.:: الرسول الأسوة صلى الله عليه وسلم ::.

يحذر من الوأد الخفي - الحلقة الثانية والأخيرة

==========================================================

عن أبي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، قال: (أَصَبْنَا سَبْيًا فَكُنَّا نَعْزِلُ، فَسَأَلْنَا رَسُولَ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، فقال: أو إنكم لَتَفْعَلُونَ؟ قَالَهَا ثَلَاثًا، ما من نَسَمَةٍ كَائِنَةٍ إلى يَوْمِ القِيَامَةِ إلا هِيَ كَائِنَةٌ)(صحيح البخاري، كتاب النكاح، باب العزل)
تعرضت الحلقة السابقة إلى عناية الإسلام بالمحافظة على بقاء النسل البشري كغاية شرعية، ومقصد رئيس من مقاصد الدين، وبكَّت الله الذين يهلكون النسل، وتضافرت الأحكام الشرعية، والقيم الدينية في الحث على لزوم احترام هذه الغاية النبيلة، وضرورة مراعاتها في المواقف والأفعال الفردية والجماعية.
وعلى درب المحافظة على البقاء البشري، ومبادئ احترام حياة الإنسان، حرم الإسلام إزهاق الأرواح بغير حق، ومن ضمن ذلك أنه جعل قتل الأبناء ضمن كبائر الذنوب والخطايا التي يلزم تجنبها، فضيق ذات اليد، وعسر الحياة الاقتصادية لبعض الأسر، دفعت بعض أهل الجاهلية القديمة وإخوانهم من أهل الجاهلية المعاصرة، إلى اقتراف جريمة التخلص من الأبناء، بحثاً عن سعة رزق، وتخفيف النفقات، ولا يخرج عن دائرة هذه الجريمة المنكرة إصرار بعض أرباب الأسر على نسائهم للتخلص من حمل وهبهم الله إياه، وبعضهم يضع امرأته الحامل بين خيارين جاهليين صعبين، إما الإجهاض أو الطلاق، وهذا بلا ريب موقف يتناقض مع النهي القرآني عن قتل الولد بسبب الفقر، حتى إن بعضهم يقترف جريمة القتل ليس بسبب فقر واقع، بل بسبب خوف من فقر متوقع، فجريمة قتل الأولاد قبل الولادة أو بعدها تقع في مصاف كبائر الذنوب والخطايا، والعياذ بالله.
وبالنسبة إلى الغيلة، فقد اختلف العلماء في المراد بها، فقال بعضهم: إن المراد بها أن يجامع امرأته وهي مرضع، وقيل: إن ترضع المرأة وهي حامل، وسبب الهم بالنهى عنها هو الخوف من ضرر الولد الرضيع، فمسألة إرضاع الحامل أو معاشرتها من زوجها، لم يتم النهي عنهما بالجزم والقطع، فيبقيان مباحين، وتطرق الرسول، صلى الله عليه وسلم، لهذه المسألة يدل على عناية الإسلام بالأسرة والأطفال وسلامة الإنجاب، وتبعاً للحديث عن هذه القضايا، سيتم التطرق إلى مسألة العزل الموصوفة في الحديث الشريف بالوأد الخفي

الوأد الخفي
الوأد الذي كان يمارسه الجاهليون، تتلخص صورته في دفن المولودة الأنثى من قبل ذويها، وهي على قيد الحياة، ليس لشيء سوى أنها ولدت أنثى، ووصف القرآن حالهم، وهم يستقبلون أخبار ولادة الأنثى، فقال تعالى: {وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً وَهُوَ كَظِيمٌ}(النحل:58)
واستنكر الإسلام جريمة الوأد، وتوعد مقترفيها، فقال سبحانه: {وَإِذَا الْمَوْءودَةُ سُئِلَتْ* بِأَيِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ}(التكوير:8-9)
وقد وصف الرسول، صلى الله عليه وسلم، العزل بالوأد الخفي، جاء ذلك بإجابته عن سؤالهم عن العزل، فقال: (ذاك الوأد الخفي) وفي صحيح مسلم بشرح النووي، قيل: أن الموؤدة سميت بذلك؛ لأنها تثقل بالتراب، وقد سبق في باب العزل وجه تسمية هذا وأداً، وهو مشابهته الوأد في تفويت الحياة، وقوله في هذا الحديث: {وإذا الموؤدة سئلت} معناه أن العزل يشبه الوأد المذكور في هذه الآية.(صحيح مسلم بشرح النووي 10/17-18)
والمراد بالعزل إنزال مني الرجل خارج رحم المرأة بقصد منع الحمل.

