.:: الرسول الأسوة صلى الله عليه وسلم ::.

يخبر عن مباهاة الله بأهل عرفة

==========================================================

عن عَائِشَة، أن رَسُولَ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، قال: (ما من يَوْمٍ أَكْثَرَ من أَنْ يُعْتِقَ الله فيه عَبْدًا من النَّارِ من يَوْمِ عَرَفَةَ، وَإِنَّهُ لَيَدْنُو، ثُمَّ يُبَاهِي بِهِم الْمَلَائِكَةَ، فيقول: ما أَرَادَ هَؤُلَاءِ؟)(صحيح مسلم، كتاب الحج ، باب في فضل الحج والعمرة ويوم عرفة)
يوم عرفة يكون في التاسع من ذي الحجة كل عام، ويليه مباشرة يوم النحر وعيد الأضحى المبارك، أي في العاشر من ذي الحجة، والوقوف بعرفة بالنسبة إلى الحاج ركن من أركان الحج، يبطل الحج دونه، وليوم عرفة فضائل للحجاج وغيرهم من المسلمين، منها ما يبينه الحديث الشريف أعلاه.

يوم عرفة وعتق العباد من النار
يخبر الرسول، صلى الله عليه وسلم، في حديثه المثبت نصه أعلاه، عن عتق الله عباده في يوم عرفة من النار، فهو اليوم الأكثر شهوداً في العام لعتق الخلق من النار، يقول النووي: هذا الحديث ظاهر الدلالة في فضل يوم عرفة، وهو كذلك، ولو قال رجل: امرأتي طالق في أفضل الأيام فلأصحابنا وجهان: أحدهما تطلق يوم الجمعة، وأصحهما يوم عرفة، للحديث المذكور أعلاه، ويتأول حديث يوم الجمعة على أنه أفضل أيام الأسبوع.(صحيح مسلم بشرح النووي:9/117) والحديث المشار إليه في قول النووي عن فضل يوم الجمعة، مروي عن أبي هُرَيْرَةَ، أَنَّ النبي، صلى الله عليه وسلم، قال: (خَيْرُ يَوْمٍ طَلَعَتْ عليه الشَّمْسُ يَوْمُ الْجُمُعَةِ، فيه خُلِقَ آدَمُ، وَفِيهِ أُدْخِلَ الْجَنَّةَ، وَفِيهِ أُخْرِجَ منها، ولا تَقُومُ السَّاعَةُ إلا في يَوْمِ الْجُمُعَةِ)(صحيح مسلم، كتاب الجمعة، باب فضل يوم الجمعة)

المعنى الإجمالي لحديث المباهاة بالحجيج يوم عرفة
قال الطيبي، رحمه الله: (ما) بمعنى ليس، وتقديره ما من يوم أكثر إعتاقاً فيه الله عبداً من النار من يوم عرفة، (وأنه) أي سبحانه (ليدنو) أي يقرب منهم بفضله ورحمته (ثم يباهي بهم) أي بالحجاج (الملائكة)، قال بعضهم: أي يظهر على الملائكة فضل الحجاج وشرفهم، أو يحلهم من قربه وكرامته محل الشيء المباهى به، والمباهاة المفاخرة.(مرقاة المفاتيح:5/1800)
وعن أبي هريرة، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: (إن الله يباهي بأهل عرفات أهل السماء، فيقول لهم: انظروا إلى عبادي، جاؤوني شعثاً غبراً)(المستدرك على الصحيحين:1/636، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه)
جاء في فيض القدير، إن الله تعالى يباهي ملائكته عشية عرفة بأهل عرفة؛ أي الواقفين بها، ثم بين تلك المباهاة بقوله: (انظروا إلى عبادي) أي تأملوا حالهم وهيأتهم، جاؤوا إلى بيتي إعظاماً لي، وتقرباً لما يقربهم مني (شعثاً) أي متغيرو الأبدان والشعور والملابس؛ لقلة تعهدهم بالإدهان والإصلاح، والشعث الوسخ في بدن أو شعر، (غبراً) أي من غير استحداد ولا تنظف، قد ركبهم غبار الطريق، وفيه أفضلية عرفة، قال القاضي: وإنما سمي الموقف عرفة؛ لأنه نعت لإبراهيم، عليه السلام، فلما أبصره عرفه، أو لأن جبريل كان يدور في المشاعر، فلما رآه قال: قد عرفت، أو لأن آدم وحواء، عليهما السلام، التقيا فيه، فتعارفا، أو لأن الناس يتعارفون فيه.(فيض القدير:2/ 279- 280)

