الحرام مكة المكرمة، وعن ابن عَبَّاسٍ، رضي الله عنهما: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، خَطَبَ الناس يوم النَّحْرِ، فقال: يا أَيُّهَا الناس، أَيُّ يَوْمٍ هذا؟ قالوا: يَوْمٌ حَرَامٌ، قال: فَأَيُّ بَلَدٍ هذا؟ قالوا: بَلَدٌ حَرَامٌ، قال: فَأَيُّ شَهْرٍ هذا؟ قالوا: شَهْرٌ حَرَامٌ، قال: فإن دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هذا، في بَلَدِكُمْ هذا، في شَهْرِكُمْ هذا، فَأَعَادَهَا مِرَارًا، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ، فقال: اللهم هل بَلَّغْتُ؟ اللهم هل بَلَّغْتُ؟ قال ابن عَبَّاسٍ، رضي الله عنهما: فَوَالَّذِي نَفْسِي بيده إِنَّهَا لَوَصِيَّتُهُ إلى أُمَّتِهِ، فَلْيُبْلِغْ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ، لَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا، يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ) (صحيح البخاري، كتاب الحج، باب الخطبة أيام منى)

القاتل والمقتول في النار
من أشد المنفرات من الاقتتال إضافة إلى تحذير أطرافه من الرجوع إلى الكفر والضلال، حسب ما جاء في خطبة الوداع، بيان أن مصير المقتتلين سيكون النار، فعن الْأَحْنَفِ بن قَيْسٍ، قال: (ذَهَبْتُ لِأَنْصُرَ هذا الرَّجُلَ، فَلَقِيَنِي أبو بَكْرَةَ، فقال: أَيْنَ تُرِيدُ؟ قلت: أَنْصُرُ هذا الرَّجُلَ، قال: ارْجِعْ، فَإِنِّي سمعت رَسُولَ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، يقول: إذا الْتَقَى الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا، فَالْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ في النَّارِ، فقلت: يا رَسُولَ اللَّهِ، هذا الْقَاتِلُ، فما بَالُ الْمَقْتُولِ؟! قال: إنه كان حَرِيصًا على قَتْلِ صَاحِبِهِ) (صحيح البخاري، كتاب الإيمان، باب{وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما)
وفي رواية صحيحة عن الْحَسَنِ، قال: (خَرَجْتُ بِسِلَاحِي لَيَالِيَ الْفِتْنَةِ، فَاسْتَقْبَلَنِي أبو بَكْرَةَ، فقال: أَيْنَ تُرِيدُ؟ قلت: أُرِيدُ نُصْرَةَ ابن عَمِّ رسول اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، قال: قال رسول اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم: إذا تَوَاجَهَ الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا، فَكِلَاهُمَا من أَهْلِ النَّارِ، قِيلَ: فَهَذَا الْقَاتِلُ، فما بَالُ الْمَقْتُولِ؟! قال: إنه أَرَادَ قَتْلَ صَاحِبِهِ) (صحيح البخاري، كتاب الفتن، باب إذا التقى المسلمان بسيفيهما)
جاء في عون المعبود، عن القسطلاني في شرح المراد بالتقاء المسلميْنِ بسيفيهما أي ضرب كل واحد منهما وجه الآخر؛ أي ذاته، فالقاتل والمقتول في النار ؛ أي يستحقانه وقد يعفو الله عنهما، أو ذلك محمول على من استحل ذلك، (هذا القاتل)؛ أي يستحق النار، (فما بال المقتول؟)؛ أي فما ذنبه حتى يدخلها؟ إنه أراد قتل صاحبه، وفي رواية البخاري، إنه كان حريصاً على قتل صاحبه.
قال القسطلاني: وبه استدل من قال بالمؤاخذة بالعزم، وإن لم يقع الفعل، وأجاب من لم يقل بذلك أن في هذا فعلاً وهو المواجهة بالسلاح، ووقوع القتال، ولا يلزم من كون القاتل والمقتول في النار أن يكونا في مرتبة واحدة، فالقاتل يعذب على القتال، وعلى أنه قاتل، والمقتول يعذب على القتال فقط، فلم يقع التعذيب على العزم المجرد؟ (عون المعبود، 11/235)
فهذه وقفات أخرى عند ما تيسر ذكره من المنفرات الواضحة والمسندة بالدليل الشرعي، من اقتراف جرائم القتل الظالم للنفس المصونة من الاستباحة وسفك الدم، عسى أن يكون في التذكير بها ذكرى وموعظة لكل من تسول له نفسه ارتكاب جرائم القتل، أو التشجيع عليها، أو المساهمة في التخطيط لها وتنفيذها، آملين متابعة الوقوف عند مزيد من هذه الوقفات، المستنتجة من هدي القرآن الكريم، وحديث خاتم النبيين والمرسلين محمد، صلى الله عليه وسلم، وعلى آله الطاهرين، وأزواجه أمهات المؤمنين، وأصحابه الغر الميامين، ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين.
4 محرم 1443هـ

تاريخ النشر 2021-08-13
 دار الإفتاء الفلسطينية - القدس