.:: الرسول الأسوة صلى الله عليه وسلم ::.

يحذر من الأثرة ويأمر بمواجهتها بالصبر - الحلقة الأولى

==========================================================

عَنْ أَنَسٍ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: "دَعَا النَّبِيُّ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، الأَنْصَارَ لِيُقْطِعَ لَهُمْ بِالْبَحْرَيْنِ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنْ فَعَلْتَ فَاكْتُبْ لِإِخْوَانِنَا مِنْ قُرَيْشٍ بِمِثْلِهَا، فَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ عِنْدَ النَّبِيِّ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: «إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ بَعْدِي أَثَرَةً، فَاصْبِرُوا حَتَّى تَلْقَوْنِي»". (صحيح البخاري، كتاب المساقاة، باب كتابة القطائع)
يتعلق هذا الحديث الشريف بالتربية والتهذيب السلوكي، فيحذر الرسول، صلى الله عليه وسلم، فيه من الأثرة، ويأمر بمواجهتها بالصبر، أي أنه يطفئ سلوكاً غير مرغوب فيه شرعاً، وهو الأثرة، ويعزز خلقاً كريماً نافعاً، وهو الصبر.
الأثرة والإيثار
معنى الأثرة: الأثَرَةُ -بفتح الهمزة والثاء- الاسمُ من آثَر يُؤثرُ إيثَاراً، إذا أعْطى، وفي قوله، صلى الله عليه وسلم، للأنصار: "إنكم سَتَرَوْنَ بَعْدي أثَرةً، فاصبِرُوا" أراد أنَّه يُستأثر عليكم، فيُفضَّل غيرُكم في نَصيبه مِنَ الفَيْء. والاسْتِئْثَار: الانْفِرَادُ بالشيء. (النهاية في غريب الأثر:1/29)
قال ابنُ الأعرابيّ: آثرتُه بالشيء إيثاراً، وهي الأَثَرَة والإثْرَة، والجمع الإثَر.
وقيل: لم يُؤْثروكَ بها إذ قدَّمُوكَ لها لا بَلْ لأنفُسهم كانت بك الإثَرُ (مقاييس اللغة:1/77)
والإيثار: ترجيح شيء على غيره بمكرمة أو منفعة. (التحرير والتنوير:28/83)
وقد ذكر القرآن الإيثار في قوله جل شأنه: {وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} (الحشر:9)
والْإِيثَارُ عَلَى النَّفْسِ: تَقْدِيمُ الْغَيْرِ عَلَيْهَا مَعَ الْحَاجَة، وَالْخَصَاصَةُ: الَّتِي تَخْتَلُّ بِهَا الْحَالُ، وَأَصْلُهَا مِنَ الِاخْتِصَاصِ، وَهُوَ الِانْفِرَادُ فِي الْأَمْرِ، فَالْخَصَاصَةُ الِانْفِرَادُ بِالْحَاجَةِ، أَيْ: وَلَوْ كَانَ بِهِمْ فَاقَةٌ وَحَاجَةٌ. (أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن:8/44)
وثبت خبر سبب نزول هذه الآية الكريمة، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، "أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَبَعَثَ إِلَى نِسَائِهِ فَقُلْنَ: مَا مَعَنَا إِلَّا المَاءُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ يَضُمُّ أَوْ يُضِيفُ هَذَا؟»، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ: أَنَا، فَانْطَلَقَ بِهِ إِلَى امْرَأَتِهِ، فَقَالَ: أَكْرِمِي ضَيْفَ رَسُولِ اللَّهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَتْ: مَا عِنْدَنَا إِلَّا قُوتُ صِبْيَانِي، فَقَالَ: هَيِّئِي طَعَامَكِ، وَأَصْبِحِي سِرَاجَكِ، وَنَوِّمِي صِبْيَانَكِ إِذَا أَرَادُوا عَشَاءً، فَهَيَّأَتْ طَعَامَهَا، وَأَصْبَحَتْ سِرَاجَهَا، وَنَوَّمَتْ صِبْيَانَهَا، ثُمَّ قَامَتْ كَأَنَّهَا تُصْلِحُ سِرَاجَهَا فَأَطْفَأَتْهُ، فَجَعَلاَ يُرِيَانِهِ أَنَّهُمَا يَأْكُلاَنِ، فَبَاتَا طَاوِيَيْنِ، فَلَمَّا أَصْبَحَ غَدَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: «ضَحِكَ اللَّهُ اللَّيْلَةَ، أَوْ عَجِبَ، مِنْ فَعَالِكُمَا» فَأَنْزَلَ اللَّهُ: {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ} [الحشر: 9]" (صحيح البخاري، كتاب مناقب الأنصار، باب قول الله: {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ}[الحشر: 9])
يبين ابن عاشور أن المعنى: {يُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ} في ذلك اختياراً منهم، وهذا أعلى درجة مما أفاده قوله تعالى: {وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا} فلذلك عقب به، ولم يذكر مفعول {يُؤْثِرُونَ} لدلالة قوله: {مِمَّا أُوتُوا} عليه. (التحرير والتنوير:28/83)
الأثارة
ورد ذكر الأثارة في القرآن الكريم، فقال عز وجل: {قُلْ أَرَأَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ اِئْتُونِي بِكِتَابٍ مِّن قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِّنْ عِلْمٍ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} (الأحقاف:4) ومعنى {أَثَارَةٍ مِّنْ عِلْمٍ}: أي بقية من علم يؤثر عن الأولين، أي يسند إليهم، وكذلك الأثرة. (التبيان تفسير غريب القرآن: ص379) ويذكر ابن عاشور أن أثارة بفتح الهمزة: البقية من الشيء. والمعنى: أو بقية بقيت عندكم تروونها عن أهل العلم السابقين غير مسطورة في الكتب. وهذا توسيع عليهم في أنواع الحجة ليكون عجزهم عن الإتيان بشيء من ذلك أقطع لدعواهم. (التحرير والتنوير:26/11)
