.:: الرسول الأسوة صلى الله عليه وسلم ::.

يحذر من الوأد الخفي - الحلقة الأولى

==========================================================

عن جُدَامَةَ بِنْتِ وَهْبٍ، أُخْتِ عُكَّاشَةَ، قالت: حَضَرْتُ رَسُولَ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، في أُنَاسٍ، وهو يقول: (لقد هَمَمْتُ أَنْ أَنْهَى عن الغِيلَةِ، فَنَظَرْتُ في الرُّومِ وَفَارِسَ، فإذا هُمْ يُغِيلُونَ أَوْلَادَهُمْ، فلا يَضُرُّ أَوْلَادَهُمْ ذلك شيئاً، ثُمَّ سَأَلُوهُ عن العَزْلِ، فقال رسول اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم: (ذلك الوَأْدُ الخَفِيُّ) زَادَ عُبَيْدُ اللَّهِ في حَدِيثِهِ عن المُقْرِئِ، وَهِيَ: {وإذا الموءودة سُئِلَتْ}) (صحيح مسلم، كتاب النكاح، باب جواز الغيلة وهي وطء المرضع وكراهة العزل)
أمران يتعلقان بالأسرة البشرية، وبثمرة رئيسة من ثمار الزواج، تلزم الوجود البشري وبقاءه، يتعرض لهما حديث جُدَامَةَ بِنْتِ وَهْبٍ، أُخْتِ عُكَّاشَةَ، عن رَسُولَ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، أحدهما يتعلق بالغيلة، والآخر بالعزل.

المحافظة على بقاء النسل البشري
من المسلمات الكونية والإيمانية، أن الله جلَّ في علاه خلق الإنسان من ذكر وأنثى، وجعل الناس شعوباً وقبائل ليتعارفوا، فقال عز وجل: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} (الحجرات: 13)
وخلق الله من الماء بشراً، فجعل منه نسباً وصهراً، مصداقاً لقوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاء بَشَراً فَجَعَلَهُ نَسَباً وَصِهْراً وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيراً} (الفرقان: 54)
وجعل الله المحافظة على النسل البشري غاية شرعية، ومقصداً رئيساً من مقاصد الدين، وبكّت الله الذين يهلكون النسل، فذكرهم في سياق التأنيب والتقريع، فقال عز وجل: {وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيِهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الفَسَادَ} (البقرة: 205)
وفي المحصلة، فإن المحافظة على بقاء النسل البشري، مطلب شرعي حيوي، تتضافر الأحكام الشرعية والقيم الدينية في الحث عليها، وبيان لزوم احترامها ومراعاتها في المواقف والأفعال الفردية والجماعية.

النهي عن قتل الأولاد
على درب المحافظة على البقاء البشري، ومبادئ احترام حياة الإنسان، ومنع إزهاق روحه بغير حق، ضمن الله تحريم قتل الأبناء ضمن كبائر الذنوب والخطايا التي يلزم تجنبها، فقال عز وجل: {قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلاَدَكُم منْ إمْلاَقٍ نحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلاَ تَقْرَبُواْ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} (الأنعام: 151)
هذه الآية الكريمة تذكر سبباً كان وما زال من أسباب لجوء بعض الناس إلى قتل الأبناء، والتخلص من أعبائهم، ذلكم هو الفقر الذي عبرت عنه الآية الكريمة بلفظ {إملاق} فضيق ذات اليد، وعسر الحياة الاقتصادية لبعض الأسر، دفعت بعض أهل الجاهلية القديمة وإخوانهم من أهل الجاهلية المعاصرة، إلى اقتراف جريمة التخلص من الأبناء، بحثاً عن سعة رزق، وتخفيفاً للنفقات، ولا يخرج عن دائرة هذه الجريمة المنكرة إصرار بعض أرباب الأسر على نسائهم للتخلص من حمل وهبهم الله إياه، وبعضهم يضع امرأته الحامل بين خيارين جاهليين صعبين، إما الإجهاض أو الطلاق، وهذا بلا ريب موقف يتناقض مع النهي القرآني عن قتل الولد بسبب الفقر، حتى إن بعضهم يقترف جريمة القتل ليس بسبب فقر واقع، بل بسبب الخوف من فقر متوقع، والله حذر من ذلك، فقال سبحانه: {وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُم إنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئاً كَبِيراً} (الإسراء: 31)
فجريمة قتل الأولاد قبل الولادة أو بعدها، تقع في مصاف كبائر الذنوب والخطايا، والعياذ بالله.

الغيلة
يروي الإمام النووي عن أهل اللغة، أن الغِيلة هنا بكسر الغين، ويقال لها الغيل، بفتح الغين مع حذف الهاء، وأن جماعة من أهل اللغة قالوا: الغيلة بالفتح المرة الواحدة، وأما بالكسر فهي الاسم من الغيل، وقيل: إن أريد بها وطء المرضع جاز الغيلة والغيلة؛ بالكسر والفتح: واختلف العلماء في المراد بالغيلة في هذا الحديث، وهي الغيل، فقال مالك في الموطأ والأصمعي وغيره من أهل اللغة: أن يجامع امرأته وهي مرضع، يقال منه: أغال الرجل وأغيل، إذا فعل ذلك، وقال ابن السكيت: هو أن ترضع المرأة وهي حامل، يقال منه غالت وأغيلت، قال العلماء: سبب همه صلى الله عليه وسلم، بالنهي عنها أنه يخاف منه ضرر الولد الرضيع، قالوا: والأطباء يقولون إن ذلك اللبن داء، والعرب تكرهه وتتقيه، وفي الحديث جواز الغيلة، فإنه صلى الله عليه وسلم، لم ينه عنها، وبين سبب ترك النهي، وفيه جواز الاجتهاد لرسول الله، صلى الله عليه وسلم، وبه قال جمهور أهل الأصول، وقيل: لا يجوز لتمكنه من الوحي، والصواب الأول. (صحيح مسلم بشرح النووي 10/16-17)
ويذكر العيني عن أئمة الفتوى اتفاقهم على جواز العزل عن الحرة، إذا أذنت فيه لزوجها. (عمدة القاري، 13/103)
فإرضاع الحامل أو معاشرتها من زوجها، لم يتم النهي عنهما بالجزم والقطع، فيبقيان مباحين، وتطرق الرسول، صلى الله عليه وسلم، لهذه المسألة يدل على عناية الإسلام بالأسرة والأطفال، وسلامة الإنجاب، عسى أن يوفق الله جل شأنه إلى متابعة التطرق لهذه المسألة والأخرى المتعلقة بالعزل والوأد الخفي، في ضوء حديث الرسول محمد، عليه الصلاة والسلام، وعلى آله الطاهرين، وأزواجه أمهات المؤمنين، وأصحابه الغر الميامين، وعلى من تبعه بإحسان إلى يوم الدين.
28 ربيع ثاني 1443هـ

تاريخ النشر 2021-12-03
 دار الإفتاء الفلسطينية - القدس