.:: الرسول الأسوة صلى الله عليه وسلم ::.

يكثر من الحلف بمقلب القلوب - الحلقة الثالثة

==========================================================

عَنْ عَلِيٍّ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قَالَ: (كَانَ النَّبِيُّ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فِي جَنَازَةٍ، فَأَخَذَ شَيْئًا فَجَعَلَ يَنْكُتُ بِهِ الْأَرْضَ، فَقَالَ: "مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا وَقَدْ كُتِبَ مَقْعَدُهُ مِنَ النَّارِ، وَمَقْعَدُهُ مِنَ الْجَنَّةِ" قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، أَفَلَا نَتَّكِلُ عَلَى كِتَابِنَا وَنَدَعُ الْعَمَلَ؟ قَالَ: "اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ، أَمَّا مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ السَّعَادَةِ فَيُيَسَّرُ لِعَمَلِ أَهْلِ السَّعَادَةِ، وَأَمَّا مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الشَّقَاءِ فَيُيَسَّرُ لِعَمَلِ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ، ثُمَّ قَرَأَ {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى}). (صحيح البخاري، كتاب تفسير القرآن، باب {فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى}(الليل:7))
تعرضت الحلقة السابقة لحقيقة أن قُلُوبَ بَنِى آدَمَ كُلَّهَا بَيْنَ إِصْبَعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ، حسب الثابت في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، وهو من أحاديث الصفات، التي لها تفسيران، أولهما أن الإيمان بها يكون من غير تعرض لتأويل ولا لمعرفة المعنى، بل يؤمن بأنها حق، وأن ظاهرها غير مراد، قال الله تعالى: {ليس كمثله شيء} والثاني يتأول بحسب ما يليق بها، فعلى هذا المراد المجاز، فمعنى الحديث أنه سبحانه وتعالى متصرف في قلوب عباده وغيرها كيف شاء، لا يمتنع عليه منها شيء، ولا يفوته ما أراده، كما لا يمتنع على الإنسان ما كان بين إصبعيه، فخاطب العرب بما يفهمونه، ومثله بالمعاني الحسية، تأكيداً له في نفوسهم، فإن قيل فقدرة الله تعالى واحدة، والإصبعان للتثنية فهذا مجاز واستعارة، فوقع التمثيل بحسب ما اعتادوه، غير مقصود به التثنية والجمع، وقيل إن الله يُصَّرف القلوب إلى ما يريد بالعبد، بحسب القدر الحاوي عليه المستند إلى العلم الأزلي، بحسب خلق تلك الدواعي والصوارف.
وعبر بالتثنية دون الجمع إشارة إلى أن الأصبعين هما ظهور القدرة الربانية بمظهري الخير والشر في قلب العبد، لا أن لله جارحة، تعالى عن ذلك، وعبر بالأصبعين دون اليدين؛ لأن أسرع التقليب ما قلبته الأصابع؛ لصغر حجمها، فحركتها أسرع من حركة اليد وغيرها، فلما كان تقليب الله قلوب عباده أسرع شيء، خاطب المصطفى، صلى الله عليه و سلم، العرب بما تعقل، وبالنسبة إلى تقلب القلوب والأبصار، فيتم بأمر الله، العلي القدير، وقد نبه سبحانه إلى زمن يشهد تقلباً واضحاً للقلوب، وهو يوم القيامة، الذي أشار إلى هذا الشهود بقوله تعالى: {رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ} (النور:37) ومعنى {تتقلَّبُ فيه القلوبُ} أي : تضطرب وتتغير من الهول والفزع، وتبلغ إلى الحناجر، {و} تتقلب {الأبصارُ} بالشخوص أو الزرقة. أو تتقلب القلوب إلى الإيمان بعد الكفران، والأبصار إلى العيان بعد النكران، كقوله تعالى: {فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ} (ق: 22).
"اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ"
قضية تقلب القلوب، ونسبة فعل ذلك لله عز وجل، تؤكدها كثير من الآيات القرآنية، والأحاديث النبوية، ففي حديث علي، رضي الله عنه، المثبت نصه أعلاه، أمر بالعمل مقترن بترسيخ حقيقة دالة على أن الأمر لله من قبل ومن بعد، فكل إنسان ميسر لما خلق له، وأن الملك يؤمر بتثبيت حقائق مصيرية للمرء قبل ولادته، ففي الحديث الصحيح قَالَ عَبْدُ اللهِ: حَدَّثَنَا رَسُولُ اللهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَهُوَ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ، قَالَ: "إِنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَبْعَثُ اللهُ مَلَكًا، فَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ، وَيُقَالُ لَهُ: اكْتُبْ عَمَلَهُ وَرِزْقَهُ وَأَجَلَهُ وَشَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ، ثُمَّ يُنْفَخُ فِيهِ الرُّوحُ، فَإِنَّ الرَّجُلَ مِنْكُمْ لَيَعْمَلُ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجَنَّةِ إِلَّا ذِرَاعٌ، فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ كِتَابُهُ، فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ، وَيَعْمَلُ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّارِ إِلَّا ذِرَاعٌ، فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ، فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ". (صحيح البخاري، كتاب بدء الخلق، باب ذكر الملائكة)
فهذا دليل صحيح على حقيقة خضوع قلوب العباد لأمر مقلب القلوب، حتى إن عمل الإنسان لا يغنيه عن رحمة الله، كما هو ثابت في حديث أَبي هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَقُولُ: "لَنْ يُدْخِلَ أَحَدًا عَمَلُهُ الْجَنَّةَ". قَالُوا: وَلَا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: لَا وَلَا أَنَا إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللهُ بِفَضْلٍ وَرَحْمَةٍ، فَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا، وَلَا يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدُكُمُ الْمَوْتَ، إِمَّا مُحْسِنًا فَلَعَلَّهُ أَنْ يَزْدَادَ خَيْرًا، وَإِمَّا مُسِيئًا فَلَعَلَّهُ أَنْ يَسْتَعْتِبَ". (صحيح البخاري، كتاب المرضى، باب تمني المريض الموت)
وفي رواية صحيحة عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لَنْ يُنَجِّيَ أَحَدًا مِنْكُمْ عَمَلُهُ" قَالُوا: وَلَا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: وَلَا أَنَا إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللهُ بِرَحْمَةٍ، سَدِّدُوا وَقَارِبُوا وَاغْدُوا وَرُوحُوا، وَشَيْءٌ مِنَ الدُّلْجَةِ، وَالْقَصْدَ الْقَصْدَ تَبْلُغُوا". (صحيح البخاري، كتاب الرقاق، باب القصد والمداومة على العمل)
الله يقلب الأفئدة والأبصار
عملية القلب والتقليب المسندة إلى فعل الله تعالى، تحدث للخلق والبشر في صور عدة، منها ما ذكره سبحانه بشأن تقليب الأفئدة والأبصار، في قوله عز وجل: {وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ} (الأنعام:110) يعني نترك قلوبهم وأبصارهم معلقة كما هي، ولا نوفقهم {كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ}. قبل نزول الآيات. (بحر العلوم: 1/493)
فالله يحول بينهم وبين الانتفاع بآيات الله، فلا يؤمنون بها كما لم يؤمنوا بآيات القرآن عند نزولها أول مرة، ونتركهم في تمرُّدهم على الله متحيِّرين، لا يهتدون إلى الحق والصواب. (التفسير الميسر:2/405)
ويروى عن ابن عباس وابن زيد: أن تقليب الأبصار والأفئدة هنا يعني أن الله يحول بين المرء وبين الإيمان. ولو جئناهم بالآيات التي سألوا ما آمنوا بها، كما لم يؤمنوا بالتي قبلها، مثل انشقاق القمر وغيره، عقوبة لهم على ذلك. وقيل: كما لم يؤمنوا به في الدنيا قبل مماتهم. ونظيره قوله تعالى: {...وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ..} (الأنعام:28) (الكشف والبيان:4/ 181)
ويبين الطاهر بن عاشور أن تقليب أفئدتهم وأبصارهم يكون في نار جهنم، كناية عن تقليب أجسادهم كلها. وخص من أجسادهم أفئدتهم وأبصارهم لأنها سبب إعراضهم عن العبرة بالآيات، كقوله تعالى: {سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ} (الأعراف: 116)، أي سحروا الناس بما تخيله لهم أعينهم، والكاف في قوله: {كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا} على هذا الوجه للتعليل، كقوله تعالى: {وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ} (البقرة: 198). ويبن ابن عاشور أن هذا الوجه يناكده قوله: {أَوَّلَ مَرَّةٍ} إذ ليس ثمة مرتان على هذا الوجه الثاني، فيتعين تأويل {أَوَّلَ مَرَّةٍ} بأنها الحياة الأولى في الدنيا.