وقيل معناه من علم تثيرونه، أي تستخرجونه، وقيل هو الإسناد، وقيل هو الخط في الرمل، وكانت العرب تتكهن به. (التسهيل لعلوم التنزيل:3/38)
قال الكلبي: أي بقية من علم يؤثر على الأولين، أي يسند إليهم. قال مجاهد وعكرمة ومقاتل: رواية عن الأنبياء.
وقال قتادة: خاصة من علم. وأصل الكلمة من الأثر وهو الرواية، يقال: أثرت الحديث أثراً وأثارة، ومنه قيل للخبر: أثر. (تفسير البغوي:4/191) ولخص ابن الجوزي معنى {أو أثارةٍ مِنْ عِلْمٍ} في ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه الشيء يثيره مستخرجه، قاله الحسن.
والثاني: بقيَّة مِنْ عِلْمٍ تُؤثَر عن الأوَّلِين، قاله ابن قتيبة. وإِلى نحوه ذهب الفراء، وأبو عبيدة.
والثالث: علامة مِنْ عِلْم، قاله الزجاج.
وقرأ ابن مسعود، وأبو رزين، وأيوب السختياني، ويعقوب: «أثَرَةٍ» بفتح الثاء، مثل شجرة.
ثم ذكروا في معناها ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه الخَطّ، قاله ابن عباس؛ وقال هو خَط كانت العرب تخُطُّه في الأرض، قال أبو بكر بن عيّاش: الخَطُّ هو العِيافة.
والثاني: أو عِلْم تأثُرونه عن غيركم، قاله مجاهد.
والثالث: خاصَّة مِنْ عِلْم، قاله قتادة. (زاد المسير في علم التفسير:5/358)
الأثرة وما في معناها في سورة يوسف
ورد في الأثرة، قول إخوة يوسف، عليه السلام، حسب ما ذكره القرآن الكريم في قوله تعالى: {قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ} (يوسف:91)
وقد بدأ كيدهم لأخيهم يوسف، بدافع غيرتهم من تفضيل حبه وأخيه من قبل أبيهم عليهم، كما زعموا، فقال تعالى: {إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} (يوسف:8) ويوسف، عليه السلام، آثر السجن على الانصياع لفعل الفاحشة، فأخبر جل ذكره عنه: {قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ} (يوسف:33) يذكر الطاهر بن عاشور: أن يوسف، عليه السلام، فضل السجن مع ما فيه من الألم والشدة، وضيق النفس، على ما يدعونه إليه من الاستمتاع بالمرأة الحسنة النفيسة، على ما فيه من اللذة، ولكن كرهه لفعل الحرام، فضل عنده مقاساة السجن. فلما علم أنه لا محيص من أحد الأمرين صار السجن محبوباً إليه، باعتبار أنه يخلصه من الوقوع في الحرام، فهي محبة ناشئة عن ملاءمة الفكر، كمحبة الشجاع الحرب. (التحرير والتنوير:12/57)
اشتراط الإنفاق من المال المحبوب لنيل البر
مما يعضدد معنى الإيثار اشتراط نيل البر بالإنفاق مما يحب المُنفِق، فقال عز وجل: {لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ} (آل عمران:92) فبادر الصحابة، رضي الله عنهم، لما تليت عليهم هذه الآية القرآنية الكريمة، إلى البذل والإنفاق من أحب المال لديهم، لينالوا البر، ومنهم أبو طلحة، رضي الله عنه، فعن أَنَس بْنَ مَالِكٍ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، يَقُولُ: " كَانَ أَبُو طَلْحَةَ أَكْثَرَ الأَنْصَارِ بِالْمَدِينَةِ مَالًا مِنْ نَخْلٍ، وَكَانَ أَحَبُّ أَمْوَالِهِ إِلَيْهِ بَيْرُحَاءَ، وَكَانَتْ مُسْتَقْبِلَةَ المَسْجِدِ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَدْخُلُهَا وَيَشْرَبُ مِنْ مَاءٍ فِيهَا طَيِّبٍ، قَالَ أَنَسٌ: فَلَمَّا أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: {لَنْ تَنَالُوا البِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ} [آل عمران: 92] قَامَ أَبُو طَلْحَةَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَقُولُ: {لَنْ تَنَالُوا البِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ} [آل عمران: 92] وَإِنَّ أَحَبَّ أَمْوَالِي إِلَيَّ بَيْرُحَاءَ، وَإِنَّهَا صَدَقَةٌ لِلَّهِ، أَرْجُو بِرَّهَا وَذُخْرَهَا عِنْدَ اللَّهِ، فَضَعْهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ حَيْثُ أَرَاكَ اللَّهُ، قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «بَخٍ، ذَلِكَ مَالٌ رَابِحٌ، ذَلِكَ مَالٌ رَابِحٌ، وَقَدْ سَمِعْتُ مَا قُلْتَ، وَإِنِّي أَرَى أَنْ تَجْعَلَهَا فِي الأَقْرَبِينَ» فَقَالَ أَبُو طَلْحَةَ: أَفْعَلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَسَمَهَا أَبُو طَلْحَةَ فِي أَقَارِبِهِ وَبَنِي عَمِّهِ". (صحيح البخاري، كتاب الزكاة، باب الزكاة على الأقارب)
فالأصل بصاحب المال الذي يبتغى مرضاة الله، أن يبادر للإنفاق من خير ماله، وأحبه إلى نفسه، بعكس ما يفعله بعض الناس، الذين إذ أنفقوا اختاروا للمُنْفَقِ عليهم أرذل المال، وأبقوا لأنفسهم عزيزه وأجوده، والذين يفعلون هذا يبعدون عن معنى الإيثار المحمود للفقير، ولو علموا أن صدقتهم تصل الله قبل أن تصل يد الفقير لطابوا أكثر بالنفقة نفساً، فما عندهم ينفذ وما عند الله باق.

