.:: الرسول الأسوة صلى الله عليه وسلم ::.

يضرب مثلاً للإخلاص بالهجرة - الحلقة السادسة

==========================================================

يقول الله تعالى في محكم التنزيل الذي نزل به الروح الأمين على قلب خاتم النبيين والمرسلين محمد، صلى الله عليه وسلم: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالَّذِينَ آوَواْ ونَصَرُواْ أُوْلَـئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يُهَاجِرُواْ مَا لَكُم مِّن وَلاَيَتِهِم مِّن شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُواْ وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلاَّ عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ}(الأنفال:72)
وقفت الحلقة السابقة عند تأكيد لاشتراط الإخلاص لله في الهجرة، الذي ورد في حديث عمر بن الخطاب، المشهور:"إنما الأعمال بالنيات" تضمنته الآية الكريمة الحادية والأربعون من سورة النحل، التي عرفت المهاجرين الذين يعدهم الله بأن يبوئهم في الدنيا حسنة بأنهم الَّذِينَ هَاجَرُواْ فِي اللّهِ مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُواْ، ومعنى {والذين هاجروا في الله}؛ أي في شأن الله تعالى ورضاه وفي حقه ولوجهه، ويرى الجمهور بأن هؤلاء هم الذين هاجروا إلى أرض الحبشة، والحاصل هنا أن الله قيد مثوبة المهاجر بأن تكون هجرته في طاعة الله وسبيله سبحانه، مما يصرف من كانت نيته لغير الله عن بلوغ هذه المنزلة الموعودة للمهاجرين في سبيل الله، وعن نيل مثوبتهم. ويعد الله المهاجرين في سبيله بأنه سيبوئهم في الدنيا حسنة؛ أي سينزلهم بقعة حسنة، وهي المدينة التي استقروا بها، وعقب سبحانه على هذا الوعد ببيان أن أجر أعمالهم المذكورة في الآخرة، {أكبر} مما يعجل لهم في الدنيا.

المهاجرون في سبيل الله والأنصار بعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ
الآية الثانية والسبعون من سورة الأنفال، المثبت نصها الكريم أعلاه، تقيد بأن الهجرة المعتبرة شرعاً هي التي تكون في سبيل الله، فتتحدث عن ولاية المهاجرين بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله والأنصار بعضهم بعضاً، ويرجح الرازي بأن المراد بالولاية هنا القرب، مستبعداً أن يكون المقصود منها الإرث، فيقول: فيمكن حمله على غير الإرث، وهو كون بعضهم معظماً للبعض، مهتماً بشأنه، مخصوصاً بمعاونته ومناصرته، والمقصود أن يكونوا يداً واحدة على الأعداء، وأن يكون حب كل واحد لغيره جارياً مجرى حبه لنفسه، وإذا كان اللفظ محتملاً لهذا المعنى كان حمله على الإرث بعيداً عن دلالة اللفظ، لا سيما وهم يقولون إن ذلك الحكم صار منسوخاً بقوله تعالى: {وَأُوْلُواْ الأرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ} (الأنفال: 75)، متسائلاً: وأي حاجة تحملنا على حمل اللفظ على معنى لا إشعار لذلك اللفظ به، ثم الحكم بأنه صار منسوخاً بآية أخرى مذكورة معه؟ ويجيب: هذا في غاية البعد، اللهم إلا إذا حصل إجماع المفسرين على أن المراد ذلك، فحينئذ يجب المصير إليه، إلا أن دعوى الإجماع بعيدة. (التفسير الكبير، 15/166 - 167)
ويضيف الرازي: بأن هذا الترتيب الذي اعتبره الله في هذه الآية في غاية الحسن؛ لأنه ذكر هاهنا أقساماً ثلاثة: فالأول المؤمنون من المهاجرين والأنصار، وهم أفضل الناس، وبين أنه يجب أن يوالي بعضهم بعضاً، والقسم الثاني: المؤمنون الذين لم يهاجروا، فهؤلاء بسبب إيمانهم لهم فضل وكرامة، وبسبب ترك الهجرة لهم حالة نازلة، فوجب أن يكون حكمهم حكماً متوسطاً بين الإجلال والإذلال، وذلك هو أن الولاية المثبتة للقسم الأول تكون منفية عن هذا القسم، إلا أنهم يكونون بحيث لو استنصروا المؤمنين واستعانوا بهم، نصروهم وأعانوهم، فهذا الحكم متوسط بين الإجلال والإذلال، وأما الكفار- وهم القسم الثالث من المذكورين في الآية الكريمة- فليس لهم البتة ما يوجب شيئاً من أسباب الفضيلة، فوجب كون المسلمين منقطعين عنهم من الوجوه كلها، فلا يكون بينهم ولاية، ولا مناصرة بوجه من الوجوه، فظهر أن هذا الترتيب في غاية الحسن. (التفسير الكبير، 15/168)

اشتراط الهجرة في سبيل الله لاتخاذ الأولياء
لأهمية الهجرة في سبيل الله، قيد الله بها قبول اتخاذ أولياء، فقال عز وجل: {وَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُواْ فَتَكُونُونَ سَوَاء فَلاَ تَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ أَوْلِيَاء حَتَّىَ يُهَاجِرُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدتَّمُوهُمْ وَلاَ تَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً} (النساء:89)
تنبع أهمية هذا القيد الإلهي من كون الهجرة في سبيل الله تعني نصرة الإسلام، ومعاضدة المسلمين بعضهم بعضاً، فهم أولياء متناصرون، كالجسد الواحد، مصداقاً لقوله صلى الله عليه وسلم: (مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ في تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ إذا اشْتَكَى منه عُضْوٌ تَدَاعَى له سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى) (صحيح مسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب تراحم المؤمنين وتعاطفهم وتعاضدهم)
والقوم المشار إليهم في الآية التاسعة والثمانين من سورة النساء، والمنهي عن موالاتهم حتى يهاجروا في سبيل الله، هم المنافقون، فهم رأس حربة ضد الإسلام والمسلمين، يجب الحذر منهم، فكيف تصح موالاتهم؟! هم الذين يسارعون في الكفر، ويتربصون بالمسلمين الدوائر، ويوالون أعداء الله، ويعملون عيوناً آثمة لهم، وقال الله فيهم في السورة المسماة باسمهم: {وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِن يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ} (المنافقون:4)، فلا تصح موالاتهم حتى يرجعوا عما هم فيه من غي وضلال، ويؤدوا ما عليهم من واجب في سبيل الله.
فهذه وقفة أخرى في رحاب ذكر المهاجرين في سبيل الله، عسى أن ييسر الله التمكن من الوقوف عند مزيد من التفصيل والوقفات لضرب المثل للإخلاص بالهجرة، حسب ما جاء في آيات القرآن الكريم، والمروي عن نبينا محمد، عليه الصلاة والسلام، وعلى آله الطاهرين، وأزواجه أمهات المؤمنين، وأصحابه الغر الميامين، ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين.
6 صفر 1444هـ

تاريخ النشر 2022-09-02
 دار الإفتاء الفلسطينية - القدس