متقلبات ومتغيرات في يوم العيد
عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، قَالَ: "كَانَ النَّبِيُّ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إِذَا كَانَ يَوْمُ عِيدٍ خَالَفَ الطَّرِيقَ". (صحيح البخاري، كتاب العيدين، باب من خالف الطريق إذا رجع يوم العيد)
ضمن الحديث عن حَلْفِ الرسول، صلى الله عليه وسلم، بمقلب القلوب، تعرضت الحلقة السابقة لموضوع ليلة القدر وأهميتها وفضلها، فشهر رمضان المبارك فيه ليلة خير من ألف شهر، ولأهمية هذه الليلة أنزل الله باسمها سورة قرآنية، تضمن ذكر بعض فضائلها، ففيها أنزل الله القرآن، وهي خير من ألف شهر، وفيها تنزل الملائكة والروح، بإذن الله، سلام هي حتى مطلع الفجر، وقد سميت بذلك لعظم قدرها؛ وجعل تحديد يومها غير مجزوم فيه، وبالتالي فُتح الباب واسعاً للاجتهاد في تحريها، والأحاديث النبوية الصحيحة المخبرة عن ذكر يومها عديدة، مما يوحي أن الباب فتح للاجتهاد في تقديم المزيد من العبادة في ليالي رمضان، خاصة في العشر الأواخر منها، وهناك عبادات أخرى ترك القطع بتحديد زمنها للغاية نفسها، كساعة يوم الجمعة التي يستجاب فيها الدعاء، وساعة إجابة الدعاء من الليل، وغير ذلك من الأعمال.
ووعد الله من يقيم ليلة القدر إيماناً واحتساباً أن يغفر له ما تقدم من ذنبه، وعلى الرغم من أن هذا الوعد العام يشمل من يقوم ليالي رمضان جميعها، فقد خصت ليلة القدر التي هي واحدة منها، بالمثوبة نفسها، بالشرط نفسه، وهو قيامها إيماناً واحتساباً، وهو قيد بالغ الأهمية والأثر، يرتبط ارتباطاً وثيقاً بأحوال القلوب التي يقلبها الله، فمقصد الإيمان والاحتساب منطلقه القلب، من المضغة التي إذا صلحت صلح الجسد كله، فعلى الصائمين القائمين لليالي شهر رمضان، وخاصة ليلة القدر أن يوطدوا أنفسهم، ويعقدوا مقاصدهم على انتهاز هذه الفرصة الثمينة للتقرب إلى بارئهم بالفرض والتطوع، انطلاقاً من إيمان واحتساب صادقين، ليفوزوا بمغفرة الله لهم، والسبيل لذلك يسير لمن وفقه الله وهداه لنقاء النية القلبية، وللعزم القلبي الخالص.
المخالفة في طريق الذهاب والإياب لصلاة العيد
الله يقلب القلوب، فتتغير أحوالها بأمره سبحانه، وهذا يشمل تغير مستويات حرارتها في النطاق نفسه، ويشمل كذلك تغيرها من حال إلى حال آخر مختلف أو مناقض، ومن سنن العيد تقلب من نوع آخر، يتعلق بمخالفة في طريق الذهاب والإياب لصلاة العيد لأهداف وغايات شرعية، كما هو ثابت في حديث جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، رضي الله عنه، المثبت نصه أعلاه، ومعنى مخالفة الطريق هنا، فصل في معناه ومقاصده شُراح الحديث وبعض الفقهاء، ومما قاله عبد الرؤوف المناوي بالخصوص: أي رجع في غير طريق الذهاب إلى المصلى، فيذهب في أطولهما تكثيراً للأجر، ويرجع في أقصرهما؛ لأن الذهاب أفضل من الرجوع؛ لتشهد له الطريقان أو سكانهما من إنس وجن، أو ليسوي بينهما في فضل مروره، أو للتبرك به (فيض القدير، 5 /157)
تحريم صوم يوم العيد
