.:: الرسول الأسوة صلى الله عليه وسلم ::.

يضرب مثلاً للإخلاص بالهجرة - الحلقة الثانية

==========================================================

عن عَلْقَمَة بن وَقَّاصٍ اللَّيْثِيَّ، يقول: سمعت عُمَرَ بن الْخَطَّابِ، رضي الله عنه، على الْمِنْبَرِ، قال سمعت رَسُولَ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، يقول: (إنما الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ ما نَوَى، فَمَنْ كانت هِجْرَتُهُ إلى دُنْيَا يُصِيبُهَا، أو إلى امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا، فَهِجْرَتُهُ إلى ما هَاجَرَ إليه)(صحيح البخاري، كتاب بدء الوحي، باب كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم)
وقفت الحلقة السابقة عند تسمية باب في صحيح البخاري بـ: (ما جاء أن الْأَعْمَالَ بِالنِّيَّةِ وَالْحِسْبَةِ، وَلِكُلِّ امْرِئٍ ما نَوَى)، وعند تطبيقات تضمنتها الأدلة الشرعية لاشتراط النية والاحتساب، ومن ذلك ربط المثوبة على الإنفاق وعلى أعمال تعبدية وصالحة بالاحتساب، فصيام رمضان وقيامه، وقيام ليلة القدر في لياليه، اشترط لجزاء العابد فيها احتسابه الصيام والقيام لله، والإنفاق والتصدق، واتباع الجنائز، والصلاة على الأموات، ربطت المثوبة على ذلك بالاحتساب أيضاً، ولأهمية حديث: (إنما الأعمال بالنية) افتتح الإمام البخاري صحيحه به، يقول الإمام النووي: أجمع المسلمون على عظم موقع هذا الحديث، وكثرة فوائده وصحته، وقال الشافعي وآخرون: هو ثلث الإسلام، وأنه يدخل في سبعين باباً من الفقه، ولم يصح هذا الحديث عن النبي، صلى الله عليه وسلم، إلا من رواية عمر بن الخطاب، رضي الله عنه.

إنما الأعمال بالنيات
الرواية الصحيحة المثبت نصها أعلاه تختلف عن سابقتها، في جمع لفظ النية، فالأولى كانت (بالنية) وهذه (بالنيات)، والروايتان صحيحتان.
قال جماهير العلماء من أهل العربية والأصول وغيرهم: لفظة (إنما) – في حديث إنما الأعمال بالنية-موضوعة للحصر، تثبت المذكور، وتنفى ما سواه، فتقدير هذا الحديث: أن الأعمال تحسب بنية، ولا تحسب إذا كانت بلا نية، وفيه دليل على أن الطهارة، وهي الوضوء والغسل والتيمم، لا تصح إلا بالنية، وكذلك الصلاة والزكاة والصوم والحج والاعتكاف وسائر العبادات، وأما إزالة النجاسة، فالمشهور عندنا أنها لا تفتقر إلى نية، لأنها من باب التروك، والترك لا يحتاج إلى نية، وقد نقلوا الإجماع فيها، وشذ بعض أصحابنا فأوجبها، وهو باطل، وتدخل النية في الطلاق والعتاق والقذف، ومعنى دخولها أنها إذا قارنت كناية صارت كالصريح، وإن أتى بصريح طلاق ونوى طلقتين أو ثلاثا وقع ما نوى، وإن نوى بصريح غير مقتضاه دين فيما بينه وبين الله تعالى، ولا يقبل منه في الظاهر.
قوله صلى الله عليه وسلم: (وإنما لامرئ ما نوى) قالوا: فائدة ذكره بعد إنما الأعمال بالنية، بيان أن تعيين المنوي شرط، فلو كان على إنسان صلاة مقضية لا يكفيه أن ينوي الصلاة الفائتة، بل يشترط أن ينوى كونها ظهراً أو غيرها، ولولا اللفظ الثاني لاقتضى الأول صحة النية بلا تعيين، أو أوهم ذلك.(صحيح مسلم بشرح النووي:13/53- 55)

شرط الاحتساب لقبول الهجرة من صاحبها ومثوبته عليها
يقول ابن حجر العسقلاني: الأعمال الشرعية معتبرة بالنية والحسبة، والمراد بالحسبة طلب الثواب.(فتح الباري:1/135)
وقوله صلى الله عليه وسلم: (فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله) معناه من قصد بهجرته وجه الله، وقع أجره على الله، ومن قصد بها دنيا أو امرأة فهي حظه، ولا نصيب له في الآخرة، بسبب هذه الهجرة، وأصل الهجرة الترك، والمراد هنا ترك الوطن، وذكر المرأة مع الدنيا يحتمل وجهين:
أحدهما: أنه جاء أن سبب هذا الحديث أن رجلاً هاجر ليتزوج امرأة، يقال لها أم قيس، فقيل له: (مهاجر أم قيس)
والثاني: أنه للتنبيه على زيادة التحذير من ذلك، وهو من باب ذكر الخاص بعد العام، تنبيهاً على مزيته، والله أعلم.(صحيح مسلم بشرح النووي:13/ 55)

الهجرة في سبيل الله
تماشياً مع شرط قصد رضا الله وطلب مثوبته لقبول الهجرة من المهاجر، حسب المبين في حديث عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، فإن الله جلَّ في علاه قيّد الهجرة التي تصح موالاة أصحابها بأن تكون في سبيل الله، فقال عز وجل: {...فَلاَ تَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ أَوْلِيَاء حَتَّىَ يُهَاجِرُواْ فِي سَبِيلِ الله...}(النساء:89)، يقول أبو السعود في تفسيره: نهى أن يتخذ واحد من المخاطبين ولياً واحداً منهم؛ أي إذا كان حالهم ما ذكر من ودادة كفركم، فلا توالوهم حتى يهاجروا في سبيل الله؛ أي حتى يؤمنوا ويحققوا إيمانهم بهجرة كائنة لله تعالى ورسوله، صلى الله عليه وسلم، لا لغرض من أغراض الدنيا.(تفسير أبي السعود:2/213)
ويقول البغوي في تفسيره: وهجرة المؤمنين هي الخروج في سبيل الله مع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، صابرين محتسبين، وفي هذه الآية منع موالاة المؤمنين من موالاة المنافقين حتى يهاجروا في سبيل الله.(تفسير البغوي:1/460)
فيجب أن يكون الدافع إلى الهجرة هو تنفيذ أمر الله، وابتغاء رضاه سبحانه، لا لغرض من أغراض الدنيا، وأصل السبيل الطريق، واستعمل كثيراً في الطريق الموصلة إليه تعالى، وهي امتثال الأوامر، واجتناب النواهي.(روح المعاني: 5/109)
عسى أن ييسر الله متابعة الوقوف عند مزيد من التفصيل والوقفات لضرب المثل للإخلاص بالهجرة، حسب المروي عن نبينا محمد، عليه الصلاة والسلام، وعلى آله الطاهرين، وأزواجه أمهات المؤمنين، وأصحابه الغر الميامين، ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين
7 محرم 1444هـ

تاريخ النشر 2022-08-05
 دار الإفتاء الفلسطينية - القدس