.:: الرسول الأسوة صلى الله عليه وسلم ::.

يحذر من اقتراف جرائم القتل - الحلقة الخامسة

==========================================================

عن أبي هريرة، رضي الله عنه، أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال: (وَمَنْ قُتِلَ له قَتِيلٌ، فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ؛ إِمَّا أَنْ يُفْدَى، وَإِمَّا أَنْ يُقِيدَ...) (صحيح البخاري، كتاب في اللقطة، باب كيف تعرف لقطة أهل مكة)
ركزت الحلقة السابقة على فضل العفو والصفح عن القاتل، بادئة بحديث علقمة الذي بين أن ولي المقتول لما ذكر بحديث القاتل والمقتول في النار، عفا عنه، تحرزاً عن مصير المقتتلين، فمعاني العفو والصفح، وانتظار المثوبة من الله على التحلي بهما، تُحدث في نفوس الناس أثراً إيجابياً يدفع إلى التراحم، وإفشاء المحبة والسلام في أوساط المجتمع المسلم، إضافة إلى محاربة عقلية التعصب المقيت للعائلة أو القرابة، وممارسة الثأر المشؤوم، والذي في كثير من الأحوال يذهب ضحيته أبرياء لا ناقة لهم ولا جمل، فيما سلف من جرائم اقترفها أقارب لهم.

في القصاص حياة
وقفت الحلقة السابقة كذلك عند موقف الإسلام العادل والحكيم الخاص بالقصاص من القاتل، والذي يفضي إلى تضييق نطاقه، وإشفاء غليل أولياء الدم، فالله شرع القصاص من القاتل بضوابط تضمن تحقيق العدالة بصرامة وحزم، وبهذا يصدق قول: القتل أنفى للقتل، والله أشار إلى حكمة من حكم القصاص، إذ بين سبحانه أن فيه حياة، فهو يسهم في السيطرة على جرائم القتل، وحصرها في نطاق ضيق، دون أن يترك الناس للفلتان وثورة الدم والثأر على طريقة أهل الجاهلية، فقتل القاتل بالقصاص، يقطع دابر الاسترسال في القتل، ويقلل من عدد القتلى بسببه، وإلى جانب ذلك يحث الإسلام على التبرؤ من أحوال الجاهلية، التي من أركان ثقافتها التعصب للقبيلة والقرابة، ويحذر في هذا السياق من التعصب المقيت، ناهياً عنه بأشد تعبير، فوصف عليه الصلاة والسلام العصبية بأقذع وصف: خبيثة، ومُنْتِنَةٌ، ولن يخفى على متدبر ما تعنيه معاني الخبث والنتن في مجال التنفير والاستقذار، فالذي يرفضهما سيرفض العصبية، والذي يقع في حبالها وشَركها، سيقع في وحل الخبث والنتن شاء أم أبى، ومن أشد سلبيات هذا الوحل الدمار الذي سيلحق بالبيئة المحيطة، والكراهية والبغضاء التي ستحل محل المحبة المرغب في سيادتها البيئات المجتمعية المتجانسة بالإيمان.

