.:: الرسول الأسوة صلى الله عليه وسلم ::.

يشرع أعمالاً ونسكاً ليومي عرفة والنحر

==========================================================

عن محمد بن أبي بَكْرٍ الثَّقَفِيُّ، قال: (سَأَلْتُ أنس بن مالك وَنَحْنُ غَادِيَانِ من مِنًى إلى عَرَفَاتٍ عن التَّلْبِيَةِ، كَيْفَ كُنْتُمْ تَصْنَعُونَ مع النبي، صلى الله عليه وسلم؟ قال: كان يُلَبِّي الْمُلَبِّي لَا يُنْكَرُ عليه، وَيُكَبِّرُ الْمُكَبِّرُ فلا يُنْكَرُ عليه)(صحيح البخاري، كتاب العيدين، باب التكبير أيام منى وإذا غدا إلى عرفة)، وفي رواية لمسلم عنه، بدلاً من عبارة (يلبي الملبي)، قال: (كان يُهِلُّ الْمُهِلُّ مِنَّا)(صحيح مسلم، كتاب الحج، باب التلبية والتكبير في الذهاب من منى إلى عرفات في يوم عرفة)
مناسك الحج يستند تشريعها إلى القرآن الكريم والسنة المطهرة، فعن جابر، قال: (رأيت النبي، صلى الله عليه وسلم، يرمي على رَاحِلَتِهِ يوم النَّحْرِ، وَيَقُولُ: لِتَأْخُذُوا مَنَاسِكَكُمْ، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَحُجُّ بَعْدَ حَجَّتِي هذه)(صحيح مسلم، كتاب الحج، باب استحباب رمي جمرة العقبة يوم النحر راكباً...)
ومن التشريعات بالخصوص التلبية يوم عرفة، وصومه لغير الحاج، والتقرب إلى الله بنحر أو ذبح الهدي والأضاحي بدءاً من العاشر لذي الحجة، ثم أيام التشريق الثلاثة التي تليه.

التلبية والتهليل والتكبير يوم عرفة
تأسياً بالنبي، صلى الله عليه وسلم، يلبي الحاج يوم عرفة، مردداً عبارتها التي شرع بالنطق بها مذ أحرم وانطلق بأعمال الحج، فيقول: (لَبَّيْكَ اللهم لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لك لَبَّيْكَ، إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لك وَالْمُلْكَ، لَا شَرِيكَ لك)(صحيح البخاري، كتاب الحج، باب التلبية)
ويشرع التكبير إلى جانب التهليل يوم عرفة، فعن عبد اللَّهِ بن عبد اللَّهِ بن عُمَرَ، عن أبيه، قال: (كنا مع رسول اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، في غَدَاةِ عَرَفَةَ، فَمِنَّا الْمُكَبِّرُ، وَمِنَّا الْمُهَلِّلُ، فَأَمَّا نَحْنُ فَنُكَبِّرُ، قال: قلت: والله لَعَجَبًا مِنْكُمْ، كَيْفَ لم تَقُولُوا له مَاذَا رَأَيْتَ رَسُولَ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، يَصْنَعُ)(صحيح مسلم، كتاب الحج، باب التلبية والتكبير في الذهاب من منى إلى عرفات في يوم عرفة)
فهذان الحديثان يثبتان تشريع التهليل والتكبير أيام الحج بإقرار النبي، صلى الله عليه وسلم، دون أن ينكر على أي من المهللين أو المكبرين.
ويستمر الحاج بالتلبية حتى يرمي جمرة العقبة الكبرى، تأسياً بفعل رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فعن ابن عَبَّاسٍ، رضي الله عنهما، أَنَّ أُسَامَةَ، رضي الله عنه، كان رِدْفَ النبي، صلى الله عليه وسلم، من عَرَفَةَ إلى الْمُزْدَلِفَةِ، ثُمَّ أَرْدَفَ الْفَضْلَ من الْمزْدَلِفَةِ إلى مِنًى، قال: فَكِلَاهُمَا قال: لم يَزَل النبي، صلى الله عليه وسلم، يُلَبِّي حتى رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ)(صحيح البخاري، كتاب الحج، باب الركوب والارتداف في الحج)

