.:: الرسول الأسوة صلى الله عليه وسلم ::.

يضرب مثلاً للإخلاص بالهجرة - الحلقة الخامسة

==========================================================

يقول الله تعالى في محكم التنزيل الذي نزل به الروح الأمين على قلب خاتم النبيين والمرسلين محمد، صلى الله عليه وسلم: {وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللّهِ مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُواْ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ} (النحل:41)
وقفت الحلقة السابقة عند تفسير إجمالي للآية الكريمة المائة من سورة النساء التي وعد الله فيها المهاجر في سبيله وعدين صريحين، أحدهما أن يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُرَاغَماً كَثِيراً وَسَعَةً، والثاني أن يقع أجره على الله لو أدركه الموت وهو خارج في هجرته، ورجح الرازي أنه تعالى إنما ذكر هذه الآية هاهنا في معرض الترغيب في الجهاد، وهو أن من خرج إلى السفر لأجل الرغبة في الهجرة، فقد وجد ثواب الهجرة، ومعلوم أن الترغيب إنما يحصل بهذا المعنى.

المهاجرون في الله
اشتراط الإخلاص لله في الهجرة كما ورد في حديث عمر بن الخطاب، المشهور:"إنما الأعمال بالنيات" أكدته آيات قرآنية عديدة، كما في الآية المائة من سورة النساء وغيرها، ومنها الآية الكريمة الحادية والأربعون من سورة النحل، المثبت نصها أعلاه، والتي عرفت المهاجرين الذين يعدهم الله بأن يبوئهم في الدنيا حسنة؛ بأنهم الَّذِينَ هَاجَرُواْ فِي اللّهِ مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُواْ، ومعنى {وَالَّذِينَ هَاجَرُواْ فِي اللّهِ}؛ أي في شأن الله تعالى ورضاه وفي حقه ولوجهه، {مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُواْ} لعلهم الذين ظلمهم أهل مكة من أصحاب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وأخرجوهم من ديارهم. (تفسير أبي السعود، 5/115)
يقول الثعالبي في تفسيره: هؤلاء هم الذين هاجروا إلى أرض الحبشة، هذا قول الجمهور، وهو الصحيح في سبب نزول الآية، لأن هجرة المدينة لم تكن وقت نزول الآية، والآية تتناول كل من هاجر أولاً وآخراً. (تفسير الثعالبي، 2/309)
والحاصل هنا أن الله قيد مثوبة المهاجر بأن تكون هجرته في طاعة الله وسبيله سبحانه، مما يصرف من كانت نيته لغير الله عن بلوغ هذه المنزلة الموعودة للمهاجرين في سبيل الله، وعن نيل مثوبتهم.

يبوء الله المهاجرين فيه في الدنيا حسنة
يعد الله المهاجرين في سبيله بأنه سيبوئهم في الدنيا حسنة، ومعنى {لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً} وعد أن ينزلهم بقعة حسنة، وهي المدينة التي استقروا بها، وقيل: إن حسنة صفة لمصدر؛ أي نبوئنهم تبوئة حسنة. (التسهيل لعلوم التنزيل، 2/154)
جاء في تفسير أبي السعود، أن قوله سبحانه: {لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً} أي مباءة حسنة، أو تبوئة حسنة، كما قال قتادة، وهو الأنسب بما هو المشهور من كون السورة مدنية غير ثلاث آيات من آخرها مكية.
وأما ما نقل عن ابن عباس، رضي الله عنهما، من أنها نزلت في صهيب وبلال وعمار وخباب وعايس وجبير وأبي جندل بن سهيل، أخذهم المشركون، فجعلوا يعذبونهم ليردوهم عن الإسلام، فأما صهيب، فقال لهم: أنا رجل كبير إن كنت معكم لم أنفعكم، وإن كنت عليكم لم أضركم، فافتدى منهم بماله وهاجر، فلما رآه أبو بكر، رضي الله عنه، قال: ربح البيع يا صهيب. وقال عمر، رضي الله عنه: نعم العبد صهيب، لو لم يخف الله لم يعصه. فإنما يناسب ما حكي عن الأصم من كون كل السورة مدنية، وما نقل عن قتادة من كون هذه الآية إلى آخر السورة مدنية، فيحمل ما نقل عنه من نزول الآية في أصحاب الهجرتين، على أن يكون نزولها بالمدينة بين الهجرتين، وأما جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم، من جملتهم، فلا يساعده نظم التنزيل، ولا شأنه الجليل.
وقرئ لنثوينهم، ومعناه إثواءة حسنة، أو لننزلنهم في الدنيا منزلة حسنة، وهي الغلبة على من ظلمهم من أهل مكة، وعلى العرب قاطبة وأهل الشرق والغرب كافة. {ولأجر الآخرة}أي أجر أعمالهم المذكورة في الآخرة {أكبر}مما يعجل لهم في الدنيا. (تفسير أبي السعود، 5/115)

وَلَأَجْرُ الآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ
تفسير قوله تعالى: {وَلَأَجْرُ الآخِرَةِ} في الآية المذكورة أعلاه؛ أي أجر أعمالهم المذكورة في الآخرة، {أكبر} مما يعجل لهم في الدنيا، وعن عمر، رضي الله عنه، أنه كان إذا أعطى رجلاً من المهاجرين عطاء، قال له: خذ بارك الله تعالى لك فيه، هذا ما وعدك الله تعالى في الدنيا، وما ادخر في الآخرة أفضل. {لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ} الضمير للكفار؛ أي لو علموا أن الله تعالى يجمع لهؤلاء المهاجرين خير الدارين لوافقوهم في الدين، وقيل للمهاجرين، أي لو علموا ذلك لزادوا في الاجتهاد أو لما تألموا لما أصابهم من المهاجرة وشدائدها. (تفسير أبي السعود، 5/115-116)
فهذه وقفة أخرى في رحاب ذكر المهاجرين في سبيل الله، وبعض الوعود الربانية لهم بالمثوبة الحسنة في الدنيا والآخرة، عسى أن ييسر الله التمكن من الوقوف عند مزيد من التفصيل والوقفات لضرب المثل للإخلاص بالهجرة، حسب ما جاء في آيات القرآن الكريم، والمروي عن نبينا محمد، عليه الصلاة والسلام، وعلى آله الطاهرين، وأزواجه أمهات المؤمنين، وأصحابه الغر الميامين، ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين.
28 محرم 1444هـ

تاريخ النشر 2022-08-26
 دار الإفتاء الفلسطينية - القدس