حكم العزل
جاء في عمدة القاري، أن قوله: (أو إنكم تفعلون؟) اختلفوا في معناه، فقالت طائفة: ظاهره الإنكار والزجر، فنهى عن العزل، وحكى ذلك أيضاً عن الحسن، وكأنهم فهموا من كلمة (لا) في رواية أخرى، لا ما عليكم أن لا تفعلوا، وهي رواية ابن القاسم وغيره عن مالك، إنها للنهي عما سئل عنه، وأن كلمة (لا) في: (أن لا تفعلوا) لتأكيد النهي، كأنه قال: لا تعزلوا، وعليكم أن لا تفعلوا، وقالت طائفة: إن هذا إلى النهي أقرب، وقالت طائفة أخرى: كأنها جعلت جوابا لسؤال، قوله: (عليكم أن لا تفعلوا) أي ليس عليكم جناح في أن لا تفعلوا، وقول هؤلاء أولى بالمصير إليه، بدليل قوله: (ما من نسمة...إلى آخره)، وبقوله: (افعلوا أو لا تفعلوا إنما هو القدر) وبقوله: ( إذا أراد الله خلق شيء لم يمنعه شيء) وهذه الألفاظ كلها مصرحة بأن العزل لا يرد القدر، ولا يضر، فكأنه قال لا بأس به. وبهذا تمسك من رأى إباحته مطلقاً عن الزوجة والأمة، وبه قال كثير من السلف من الصحابة والتابعين، فما من نفس قدر كونها إلاَّ وهي تكون، سواء عزلتم أو لا، أي ما قدر وجوده لا يمنعه العزل.(عمدة القاري، 20/196)
وفي صحيح البخاري، قال عَمْرٌو: أخبرني عَطَاءٌ سمع جَابِرًا، رضي الله عنه، قال: (كنا نَعْزِلُ وَالقُرْآنُ يَنْزِلُ، وَعَنْ عَمْرٍو عن عَطَاءٍ عن جَابِرٍ، قال: كنا نَعْزِلُ على عَهْدِ النبي، صلى الله عليه وسلم، وَالْقُرْآنُ يَنْزِلُ)(صحيح البخاري، كتاب النكاح، باب العزل)

مشيئة الله غالبة
يلفت الحديث الشريف أعلاه إلى مسألة عقائدية، تتعلق بالقدر، فاللجوء إلى العزل بقصد منع مجيء الولد، لن يمنع مجيئه إذ قدر الله المجيء، وهذا معنى قوله صلى الله عليه وسلم، في حديثه أعلاه: (ما من نَسَمَةٍ كَائِنَةٍ إلى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إلا هِيَ كَائِنَةٌ).
يبين العيني أن قوله: (نسمة) بفتح السين، وهي الإنسان؛ أي ما من نفس كائنة في علم الله إلاَّ وهي كائنة في الخارج، لا بد من مجيئها من العدم إلى الوجود، أي ما قدر الله أن يكون البتة. (عمدة القاري، 13/103)
وفي موضع آخر من عمدة القاري، أن النسمة كل دابة فيها روح، والنسيم الريح، وقال القزاز: كل إنسان نسمة، ونفسه نسمة. (عمدة القاري، 17/202)
فمسألة الوأد الخفي ذات صلة بالعقيدة والإيمان من جانب، وبالفقه والأحكام الشرعية من جانب آخر، وبها نختم الحديث عن التحذير من الوأد الخفي، في ضوء ما جاء بشأنها في أحاديث الرسول محمد، عليه الصلاة والسلام، وعلى آله الطاهرين، وأزواجه أمهات المؤمنين، وأصحابه الغر الميامين، وعلى من تبعه بإحسان إلى يوم الدين.
6 جمادى الأولى 1443هـ

تاريخ النشر 2021-12-10
 دار الإفتاء الفلسطينية - القدس