.:: الرسول الأسوة صلى الله عليه وسلم ::.

يحذر من بهت الناس - الحلقة الأولى

==========================================================

عن أبي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، قال: (أَتَدْرُونَ ما الْغِيبَةُ؟ قالوا: الله وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قال: ذِكْرُكَ أَخَاكَ بِمَا يَكْرَهُ، قِيلَ: أَفَرَأَيْتَ إن كان في أَخِي ما أَقُولُ؟ قال: إن كان فيه ما تَقُولُ فَقَدْ اغْتَبْتَهُ، وَإِنْ لم يَكُنْ فيه فَقَدْ بَهَتَّهُ) (صحيح مسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب تحريم الغيبة)
بهت الإنسان لأخيه جريمة تفوق أكل لحمه ميتاً حال اغتيابه، فالمثل القرآني المضروب للمغتاب جاء في سياق النهي عن مثالب سلوكية، ترتكب في أوساط الناس، ووجود مثل هذه الآفات يفتك بالنسيج المجتمعي والسلم الأهلي، وفيها يقول جل ذكره: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ} (الحجرات:12)
والرسول، صلى الله عليه وسلم، يستثير انتباه الصحابة حاضري مجلسه الكريم، في حديثه أعلاه، ليعلمهم، بل يربيهم على نهج التربية والتعليم، فيسألهم عن مفهوم الغيبة لديهم، وفي ضوء أدبهم الجم، رضي الله عنهم، وثقتهم بسلامة ما يتلقونه منه عليه الصلاة والسلام، من الأخبار والعلم والقيم والتوجيهات، فإنهم تركوا الإجابة عن السؤال الموجه إليهم عن الغيبة، له عليه الصلاة والسلام، فهو الأعلم والأدرى بالإجابة الصحيحة، فقالوا: (الله وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ) وهنا تصدى عليه الصلاة والسلام، لتحديد مفهوم الغيبة، بقوله: (ذِكْرُكَ أَخَاكَ بِمَا يَكْرَهُ) يعني أن أي ذكر يكرهه الشخص، يعد غيبة، إذا تلفظ به الناس، طبعاً ضمن محددات وضوابط خاصة بذلك، وهنا يستمر الحوار التعليمي بين الصحابة وبين معلمهم الحكمة والأدب، وما فيه خيرهم، صلى الله عليه وسلم، فيستفسرون عن شمول الغيبة للذكر الذي يصف وضعاً قائماً، وحقيقة ثابتة بالنسبة إلى المذكور بها، هل يعد هذا الوصف من قبيل الغيبة؟ وهنا تأتي الإجابة الحاسمة منه صلى الله عليه وسلم، التي يحدد بها المفهوم الحقيقي للغيبة، والمتلخص بأنها تعني ذكر الأخ بما يكره مما فيه من عيوب أو مثالب، أما إذا كان ذكره بما يكره من الافتراءات عليه، أي بما ليس به حقيقة، فذلك أمر أفظع وأشد من الغيبة، إذ هو البهت.

البهتان جريمة نكراء
بهت المسلم من قبل أخيه تجتمع فيه جنايتان عظيمتان، إحداهما ذكر الأخ بما يكره، والثانية بهته بالافتراء عليه بما ليس به، وفي الجريمة الأولى يشترك البهت مع الغيبة في البشاعة والتعدي، لكن الجريمة الثانية يفوق الجرم فيها حد الغيبة المقيتة، ليبلغ مستوى أفظع في المقت والذم والنذالة والحقارة، من خلال إضافة مثلب الافتراء إلى جريمة إيذاء المرء بذكره بما يكره، فتجتمع خصلتان ذميمتان مع بعضهما، فتضخمان الجناية، وتزيدان الإثم.
والبهت ذكرت مادته اللغوية في مواضع قرآنية عديدة، في سياق الذم المدقع، فمريم البتول، عليها السلام، بهتت من بعض قومها حسب ما جاء في قوله تعالى: {وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَاناً عَظِيماً} (النساء:156)، وأم المؤمنين عائشة، رضي الله عنها، بهتت ممن افترى عليها القذف، الذي عاتب الله الذين تفاعلوا مع شائعته بقوله عز وجل: {وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُم مَّا يَكُونُ لَنَا أَن نَّتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ} (النور:16)، فيأثم من يردد التقول بالشائعات، ويسهم في ترويجها دون تحقق، ومعلوم أن نشر الشائعات دون تمحيص يعرض للوقوع في جناية التعدي على الأبرياء، إضافة إلى تعارضه مع مبدأ الستر المرغب فيه، حتى حال صحة الأخبار المنشورة، فليس كل ما يعلم يقال، والرسول، صلى الله عليه وسلم، رغب في أن يستر المسلم أخاه، واعداً من يفعل الستر بالستر يوم القيامة، فقال عليه الصلاة والسلام: (الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ، لَا يَظْلِمُهُ ولا يُسْلِمُهُ، وَمَنْ كان في حَاجَةِ أَخِيهِ كان الله في حَاجَتِهِ، وَمَنْ فَرَّجَ عن مُسْلِمٍ كُرْبَةً فَرَّجَ الله عنه كُرْبَةً من كُرُبَاتِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ الله يوم الْقِيَامَةِ) (صحيح البخاري، كتاب المظالم والغصب، باب لا يظلم المسلم المسلم ولا يسلمه)

فظاعة رمي البريء بالإثم والخطأ
على درب ذم الفرية والبهتان، يحذر القرآن الكريم من البهتان والإثم المقترفين من قبل الذي يقترف خطيئة قذف البريء بآثام وخطايا لم يقترفها، فيقول عز وجل: {وَمَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْماً ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَاناً وَإِثْماً مُّبِيناً} (النساء:112)، وفي موضع قرآني آخر يؤكد رب البرية على وضع هذا السلوك الشائن في منظومة البهتان والإثم المبين، فيقول تعالى: {وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَاناً وَإِثْماً مُّبِيناً} (الأحزاب: 58)
فلن يقبل عذر من ملحقي الأذى بالناس بغير ما اكتسبوا، ومن المنفرات من هذا المنحى السلوكي المنحرف عن جادة الحق ونبل القيم والأخلاق، أن الله سبحانه لما ذم البهتان قرنه بالإثم، في تلازم لفظي ومعنوي دال، فالمؤمن يحرص على النقاء من الإثم ليقينه بمآل الآثمين، يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم، نقياً من
رواسب الشر والكفر والنفاق والغل والحسد، وما إلى ذلك من أمراض القلوب، التي من مكوناتها ضخ الشائعات والافتراءات ضد الأبرياء من الخلق، مما يعني اقتراف البهتان والإثم المبين، أعاذنا الله منهما، ويسر سبحانه متابعة الوقوف عند مزيد من مناحي التحذير من بهت الناس، عملاً بتوجيهات ديننا الحنيف، ورسولنا الكريم، صلى الله عليه وسلم، وعلى آله الطاهرين، وأزواجه أمهات المؤمنين، وأصحابه الغر الميامين، ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين.

تاريخ النشر 2021-06-11
 دار الإفتاء الفلسطينية - القدس