.:: الرسول الأسوة صلى الله عليه وسلم ::.

يحذر من بهت الناس - الحلقة الثانية

==========================================================

عن عَائِشَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، خَطَبَ الناس، فَحَمِدَ اللَّهَ، وَأَثْنَى عليه، وقال: (ما تُشِيرُونَ عَلَيَّ في قَوْمٍ يَسُبُّونَ أَهْلِي، ما عَلِمْتُ عليهم من سُوءٍ قَطُّ؟ وَعَنْ عُرْوَةَ، قال: لَمَّا أُخْبِرَتْ عَائِشَةُ بِالْأَمْرِ، قالت: يا رَسُولَ اللَّهِ، أَتَأْذَنُ لي أَنْ أَنْطَلِقَ إلى أَهْلِي؟ فَأَذِنَ لها، وَأَرْسَلَ مَعَهَا الْغُلَامَ، وقال رَجُلٌ من الْأَنْصَارِ: سُبْحَانَكَ ما يَكُونُ لنا أَنْ نَتَكَلَّمَ بهذا سُبْحَانَكَ، هذا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ) (صحيح البخاري، كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب قول الله تعالى: وأمرهم شورى بينهم) الشورى: 38))
وقفت الحلقة السابقة عند فظاعة جريمة بهت الخَلْق، والتي تفوق في وقعها وإثمها جناية الغيبة، والاثنتان تشتركان في ذكر الآخرين بما يكرهون، لكن الغيبة تخص ما كان موجوداً ثابتاً في المذكور، أما البهت فيزيد فظاعة وبشاعة عن الغيبة، لما فيه من افتراء على المذكور، بذكره بما يكره مما ليس فيه، والبهت ذكرت مادته اللغوية في مواضع قرآنية عديدة، في سياق الذم المدقع، فمريم البتول، عليها السلام، بهتت من بعض قومها، ومعلوم أن نشر الشائعات دون تمحيص يوقع في ظلم التعدي على الأبرياء، وقد حذر القرآن الكريم من فظاعة رمي البريء بالإثم والخطايا، وأكد رب البرية سبحانه على إدراج هذا السلوك الشائن في منظومة البهتان والإثم المبين.
والله سبحانه ذم البهتان وقرنه بالإثم، في تلازم لفظي ومعنوي دال، فالمؤمن يحرص على النقاء من الإثم ليقينه بمآل الآثمين، يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله نقياً من رواسب الشر والكفر والنفاق والغل والحسد، وما إلى ذلك من أمراض القلوب.

حادثة الإفك
تواصلاً مع ما تمت الإشارة إليه في الحلقة السابقة بشأن البهتان على أم المؤمنين عائشة، رضي الله عنها، والذي نزلت آيات مفصلة في سورة النور تدحضه، وتعالج تداعياته، وحديث عروة أعلاه يصف جانباً من تفاصيل تلك الحادثة الأليمة، التي أشغلت النبي، صلى الله عليه وسلم، ودولته الفتية، كون المشكلة تمس ركناً من أركان بيت النبوة، وزوجاً للنبي، صلى الله عليه وسلم، وأماً للمؤمنين، وابنة أحب الرجال لقلبه، وأقربهم منه، فالفتنة المثارة كانت كبيرة الوقع والأثر، والمهم الذي ينبغي التركيز عليه في سياق التحذير من بهت الناس، هو صلة تلك الحادثة الأليمة بالبهت الظالم، فلم يكن مبدأها سوى عملاً بمحظور شرعي، وإثم بين، يتلخص في الاسترسال وراء الظنون دون تمحيص، مما أوقع في انتهاك الحرمات، والمس بالأعراض، واستدعى نزول آيات محكمات فصلنَّ في البهت وأبعاده، وأحكام الآخذين به، ووجهت المجتمع المؤمن برمته إلى المنهج القويم الذي ينبغي اتّباعه في مثل ظرف الإفك، وعلى رأس مضامين هذا المنهج الحذر الشديد من التسرع في البهت، ونشر الإشاعات دون تثبت وتمحيص.