من أحكام العيد، تحريم صوم يومه، فعَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو عُبَيْدٍ مَوْلَى ابْنِ أَزْهَرَ، أَنَّهُ شَهِدَ الْعِيدَ يَوْمَ الْأَضْحَى مَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فَصَلَّى قَبْلَ الْخُطْبَةِ، ثُمَّ خَطَبَ النَّاسَ، فَقَالَ: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ رَسُولَ اللهِ ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَدْ نَهَاكُمْ عَنْ صِيَامِ هَذَيْنِ الْعِيدَيْنِ؛ أَمَّا أَحَدُهُمَا فَيَوْمُ فِطْرِكُمْ مِنْ صِيَامِكُمْ، وَأَمَّا الْآخَرُ فَيَوْمٌ تَأْكُلُونَ مِنْ نُسُكِكُمْ". (صحيح البخاري، كتاب الأضاحي، باب ما يؤكل من لحوم الأضاحي وما يتزود منها)
وعبادة الصيام المشروعة أو الواجبة قبيل يومي الفطر والأضحى ينقلب الحال بشأنها، إذ يجب الفطر، ويحرم الصيام أيام العيدين تعبداً لله، بخلاف اليوم الذي يسبق كلاً منهما، فيسبق عيد الفطر صيام آخر يوم من رمضان، وعيد الأضحى تسبقه سنة صيام يوم عرفة لغير الحاج، فالتعبد الصحيح فيهما يكون بالإفطار فيهما، حتى إن العابد يوم عيد الفطر يسن له قبل ذهابه إلى المصلى أن يبادر إلى الفطر، بأكل تمرات أو غير ذلك، فعَنْ أَنَسٍ قَالَ: "كَانَ رَسُولُ اللهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لَا يَغْدُو يَوْمَ الْفِطْرِ حَتَّى يَأْكُلَ تَمَرَاتٍ" (صحيح البخاري)، وعنه عَنِ النَّبِيِّ، صلى الله عليه وسلم: "وَيَأْكُلُهُنَّ وِتْرًا".(صحيح البخاري، كتاب العيدين، باب الأكل يوم الفطر حتى يأكل تمرات)
فسبحان مقلب القلوب والأحوال بإرادته وحكمته وعلمه، وإليه جل في علاه سبحانه الطاعة من عباده كما أمر، على الوجه الذي يرضيه.
إدخال السرور على قلوب الأهل والعيال في الأعياد
يشرع يوم العيد العمل على إدخال السرور على قلوب الأهل والعيال، وكسبها لجانب الخير والصلاح، وتعزيز صلاحها، فعَنْ عَائِشَةَ، رَضِيَ اللهُ عَنْهَا، قَالَتْ: "دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ، صلى الله عليه وسلم، وَعِنْدِي جَارِيَتَانِ تُغَنِّيَانِ بِغِنَاءِ بُعَاثَ، فَاضْطَجَعَ عَلَى الْفِرَاشِ، وَحَوَّلَ وَجْهَهُ، وَدَخَلَ أَبُو بَكْرٍ فَانْتَهَرَنِي، وَقَالَ: مِزْمَارَةُ الشَّيْطَانِ عِنْدَ النَّبِيِّ، صلى الله عليه وسلم، فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ، صلى الله عَلَيْهِ وسَّلمُ، فَقَالَ: دَعْهُمَا، فَلَمَّا غَفَلَ غَمَزْتُهُمَا فَخَرَجَتَا".(صحيح البخاري، كتاب العيدين، باب الحراب والدرق يوم العيد)
يذكر ابن حجر العسقلاني أن فِي هَذَا اَلْحَدِيثِ مِنْ اَلْفَوَائِدِ: مَشْرُوعِيَّة اَلتَّوْسِعَة عَلَى اَلْعِيَالِ فِي أَيَّامِ اَلْأَعْيَادِ بِأَنْوَاعِ مَا يَحْصُلُ لَهُمْ بَسْط اَلنَّفْس، وَتَرْوِيح اَلْبَدَن مِنْ كَلَف اَلْعِبَادَة، وَأَنَّ اَلْإِعْرَاضَ عَنْ ذَلِكَ أَوْلَى. وَفِيهِ أَنَّ إِظْهَار اَلسُّرُور فِي اَلْأَعْيَادِ مِنْ شِعَارِ اَلدِّينِ. وَفِيهِ جَوَازُ دُخُولِ اَلرَّجُلِ عَلَى اِبْنَتِهِ وَهِيَ عِنْدُ زَوْجِهَا إِذَا كَانَ لَهُ بِذَلِكَ عَادَة، وَتَأْدِيب اَلْأَبِ بِحَضْرَة اَلزَّوْج وَإِنْ تَرَكَهُ اَلزَّوْج، إِذ اَلتَّأْدِيبُ وَظِيفَة اَلْآبَاءِ، وَالْعَطْفُ مَشْرُوع مِنْ اَلْأَزْوَاجِ لِلنِّسَاءِ. وَفِيهِ اَلرِّفْقُ بِالْمَرْأَةِ وَاسْتِجْلَاب مَوَدَّتِهَا، وَأَنَّ مَوَاضِعَ أَهْلِ اَلْخَيْرِ تُنَزَّهُ عَنْ اَللَّهْوِ وَاللَّغْوِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ إِثْم إِلَّا بِإِذْنِهِمْ. وَفِيهِ أَنَّ اَلتِّلْمِيذَ إِذَا رَأَى عِنْدَ شَيْخِهِ مَا يُسْتَكْرَهُ مِثْلهُ بَادَرَ إِلَى إِنْكَارِهِ، وَلَا يَكُونُ فِي ذَلِكَ اِفْتِئَات عَلَى شَيْخِهِ، بَلْ هُوَ أَدَبٌ مِنْهُ وَرِعَايَةٌ لِحُرْمَتِهِ وَإِجْلَالٌ لِمَنْصِبِهِ، وَفِيهِ فَتْوَى اَلتِّلْمِيذ بِحَضْرَة شَيْخه بِمَا يَعْرِفُ مِنْ طَرِيقَتِهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَبُو بَكْر ظَنَّ أَنَّ اَلنَّبِيَّ، صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، نَامَ فَخَشِيَ أَنْ يَسْتَيْقِظَ فَيَغْضَبَ عَلَى اِبْنَتِهِ، فَبَادَرَ إِلَى سَدِّ هَذِهِ اَلذَّرِيعَةِ.
وَفِي قَوْلِ عَائِشَة فِي آخِرِ هَذَا اَلْحَدِيثِ: "فَلَمَّا غَفَلَ غَمَزْتُهُمَا فَخَرَجَتَا" دَلَالَة عَلَى أَنَّهَا مَعَ تَرْخِيصِ اَلنَّبِيِّ، صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لَهَا فِي ذَلِكَ، رَاعَتْ خَاطِر أَبِيهَا، وَخَشِيَتْ غَضَبَهُ عَلَيْهَا فَأَخْرَجْتهُمَا، وَاقْتِنَاعَهَا فِي ذَلِكَ بِالْإِشَارَةِ فِيمَا يَظْهَرُ لِلْحَيَاءِ مِنْ اَلْكَلَامِ بِحَضْرَة مَنْ هُوَ أَكْبَرُ مِنْهَا وَاَللَّه أَعْلَمُ.
وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى جَوَازِ سَمَاع صَوْت اَلْجَارِيَةِ بِالْغِنَاءِ؛ لِأَنَّهُ، صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لَمْ يُنْكِرْ عَلَى أَبِي بَكْر سَمَاعَهُ، بَلْ أَنْكَرَ إِنْكَاره، وَاسْتَمَرَّتَا إِلَى أَنْ أَشَارَتْ إِلَيْهِمَا عَائِشَة بِالْخُرُوجِ. وَلَا يَخْفَى أَنَّ مَحَلّ اَلْجَوَاز مَا إِذَا أُمِنَت اَلْفِتْنَةُ بِذَلِكَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (فتح الباري، 3 /371)
وعن عائشة، رضي الله عنها، قَالَتْ: "وَكَانَ يَوْمُ عِيدٍ يَلْعَبُ السُّودَانُ بِالدَّرَقِ وَالْحِرَابِ، فَإِمَّا سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ، صلى الله عليه وسلم، وَإِمَّا قَالَ: "تَشْتَهِينَ تَنْظُرِينَ؟ فَقَالَتْ: نَعَمْ، فَأَقَامَنِي وَرَاءَهُ، خَدِّي عَلَى خَدِّهِ، وَيَقُولُ: دُونَكُمْ بَنِي أَرْفِدَةَ، حَتَّى إِذَا مَلِلْتُ قَالَ: حَسْبُكِ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: فَاذْهَبِي". (صحيح البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب الدرق)
وهذا مما يتماشى مع التوجيه للترويح عن القلوب ساعة وساعة، وقد روي عن حنظلة أنه قال: يا رسول الله نكون عندك تذكرنا بالنار والجنة، حتى كأنا رأى عين، فإذا خرجنا من عندك عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات، نسينا كثيراً، فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنْ لَوْ تَدُومُونَ عَلَى مَا تَكُونُونَ عِنْدِي، وَفِي الذِّكْرِ، لَصَافَحَتْكُمُ الْمَلَائِكَةُ عَلَى فُرُشِكُمْ وَفِي طُرُقِكُمْ، وَلَكِنْ يَا حَنْظَلَةُ سَاعَةً وَسَاعَةً» ثَلَاثَ مَرَّاتٍ". (صحيح مسلم، كتاب التوبة، باب فضل دوام الذكر والفكر في أمور الآخرة...)
