.:: الرسول الأسوة صلى الله عليه وسلم ::.

يشترط الإخلاص لنيل ثواب قيام ليلة القدر العظيمة

==========================================================

عن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال: (من قام لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ له ما تَقَدَّمَ من ذَنْبِهِ، وَمَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ له ما تَقَدَّمَ من ذَنْبِهِ)(صحيح البخاري، كتاب الصوم، باب من صام رمضان إيماناً واحتساباً ونيةً)
الله جل في علاه فضل زماناً على آخر، وشمل ذلك أشهراً وأياماً وساعات، ففضل الأشهر الحرم، وفضل شهر رمضان، ويوم عرفة، والأيام المعدودات والمعلومات، ويوم الجمعة، وساعة فيه، والليالي العشر، ومن الليالي المتميزة بالفضل الرباني ليلة القدر، والتي فاقت في الفضل ألف شهر، ووعد قائمها بالغفران، ونحن على أعتاب وداع شهر رمضان المبارك، الذي تتحرى ليلة القدر في ليالي عشره الأخيرة، يحسن التذكير بفضل هذه الليلة المباركة، والتشجيع على إقامتها بإخلاص، على الوجه الذي يرضيه سبحانه.

اشتراط الإيمان والاحتساب لمثوبة قائم ليلة القدر
في الحديث أعلاه يعد الرسول، صلى الله عليه وسلم، من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً بأن يغفر الله له ما تقدم من ذنبه، وقد تعددت الروايات المبينة لفضل قيام ليلة القدر في الصحيحين، فتقدم في بعضها ذكر ليلة القدر على الصيام، وكان في بعضها العكس، لكنها جميعاً تجمع على وعد الصائم والمقيم إيماناً واحتساباً بغفران ما تقدم من ذنبه، واللافت للأنظار تكرار شرط الإيمان والاحتساب لتحقق هذا الوعد، فما المقصود بهذا الشرط؟ وما أهميته في الصيام والقيام؟
يلخص المقصود بالإيمان والاحتساب الإخلاص لله، فيلزم لقبول الصيام والقيام تجردهما من التلبس بالرياء، ومن أي معان تخرج عن التجرد لله وحده، فالله يرفض أن يشرك معه غيره في مقاصد الأعمال، فرسول اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، قال: قال الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى: (أنا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عن الشِّرْكِ، من عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فيه مَعِي غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ)(صحيح مسلم، كتاب الزهد والرقائق، باب من أشرك في عمله غير الله)
وقال صلى الله عليه وسلم: (من سَمَّعَ سَمَّعَ الله بِهِ، وَمَنْ يُرَائِي يُرَائِي الله بِهِ)(صحيح البخاري، كتاب الرقاق، باب الرياء والسمعة)
جاء في عمدة القاري، أن قوله: (من سَمَّعَ) بتشديد الميم، من التسميع، وهو التشهير، وإزالة الخمول بنشر الذكر، وقال الخطابي: أي عمل عملاً على غير إخلاص، وإنما يريد أن يراه الناس، ويسمعوه، جوزي على ذلك بأن يشهره الله تعالى ويفضحه، ويظهر ما كان يبطنه، وقيل إن قصد بعمله الجاه والمنزلة عند الناس، ولم يرد به وجه الله تعالى، فإن الله يجعله حديثاً عند الناس الذين أراد نيل المنزلة عندهم، ولا ثواب له في الآخرة، وقوله: (ومن يرائي)، أي من يرائي بعمله الناس، (يرائي الله به)؛ أي يطلعهم على أنه فعل ذلك لهم، لا لوجهه، فاستحق سخط الله عليه، وفيه من المشاكلة ما لا يخفى.(عمدة القاري، 23/86- 87)
وذم الله المرائين، مبيناً أن الرياء من صفات المنافقين، فقال عز وجل: {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُواْ إِلَى الصَّلاَةِ قَامُواْ كُسَالَى يُرَآؤُونَ النَّاسَ وَلاَ يَذْكُرُونَ اللّهَ إِلاَّ قَلِيلاً}(النساء: 142)، وفي سورة الماعون ذم آخر لهم، حيث يقول جل شأنه: {فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ*الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ* الَّذِينَ هُمْ يُرَاؤُونَ* وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ} (الماعون: 4-7)
والله أمر بالإخلاص لجلاله سبحانه في العبادات، فقال عز وجل: {... وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ}(الأعراف:29)
وقال تعالى: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاء ...} (البينة:5)
وكرر سبحانه في خمس آيات من سورة الصافات الثناء على عباده المخلصين، فقال تعالى: {إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ} (الصافات40، و74، و128، و160، 169) وتكرر مثل هذا الثناء في سورة ص في الآية 83.
المتدبر في هذه العينة من الآيات القرآنية، التي تثني على الإخلاص وأهله، وتذم الرياء وأهله، يجد المبتغى من اشتراط الإيمان والاحتساب للمثوبة على الصيام والقيام، وقيام ليلة القدر، حسب الثابت في الأحاديث الصحيحة بالخصوص.

عظمة ليلة القدر
الأدلة على عظمة ليلة القدر وقدرها نزلت في آيات القرآن الكريم، فهي خير من ألف شهر، حسب المبين في السورة القرآنية المسماة بها، حيث يقول عز وجل: {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ *وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ* لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ* تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ* سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ}( سورة القدر)
ومعنى ليلة القدر، ليلة تقدير الأمور وقضائها، وقيل سميت بذلك لخطرها وشرفها على سائر الليالي.(الكشاف، 4/786)
ومعنى كونها خير من ألف شهر، أن من قامها كتب الله له أجر العبادة في ألف شهر، قال بعضهم يعني في ألف شهر ليس فيها ليلة القدر.(التسهيل لعلوم التنزيل، 4/210)
وفي سورة الدخان وصفها الله بالمباركة، فقال جل ذكره: {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ* فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ} (الدخان:3-4)
جاء في التسهيل لعلوم التنزيل، أن المراد بقوله تعالى: {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ}يعني ليلة القدر من رمضان، وكيفية إنزاله فيها، أنه أُنزل إلى السماء الدنيا جملة واحدة، ثم نزل به جبريل على النبي، صلى الله عليه وسلم، شيئاً بعد شيء، وقيل: معناه أنه ابتدأ إنزاله في ليلة القدر.
ومعنى {يُفْرَقُ} يفصل ويخلص، والأمر الحكيم أرزاق العباد وآجالهم، وجميع أمورهم في ذلك العام، نسخ من اللوح المحفوظ في ليلة القدر؛ ليتمثل الملائكة ذلك بطول السنة القابلة. (التسهيل لعلوم التنزيل، 4/34)
راجين الله جل في علاه أن ييسر لنا قيام ليلة القدر إيماناً واحتساباً لوجهه الكريم، وأن يغفر لنا ما تقدم من ذنوبنا وما تأخر، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله الطاهرين، وأزواجه أمهات المؤمنين، وأصحابه الغر الميامين، ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين.
25 رمضان 1442هـ

تاريخ النشر 2021-05-07
 دار الإفتاء الفلسطينية - القدس