الإفاضة بسكينة من عرفة إلى مزدلفة
وقوف الحاج بعرفة، يعني مكوثه في حدود جبل عرفة في الوقت المحدد لذلك شرعاً، وبعده، تكون الإفاضة إلى مزدلفة، ومن ثم يتم الذهاب إلى منى للمبيت فيها، ورمي الجمار، ونحر أو ذبح الهدي، قال سبحانه:{لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُوا فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُواْ اللّهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِن كُنتُم مِّن قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّآلِّينَ}(البقرة:198)
وعن ابن عَبَّاسٍ، رضي الله عنهما، أَنَّهُ دَفَعَ مع النبي، صلى الله عليه وسلم، يوم عَرَفَةَ، فَسَمِعَ النبي، صلى الله عليه وسلم، وَرَاءَهُ زَجْرًا شَدِيدًا، وَضَرْبًا، وَصَوْتًا لِلْإِبِلِ، فَأَشَارَ بِسَوْطِهِ إِلَيْهِمْ، وقال: أَيُّهَا الناس، عَلَيْكُمْ بِالسَّكِينَةِ، فإن الْبِرَّ ليس بِالْإِيضَاعِ – {أَوْضَعُوا} أَسْرَعُوا {خِلَالَكُمْ} من التَّخَلُّلِ بَيْنَكُمْ {وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا})(صحيح البخاري، كتاب الحج، باب أمر النبي، صلى الله عليه وسلم، بالسكينة عند الإفاضة)
جاء في عمدة القاري، أن قوله: (دفع مع النبي، صلى الله عليه وسلم) أي انصرف معه من عرفة يوم عرفة، وقوله: (زجراً) هو الصياح لحث الإبل، وقوله: (وضرباً) وفي رواية: (وصوتاً) أيضاً بعد ضرباً، وكأنه تصحيف من ضرباً، فعطف صوتاً عليه.
وقوله: (عليكم بالسكينة) إغراء؛ أي لازموا السكينة في السير، يعني الرفق، وعدم المزاحمة، وعلل ذلك بقوله: (فإن البر) أي الخير (ليس بالإيضاع) أي السير السريع، من أوضع إذا سار سيراً عنيفاً، ويقال: هو سير مثل الخبب، وقال المهلب: إنما نهاهم عن الإسراع إبقاء عليهم، لئلا يجحفوا بأنفسهم مع بعد المسافة.
وقوله: (أوْضَعُوا أسْرَعُوا خِلاَلَكُمْ مِنَ التَّخَلُّلِ بَيْنَكُمْ وفَجَّرْنَا خِلالَهُمَا بَيْنَهُمَا) هو من كلام البخاري، أشار به إلى تفسير الإيضاع في الحديث؛ لأنه مصدر من أوضع يوضع إضاعاً، إذا أسرع في السير، ولما كانت لفظة أوضعوا مذكورة في القرآن، في سورة براءة، وهو قوله تعالى: {لَوْ خَرَجُوا فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ}(التوبة:47) الآية، والمعنى: ما زادوكم إلاَّ شيئاً خبالاً، والخبال الشر والفساد، ولأوضعوا خلالكم، ولسعوا بينكم بالتضريب، وهو الإغراء بين القوم، وإفساد ذات البين، وقال الزمخشري: والمعنى (ولأوضعوا) أي أسرعوا ركائبهم؛ لأن الراكب أسرع من الماشي.(عمدة القاري:10/10)
فهنيئاً لمن يسر له الله الوقوف بعرفة، لينال هذا الشرف والفضل، المتوج بمباهاة الله بالحجيج حسب ما أخبر نبينا محمد، صلى الله عليه وسلم، وعلى آله الطاهرين، وأزواجه أمهات المؤمنين، وعلى أصحابه الغر الميامين، ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين.
2 ذو الحجة 1443هـ

تاريخ النشر 2022-07-01
 دار الإفتاء الفلسطينية - القدس