.:: الرسول الأسوة صلى الله عليه وسلم ::.

يضرب مثلاً للإخلاص بالهجرة - الحلقة الرابعة

==========================================================

يقول الله تعالى في محكم التنزيل الذي نزل به الروح الأمين على قلب خاتم النبيين والمرسلين محمد، صلى الله عليه وسلم: {وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللّهِ يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُرَاغَماً كَثِيراً وَسَعَةً وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِراً إِلَى اللّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلى اللّهِ وَكَانَ اللّهُ غَفُوراً رحِيماً} (النساء: 100)
وقفت الحلقة السابقة عند قضية تشارك المهاجرين والأنصار في الدوافع والغايات والجزاء، فالمهاجرون ابتغوا بهجرتهم فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً، وغاية هجرتهم نصر الله وَرَسُولَه، وحكم لهم بأنهم: {أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ} (الحشر: 8)، وذكر الله المهاجرين بالجهاد بالمال والنفس، وذكر معهم الأنصار بالإيواء والنصر، ووصف الفريقين معاً بولاية بعضهم بعضاً، وأثبت لهم معاً حقيقة الإيمان، وأن لَّهُم مَّغْفِرَةً وَرِزْقاً كَرِيماً، وأثنى الله على الذين يبتغون فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً، في فعل أمور أخرى غير الهجرة في آيات قرآنية عدة، ومن ذلك إبراز دافع ابتغاء فضل الله ورضوانه من قبل المتقيدين بأحكام الإحرام عند قصد بيت الله الحرام للحج أو العمرة، وأثنى الله على المتقيدين بهذا الدافع لما وصف محمداً، صلى الله عليه وسلم، وأصحابه، رضي الله عنهم، بأنهم أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً؛ أي يطلبون الجنة ورضا الله تعالى. (تفسير القرطبي، 16/293)
المهاجر في سبيل الله يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُرَاغَماً كَثِيراً وَسَعَةً
في الآية الكريمة المائة من سورة النساء المثبت نصها أعلاه، يعد الله المهاجر في سبيله وعدين صريحين، أحدهما أن يَجِد فِي الأَرْضِ مُرَاغَماً كَثِيراً وَسَعَةً، ولفظ {مُرَاغَماً} مشتق من الرغام، وهو التراب، فإنهم يقولون: (رغم أنفه) يريدون به أنه وصل إليه شيء يكرهه، وذلك لأن الأنف عضو في غاية العزة، والتراب في غاية الذلة، فجعلوا قولهم: (رغم أنفه) كناية عن الذل، والمشهور أن هذه المراغمة - للمهاجرين- إنما حصلت بسبب أنهم فارقوا وخرجوا عن ديارهم، ويتبنى الرازي معنى آخر، فيقول: وعندي فيه وجه آخر، وهو أن يكون المعنى: ومن يهاجر في سبيل الله إلى بلد آخر، يجد في أرض ذلك البلد من الخير والنعمة ما يكون سبباً لرغم أنف أعدائه، الذين كانوا معه في بلدته الأصلية، وذلك لأن من فارق وذهب إلى بلدة أجنبية، فإذا استقام أمره في تلك البلدة الأجنبية، ووصل ذلك الخبر إلى أهل بلدته خجلوا من سوء معاملتهم معه، ورغمت أنوفهم بسبب ذلك، وحمل اللفظ على هذا أقرب. والحاصل كأنه قيل: يا أيها الإنسان إنك كنت إنما تكره الهجرة عن وطنك خوفاً من أن تقع في المشقة والمحنة في السفر، فلا تخف، فإن الله تعالى يعطيك من النعم الجليلة، والمراتب العظيمة في مهاجرتك، ما يصير سبباً لرغم أنوف أعدائك، ويكون سبباً لسعة عيشك، وإنما قدم في الآية ذكر رغم الأعداء على ذكر سعة العيش؛ لأن ابتهاج الإنسان الذي يهاجر عن أهله وبلده بسبب شدة ظلمهم عليه بدولته، من حيث إنها تصير سبباً لرغم أنوف الأعداء، أشد من ابتهاجه بتلك الدولة من حيث إنها صارت سبباً لسعة العيش عليه. (التفسير الكبير، 11/13)
مَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِراً إِلَى اللّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ يقع أجره على الله
هذا هو الوعد الثاني الذي قطعه الله للمهاجر في سبيل الله، حسب المبين في الآية المائة من سورة النساء المثبت نصها أعلاه، والرازي يبين أن المانع الثاني من الإقدام على المهاجرة، أن الإنسان يقول إن خرجت عن بلدي في طلب هذا الغرض، فربما وصلت إليه، وربما لم أصل إليه، فالأولى أن لا أضيع الرفاهية الحاضرة بسبب طلب شيء ربما أصل إليه، وربما لا أصل إليه، فأجاب الله تعالى عنه بقوله: {وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِراً إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلىَ اللَّهِ} (النساء: 100)، والمعنى ظاهر.
ومن المسائل المتضمنة في هذه الآية الكريمة، قول بعضهم إن المراد من قصد طاعة الله، ثم عجز عن إتمامها، كتب الله له ثواب تمام تلك الطاعة، كالمريض يعجز عما كان يفعله في حال صحته من الطاعة، فيكتب له ثواب ذلك العمل، وقال آخرون: ثبت له أجر قصده، وأجر القدر الذي أتى به من ذلك العمل، وأما أجر تمام العمل، فذلك محال، ويرجح الرازي القول الأول؛ لأنه تعالى إنما ذكر هذه الآية هاهنا في معرض الترغيب في الجهاد، وهو أن من خرج إلى السفر لأجل الرغبة في الهجرة، فقد وجد ثواب الهجرة، ومعلوم أن الترغيب إنما يحصل بهذا المعنى، فأما القول بأن معنى الآية هو أن يصل إليه ثواب ذلك القدر من العمل، فلا يصلح مرغباً؛ لأنه قد عرف أن كل من أتى بعمل، فإنه يجد الثواب المرتب على ذلك القدر من العمل، ويدل عليه قوله عليه الصلاة والسلام: (وإنما لكل امرئٍ ما نوى) (التفسير الكبير، 11/13)
فهذه وقفة أخرى عند اشتراط الإخلاص لله في الهجرة، وبيان مثوبة المهاجر في سبيل الله في ضوء آية قرآنية كريمة، بينت أن المهاجر في سبيل الله يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُرَاغَماً كَثِيراً وَسَعَةً، وأن من يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِراً إِلَى اللّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ يقع أجره على الله، آملين التمكن من الوقوف عند مزيد من التفصيل والوقفات لضرب المثل للإخلاص بالهجرة، حسب المروي عن نبينا محمد، عليه الصلاة والسلام، وعلى آله الطاهرين، وأزواجه أمهات المؤمنين، وأصحابه الغر الميامين، ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين
21 محرم 1444هـ

تاريخ النشر 2022-08-19
 دار الإفتاء الفلسطينية - القدس