ولي المقتول بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ
في حديث أبي هريرة، المثبت نصه أعلاه، تخيير لولي المقتول بين القصاص، أو العفو وأخذ الدية، حسب قوله صلى الله عليه وسلم : (إِمَّا أَنْ يُفْدَى، وَإِمَّا أَنْ يُقِيدَ...)
جاء في عمدة القاري أنهم اختلفوا فيه، وهو أن من قتل له قتيل عمداً، فوليه بالخيار بين أن يعفو، ويأخذ الدية، أو يقتص، رضي بذلك القاتل أو لم يرض، وهو مذهب سعيد بن المسيب، ومحمد بن سيرين، ومجاهد، والشعبي، والأوزاعي، وإليه ذهب الشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور، وقال ابن حزم: صح هذا عن ابن عباس، وروي عن عمر بن عبد العزيز، رضي الله تعالى عنهم، واحتجوا في ذلك بالحديث المذكور.
وقال إبراهيم النخعي، وعبد الله بن ذكوان، وسفيان الثوري، وعبد الله بن شبرمة، والحسن بن حيي، وأبو حنيفة، وأبو يوسف، ومحمد رحمهم الله: ليس لولي المقتول أن يأخذ الدية إلاَّ برضا القاتل، وليس له إلاَّ القود أو العفو، واحتج هؤلاء بما رواه البخاري، عن أَنَسٍ: (أَنَّ الرُّبَيِّعَ عَمَّتَهُ كَسَرَتْ ثَنِيَّةَ جَارِيَةٍ، فَطَلَبُوا إِلَيْهَا الْعَفْوَ فَأَبَوْا، فَعَرَضُوا الْأَرْشَ فَأَبَوْا، فَأَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، وَأَبَوْا إلا الْقِصَاصَ، فَأَمَرَ رسول اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، بِالْقِصَاصِ، فقال أَنَسُ بن النَّضْرِ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أَتُكْسَرُ ثَنِيَّةُ الرُّبَيِّعِ؟! لَا وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ، لَا تُكْسَرُ ثَنِيَّتُهَا، فقال رسول اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم: يا أَنَسُ؛ كِتَابُ اللَّهِ الْقِصَاصُ، فَرَضِيَ الْقَوْمُ فَعَفَوْا، فقال رسول اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم: إِنَّ من عِبَادِ اللَّهِ من لو أَقْسَمَ على اللَّهِ لَأَبَرَّهُ) (صحيح البخاري، كتاب تفسير القرآن، سورة البقرة، باب{ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى} (البقرة: 178})
فثبت بهذا الحديث، أن الذي يجب بكتاب الله، وسنة رسول الله، صلى الله عليه وسلم، في العمد هو القصاص؛ لأنه لو كان للمجني عليه الخيار بين القصاص، وبين أخذ الدية، إذاً لخيره رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ولما حكم لها بالقصاص بعينه، فإذا كان كذلك وجب أن يحمل قوله: (فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ؛ إِمَّا أَنْ يُفْدَى، وَإِمَّا أَنْ يُقِيدَ) على أخذ الدية برضا القاتل، حتى تتفق معاني الآثار، ويؤيده ما رواه البخاري أيضاً عن ابن عَبَّاسٍ، رضي الله عنهما، قال: (كان في بَنِي إِسْرَائِيلَ الْقِصَاصُ، ولم تَكُنْ فِيهِمْ الدِّيَةُ، فقال الله تَعَالَى لِهَذِهِ الْأُمَّةِ: {كُتِبَ عَلَيْكُم الْقِصَاصُ في الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ له من أَخِيهِ شَيْءٌ...} فَالْعَفْوُ أَنْ يَقْبَلَ الدِّيَةَ في الْعَمْدِ {فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إليه بِإِحْسَانٍ} يَتَّبِعُ بِالْمَعْرُوفِ، وَيُؤَدِّي بِإِحْسَانٍ، {ذلك تَخْفِيفٌ من رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ}مِمَّا كُتِبَ على من كان قَبْلَكُمْ، {فَمَن اعْتَدَى بَعْدَ ذلك فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ} قَتَلَ بَعْدَ قَبُولِ الدِّيَةِ. (صحيح البخاري، كتاب تفسير القرآن، سورة البقرة، باب{ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى} (البقرة: 178})) (عمدة القاري، 12/276- 277، بتصرف)
فالقاتل دون حق لن ينعم بالأمان في ظل شريعة الإسلام، ليعاود اقتراف الجرائم تحت مظلة أنه من عالمها، وأولياء المقتول ينتصر لهم الإسلام بالقصاص، وفي حال العدول عنه برضاهم، يشرع لهم أخذ الدية الباهظة من ناحية القدر المالي والقيمة النقدية، عوضاً عما وقع بحقهم.
راجين التوفيق لختم الحديث عن التحذير من اقتراف جرائم القتل، ونسأله سبحانه أن يهدينا للتحلي بالعفو والصفح، لما لهما من فضل حسب هدي القرآن الكريم، وسنة خاتم النبيين محمد، صلى الله عليه وسلم، وعلى آله الطاهرين، وأزواجه أمهات المؤمنين، وأصحابه الغر الميامين، ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين.
25 محرم 1443هـ

تاريخ النشر 2021-09-03
 دار الإفتاء الفلسطينية - القدس