صيام يوم عرفة
يسن لغير الحاج أن يصوم يوم عرفة، لفضل ذلك وثوابه العظيم، فعن أبي قَتَادَةَ الْأَنْصَارِيِّ، رضي الله عنه، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، سُئِلَ عن صَوْمِ يَوْمِ عَرَفَةَ، فقال: (يُكَفِّرُ السَّنَةَ الْمَاضِيَةَ وَالْبَاقِيَةَ)(صحيح مسلم، كتاب الصيام، باب استحباب صيام ثلاثة أيام من كل شهر)
ويجيب صاحب سبل السلام، على استشكال تكفير ما لم يقع، وهو ذنب السنة الآتية، بأن المراد أنه يوفق فيها لعدم الإتيان بذنب، وسماه تكفيراً لمناسبة الماضية، أو أنه إن أوقع فيها ذنباً وفق للإتيان بما يكفره.(سبل السلام:2/166)
وبرر بعض العلماء تشريع صيام يوم عرفة لغير الحاج، بأن يوم عرفة مخصوص بمعنى يتقرب به، وهو الوقوف بعرفة لأهل الحج دون غيرهم من الناس، فصار لهم بذلك عيداً، فلم يصلح لهم صومه، بخلاف غيرهم ممن ليس له بعيد.(معتصر المختصر:1/152)
وعن أُمِّ الْفَضْلِ بِنْتِ الْحَارِثِ، (أَنَّ نَاسًا اخْتَلَفُوا عِنْدَهَا يوم عَرَفَةَ في صَوْمِ النبي، صلى الله عليه وسلم، فقال بَعْضُهُمْ: هو صَائِمٌ، وقال بَعْضُهُمْ: ليس بِصَائِمٍ، فَأَرْسَلْتُ إليه بِقَدَحِ لَبَنٍ وهو وَاقِفٌ على بَعِيرِهِ فَشَرِبَهُ)(صحيح البخاري، كتاب الحج، باب الوقوف على الدابة بعرفة) واستنبط بعض العلماء استحباب الفطر للواقف بعرفة من هذا الحديث الشريف.(عمدة القاري:11/108)

التقرب إلى الله بالهدي
يجب الهدي شرعاً على من حج متمتعاً أو قارناً، وعلى من أحصر عن الحج بعد الإحرام، عملاً بقوله تعالى: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلاَ تَحْلِقُواْ رُءوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَا أَمِنتُمْ فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُواْ اللّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ}(البقرة:196)
والرسول، صلى الله عليه وسلم، توسع في حجه بالتقرب إلى الله ليس بالهدي الواجب فحسب، بل بمائة بدنة، فعن عَلِي، رضي الله عنه، قال: (أَهْدَى النبي، صلى الله عليه وسلم، مائَةَ بَدَنَةٍ، فَأَمَرَنِي بِلُحُومِهَا فَقَسَمْتُهَا، ثُمَّ أَمَرَنِي بِجِلَالِهَا فَقَسَمْتُهَا، ثُمَّ بِجُلُودِهَا فَقَسَمْتها)(صحيح البخاري، كتاب الحج، باب يتصدق بجلال البدن)
وبالنسبة إلى الهدي الواجب على المحصر، كان ابن عُمَر، رضي الله عنهما، يقول: (أَلَيْسَ حَسْبُكُمْ سُنَّةَ رسول اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، إن حُبِسَ أحدكم عن الْحَجِّ طَافَ بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، ثُمَّ حَلَّ من كل شَيْءٍ، حتى يَحُجَّ عَامًا قَابِلًا، فَيُهْدِي أو يَصُومُ إن لم يَجِدْ هَدْيًا)(صحيح البخاري، كتاب المحصر، باب الإحصار في الحج)

حضور النساء صلاة العيد رجاء بركته
من الأمور التي شرعها النبي، صلى الله عليه وسلم، يوم العيد سواء الأضحى أم الفطر، خروج النساء لصلاة العيد، فعن أُمِّ عَطِيَّةَ، قالت: (كنا نُؤْمَرُ أَنْ نَخْرُجَ يوم الْعِيدِ، حتى نُخْرِجَ الْبِكْرَ من خِدْرِهَا، حتى نُخْرِجَ الْحُيَّضَ، فَيَكُنَّ خَلْفَ الناس، فَيُكَبِّرْنَ بِتَكْبِيرِهِمْ، وَيَدْعُونَ بِدُعَائِهِمْ، يَرْجُونَ بَرَكَةَ ذلك الْيَوْمِ وَطُهْرَتَهُ)(صحيح البخاري، كتاب العيدين، باب التكبير أيام منى وإذا غدا إلى عرفة)
فهذه وقفة عند بعض الأحكام الشرعية الخاصة بأعمال يومي التاسع والعاشر من ذي الحجة، أي يوم عرفة والذي يليه، سائلين الله العلي القدير، أن ييسر لحجاجنا الحج المبرور، والسعي المشكور، وأن يغفر الذنوب والخطايا، لنا ولهم وللمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله الطاهرين، وأزواجه أمهات المؤمنين، وعلى أصحابه الغر الميامين، ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين
9 ذو الحجة 1443هـ

تاريخ النشر 2022-07-08
 دار الإفتاء الفلسطينية - القدس