دلالة إيثار الأنصار المهاجرين
حديث أنس، رضي الله عنه، المثبت نصه أعلاه، يشهد لإيثار الأنصار المهاجرين بما انتفعوا به من خيرات، فالرسول، صلى الله عليه وسلم، "لما دعاهم ليقطع لهم بِالْبَحْرَيْنِ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنْ فَعَلْتَ فَاكْتُبْ لِإِخْوَانِنَا مِنْ قُرَيْشٍ بِمِثْلِهَا.." وفي رواية صحيحة أخرى عن أَنَس، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: "دَعَا النَّبِيُّ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، الْأَنْصَارَ لِيَكْتُبَ لَهُمْ بِالْبَحْرَيْنِ، فَقَالُوا: لَا وَاللَّهِ حَتَّى تَكْتُبَ لِإِخْوَانِنَا مِنْ قُرَيْشٍ بِمِثْلِهَا...". (صحيح البخاري، كتاب المساقاة، باب كتابة القطائع) وهذا يدل على أن الأنصار أصروا على أن لا يستأثروا بما قطع لهم بطريق مشروع، وإنما طلبوا لإخوانهم المهاجرين أن ينالوا مثل الذي حصلوا عليه بأمر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وسلوكهم هذا ينسجم تماماً مع مبدأ الإيثار المحمود، ويبعد عن الحرص على الاستحواذ، وحصر حب الخير بالأنفس والمقربين، من هنا لم يكن نيل الأنصار والمهاجرين رضا الله عفواً ولا أمراً عابراً، وإنما هو استحقاق نالوه بتوفيق الله وعونه وفضله، وقد قال فيهم سبحانه: {وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} (التوبة:100)
ولو استقمنا على صراط الله النير لتغير سلوكنا مع الله ومع أنفسنا وأهلينا، ومع الفقير المحتاج، أما حين تستحكم الأثرة بنا، ويكون أكبر همنا أن نستأثر بخيرات الدنيا ومنافعها، فإن سلوكنا يشذ عن الصراط السوي، ونصبح نريد كل شيء ظاهره خير ومنافع لأنفسنا وللمقربين منا، الأقرب فالأقرب، ويحرم بموجب هذا المنحى المنحرف الأبعدون، الذين لا بواكي لهم.
فالإيثار يناقض معنى الأثرة، في المعنى والدلالة، وإن تداخلت بينهما حروف متشابهة.
فهذه مقدمة لموضوع التحذير من الأثرة، والأمر بمواجهتها بالصبر، تضمنت بيان معنى الأثرة والإيثار، والأَثارة، وما في معنى الأثرة في سورة يوسف، واشتراط الإنفاق من المال المحبوب لنيل البر، والوقوف عند خبر عن إيثار الأنصار المهاجرين، ودلالته السلوكية والأخلاقية والدينية، راجين التوفيق لمتابعة الحديث عن هذا الموضع، الذي أرشد إليه نبينا محمد، صلى الله وسلم عليه، وعلى آل بيته الطاهرين، وأزواجه أمهات المؤمنين، وأصحابه الغر الميامين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
1 ربيع الأول 1448هـ

تاريخ النشر 2026-08-14
 دار الإفتاء الفلسطينية - القدس