ترقيق القلوب تجاه اليتامى والفقراء والمحتاجين يوم العيد وغيره
إدخال السرور المحبذ لا يقتصر على قلوب الأهل والعيال في الأعياد، بل ينبغي أن يتسع نطاقه ليشمل الفقراء والمعوزين واليتامى، سواء عن طريق تقديم العون المادي لهذه الشرائح، أم عن طريق المواساة المعنوية، فالمسلم يتربى في ظل دينه الحنيف على الاهتمام بهذه النواحي، كيف لا، والقرآن الكريم يستثير المشاعر لترق على اليتامى، فينبه إلى أن راعي العيال قد يُغَيب بالموت عنهم فيفارقهم، فيصبحون يتامى مثل الذين سبقوهم لهذا الحال، فيقول عز وجل: {وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُواْ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافاً خَافُواْ عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللّهَ وَلْيَقُولُواْ قَوْلاً سَدِيداً} (النساء:9)
يبين د. عبد الكريم الخطيب أن القرآن الكريم يُذَكرُ الأحياء بالموت الذي هم صائرون إليه، عارضاً عليهم في هذا الموقف ما يهزّ مشاعرهم، ويثير أشجانهم، إنهم سيموتون كالميت الذي تقاسموا تركته، أو تقاسمها ورثته وهم يشهدون، وإنهم سيتركون من بعدهم أطفالهم، الذين سينضمون إلى موكب الأيتام، كما ترك هذا الميت أطفاله، وانضموا إلى جماعة الأيتام، ممن مات آباؤهم قبله.
فليراعوا حق اللّه إذن، وليخشوه في هؤلاء اليتامى الذين في أيديهم، وليصونوهم ويصونوا أموالهم، وليعاملوهم كما يرجون أن يعامل أبناؤهم من بعدهم.
وإنه ليس هناك من صورة مثل هذه الصورة، التي يعرضها القرآن هنا، في إثارة العواطف، وفي استجلاء العبرة والعظة، حيث يتمثل منها للحي خاتمة مطافه في هذه الحياة، ومصير هذا المال الذي جمعه، والذي يكاد يذهب بدينه ومروءته جميعاً. (التفسير القرآني للقرآن، 2 /201 بتصرف)
فالذي ما زال حياً بين عياله ينبغي له أن لا يغفل عن حاجات اليتامى المالية والمعنوية يوم العيد، فهم يحتاجونها مثل الذين ما زال آباؤهم بين ظهرانيهم، مما يعني لزوم الانتباه لليتامى والمحتاجين ليشاركونا وأبناءنا بهجة العيد وسروره.
فضمن الحديث المنبثق عن الحلف بمقلب القلوب، وبمناسبة قرب حلول عيد الفطر المبارك، تم الوقوف هنا عند المخالفة في طريق الذهاب والإياب لصلاة العيد، وتحريم صوم يوم العيد، وإدخال السرور على قلوب الأهل والعيال في الأعياد، وترقيق القلوب تجاه اليتامى والفقراء والمحتاجين يوم العيد وغيره.
حسب ما ثبت في الأحاديث الصحيحة المروية عن نبينا محمد، صلى الله عليه وسلم، وعلى آل بيته الطاهرين، وأزواجه أمهات المؤمنين، وأصحابه الغر الميامين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
1 شوال 1447هـ