والتقليب مصدر قلب الدال على شدة قلب الشيء عن حاله الأصلية. والقلب يكون بمعنى جعل المقابل للنظر من الشيء غير مقابل، كقوله تعالى: {فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا} (الكهف: 42)، وقولهم: قلب ظهر المجن، وقريب منه قوله: {قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ} (البقرة: 144)؛ ويكون بمعنى تغيير حالة الشيء إلى ضدها؛ لأنه يشبه قلب ذات الشيء. (التحرير والتنوير:6/273)
الله يحول بين المرء وقلبه
الحديث عن مقلب القلوب يقود لبحث مسألة الحيلولة بين المرء وقلبه، حسب المتضمن في قوله جل شأنه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ} (الأنفال:24)
يبين ابن عاشور أن إسناد الحول إلى الله مجاز عقلي؛ لأن الله منزه عن المكان، والمعنى يحول شأن من شؤون صفاته، وهو تعلق صفة العلم بالاطلاع على ما يضمره المرء، أو تعلق صفة القدرة بتنفيذ ما عزم عليه المرء أو بصرفه عن فعله، وليس المراد بالقلب هنا البضعة الصنوبرية المستقرة في باطن الصدر، وهي الآلة التي تدفع الدم إلى عروق الجسم، بل المراد عقل المرء وعزمه، وهو إطلاق شائع في العربية.
فلما كان مضمون هذه الجملة تكملة لمضمون الجملة التي قبلها يجوز أن يكون المعنى: واعلموا أن علم الله يخلص بين المرء وعقله خلوص الحائل بين شيئين فإنه يكون شديد الاتصال بكليهما.
والمراد ب {الْمَرْءِ} عمله وتصرفاته الجسمانية.
فالمعنى: أن الله يعلم عزم المرء ونيته قبل أن تنفعل بعزمه جوارحه، فشبه علم الله بذلك بالحائل بين شيئين في كونه أشد اتصالاً بالمحول عنه من أقرب الأشياء إليه على نحو قوله تعالى: وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ.
وجيء بصيغة المضارع يحول للدلالة على أن ذلك يتجدد ويستمر، وهذا في معنى قوله تعالى: {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ} (ق: 16) قاله قتادة.
والمقصود من هذا تحذير المؤمنين من كل خاطر يخطر في النفوس: من التراخي في الاستجابة إلى دعوة الرسول، صلى الله عليه وسلم، والتنصل منها، أو التستر في مخالفته، وهو معنى قوله: {وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ}(البقرة: 235).
وبهذا يظهر وقع قوله: وأنه إليه تحشرون عقبه فكان ما قبله تحذيراَ، وكان هو تهديداً، وفي «الكشاف»، و«ابن عطية»: قيل إن المراد الحث على المبادرة بالامتثال، وعدم إرجاء ذلك إلى وقت آخر، خشية أن تعترض المرء موانع من تنفيذ عزمه على الطاعة أي فيكون الكلام على حذف مضاف تقديره: إن أجل الله يحول بين المرء وقلبه، أي بين عمله وعزمه قال تعالى: {وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ}(المنافقون: 10).
وهنالك أقوال أخرى للمفسرين يحتملها اللفظ ولا يساعد عليها ارتباط الكلام. (التحرير والتنوير:9/69-70)
فهذه وقفة ثالثة عند موضوع إكثاره، صلى الله عليه وسلم، من الحلف بمقلب القلوب، تم فيها الوقوف عند الأمر بالعمل على الرغم من حقيقة أن كُلَّ إنسان مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ، وأن الله يقلب الأفئدة والأبصار، وأنه سبحانه يحول بين المرء وقلبه.
راجين الله العلي القدير أن ييسر متابعة الوقوف عند المراد بأحوال القلوب المحلوف بمقلبها سبحانه، وصلى الله وسلم وبارك، على نبينا محمد، وعلى آل بيته الطاهرين، وأزواجه أمهات المؤمنين، وأصحابه الغر الميامين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
18 شعبان 1447هـ

تاريخ النشر 2026-02-06
 دار الإفتاء الفلسطينية - القدس