أم المؤمنين عائشة تحدث عن اختلاق قصة الإفك
ثبت في الصحاح حديث أم المؤمنين عائشة، رضي الله عنها، عن قصة الإفك، حيث قالت عن منشأ الحادثة والظروف التي أحاطت بها: (كان رسول اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، إذا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ سَفَرًا أَقْرَعَ بين أَزْوَاجِهِ، فَأَيَّتُهُنَّ خَرَجَ سَهْمُهَا خَرَجَ بها معه، فَأَقْرَعَ بَيْنَنَا في غَزَاةٍ غَزَاهَا، فَخَرَجَ سَهْمِي، فَخَرَجْتُ معه بَعْدَ ما أُنْزِلَ الحِجَابُ، فَأَنَا أُحْمَلُ في هَوْدَجٍ، وَأُنْزَلُ فيه، فَسِرْنَا حتى إذا فَرَغَ رسول اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، من غَزْوَتِهِ تِلْكَ وَقَفَلَ، وَدَنَوْنَا من المَدِينَةِ، آذَنَ لَيْلَةً بِالرَّحِيلِ، فَقُمْتُ حين آذَنُوا بِالرَّحِيلِ، فَمَشَيْتُ حتى جَاوَزْتُ الجَيْشَ، فلما قَضَيْتُ شَأْنِي، أَقْبَلْتُ إلى الرَّحْلِ، فَلَمَسْتُ صَدْرِي، فإذا عِقْدٌ لي من جَزْعِ أَظْفَارٍ قد انْقَطَعَ، فَرَجَعْتُ فَالْتَمَسْتُ عِقْدِي، فَحَبَسَنِي ابْتِغَاؤُهُ، فَأَقْبَلَ الَّذِينَ يَرْحَلُونَ لي فَاحْتَمَلُوا هَوْدَجِي، فَرَحَلُوهُ على بَعِيرِي الذي كنت أَرْكَبُ، وَهُمْ يَحْسِبُونَ أَنِّي فيه، وكان النِّسَاءُ إِذْ ذَاكَ خِفَافًا لم يَثْقُلْنَ، ولم يَغْشَهُنَّ اللَّحْمُ، وَإِنَّمَا يَأْكُلْنَ الْعُلْقَةَ من الطَّعَامِ، فلم يَسْتَنْكِر الْقَوْمُ حين رَفَعُوهُ ثِقَلَ الْهَوْدَجِ، فَاحْتَمَلُوهُ، وَكُنْتُ جَارِيَةً حَدِيثَةَ السِّنِّ، فَبَعَثُوا الْجَمَلَ، وَسَارُوا، فَوَجَدْتُ عِقْدِي بَعْدَ ما اسْتَمَرَّ الْجَيْشُ، فَجِئْتُ مَنْزِلَهُمْ، وَلَيْسَ فيه أَحَدٌ، فَأَمَمْتُ مَنْزِلِي الذي كنت بِهِ، فَظَنَنْتُ أَنَّهُمْ سَيَفْقِدُونَنِي فَيَرْجِعُونَ إليَّ، فَبَيْنَا أنا جَالِسَةٌ غَلَبَتْنِي عَيْنَايَ فَنِمْتُ، وكان صَفْوَانُ بن الْمُعَطَّلِ السُّلَمِيُّ ثُمَّ الذَّكْوَانِيُّ، من وَرَاءِ الْجَيْشِ، فَأَصْبَحَ عِنْدَ مَنْزِلِي، فَرَأَى سَوَادَ إِنْسَانٍ نَائِمٍ، فَأَتَانِي، وكان يَرَانِي قبل الحِجَابِ، فَاسْتَيْقَظْتُ بِاسْتِرْجَاعِهِ حين أَنَاخَ رَاحِلَتَهُ، فوطىء يَدَهَا فَرَكِبْتُهَا، فَانْطَلَقَ يَقُودُ بِي الرَّاحِلَةَ، حتى أَتَيْنَا الْجَيْشَ بَعْدَ ما نَزَلُوا مُعَرِّسِينَ في نَحْرِ الظَّهِيرَةِ، فَهَلَكَ من هَلَكَ...)(صحيح البخاري، كتاب الشهادات، باب تعديل النساء بعضهن بعضا)
ما حدث لأم المؤمنين عائشة، رضي الله عنها، وفق المعطيات أعلاه، يمكن أن يتعرض له الناس بشكل أو آخر، لكن الفرق كبير بين الاسترسال مع موجات الأراجيف والظنون، وبين اتقاء الله في المواقف، وظن المؤمنون بأنفسهم خيراً، والتصرف بالتأكيد سيختلف شكلاً ومضموناً وآثاراً وتداعيات بين الموقفين، مع التأكيد على أن بهت الناس لا يقتصر على جانب سلوكي دون سواه، ولا ينحصر بأناس دون غيرهم، بل يشمل جوانب الحياة على اختلاف أنواعها، ويتعلق بالمبهوتين والباهتين، بغض النظر عن أسمائهم وأنسابهم، وزمن وجودهم ومكانه، فهو إثم مفترى، جريمته نكراء، أعاذنا الله منها، ويسر سبحانه متابعة الوقوف عند مزيد من مناحي التحذير من بهت المسلم، عملاً بتوجيهات ديننا الحنيف، ورسولنا الكريم، صلى الله عليه وسلم، وعلى آله الطاهرين، وأزواجه أمهات المؤمنين، وأصحابه الغر الميامين، ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين.
7 ذو القعدة 1442هـ

تاريخ النشر 2021-06-18
 دار الإفتاء الفلسطينية - القدس