بعد الأمر الرباني الموجه إليه ليعلم أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وليستغفر لذنبه وللمؤمنين والمؤمنات، عقب سبحانه بأنه يعلم المتقلب والمثوى، فقال تعالى: {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ} (محمد:19)
وقفت الحلقة السابقة عند نهي الله عن الانخداع بتقلب الذين كفروا في البلاد، فأحوال الخلق في الدنيا لن تدوم، إذ دوام الحال من المحال، فالأحوال تتقلب وتتغير، وقد تم لفت الانتباه إلى حقيقة تقلب الأحوال، كما هو مثبت في الآيتين القرآنيتين الكريمتين: 195 من سورة آل عمران، والرابعة من سورة غافر، وفي هذا احتقار لشأن الكافرين المعاندين، ولما بين أيديهم من مال وسلطان، والتقلب في البلاد لا ينحصر بالتجارة والتنقل، والله أعلم، وإنما يشمل معان أخرى؛ كالسطوة والسيطرة والنفوذ وامتلاك القوة بمعانيها المختلفة والواسعة، التي أوصلت فرعون أن يظن أنه بها صار الرب الأعلى، وأنواع التقلب تتعدى تقلب القلوب لتشمل صوراً أخرى كثيرة، منها التقلب إلى الله، أي ترجعون إلى حكمه سبحانه في دار الجزاء التي بها تجري على الخلق أحكام عذابه ورحمته، فاكتسبوا في هذه الدار، ما هو من أسباب رحمته من الطاعات، وابتعدوا عن أسباب عذابه، وهي المعاصي. وورد الانقلاب منسوباً إلى فعل الرسول، صلى الله عليه وسلم، وأصحابه المؤمنين، فقال عز وجل: {بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا...} (الفتح:12) والظن هنا منسوب إلى المنافقين، والله أعلم. فيرد الله عليهم مكذباً ظنهم وزعمهم، بل إنهم ظنوا أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ومن معه من أصحابه سيَهْلكون، ولا يَرْجعون إليهم أبدًا، وحسَّن الشيطان ذلك في قلوبهم، وظنوا ظنًا سيئًا أن الله لن ينصر نبيه محمدًا، صلى الله عليه وسلم، وأصحابه على أعدائهم، وكانوا قومًا هَلْكى لا خير فيهم، والمقولات التخاذلية الإحباطية كما كان من منافقي الأمس يتكرر صدورها بالصيغ نفسها أو بما يشابهها في سياق الشماتة بالمخلصين وفي سياق ثقافة الانهزام، التي ينطلق من وحلها المرجفون وأصحاب الأعذار الكاذبة خلال مواجهة الخطوب والمحن والابتلاءات، لظنهم أنهم على صواب، وأن الذين يواجهون الموت دفاعاً عن الدين والحياض، ذاهبون حسب رؤيتهم إلى الهلاك المحقق، وأن لا رجعة لهم عن ذلك، فالله يخيب ظنهم، ويطمئن الصالحين إلى أن خصومهم هم إلى البوار والهلاك، وليسوا هم.
ومن صور التقلب التي عني القرآن الكريم بذكرها، تقلب الوجوه في السماء، كما في الآية 144 من سورة البقرة، فالله يخبر أنه سبحانه كان يرى تحوُّل وجه الرسول، صلى الله عليه وسلم، في جهة السماء، مرة بعد مرة؛ انتظارًا لنزول الوحي إليه في شأن القبلة، حتى صرفه الله عن استقبال "بيت المقدس" إلى المسجد الحرام بـ "مكة". ويتعدى أمر الله بتقليب القلوب، وإلى متعلقات أخرى بالتقلب فهو سبحانه يعلم المتقلب والمثوى، وإليه المنقلب، ويقلب ذات اليمين وذات الشمال.
الله يعلم المتقلب والمثوى
الآية القرآنية التاسعة عشرة من سورة محمد المثبت نصها أعلاه، يؤكد الله فيها أنه يعلم المتقلب والمثوى، أي: يعلم متقلبكم في الدنيا؛ فإنها مراحل لا بد من قطعها، ويعلم مثواكم في العقبى؛ فإنها مواطن إقامتكم، فلا يأمركم إلا بما هو خير لكم فيهما، فبادِروا إلى الامتثال لما أمركم به، فإنه المهم لكم، أو {يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ} في معايشكم ومتاجركم، ومثواكم: حيث تستقروا في منازلكم، أو متقلبكم: في حياتكم، ومثواكم: في القبور، أو: {مُتَقَلَّبَكُمْ} في أعمالكم الحسنة أو السيئة، {وَمَثْوَاكُمْ}: من الجنة أو النار، أو: يعلم أحوالكم جميعها، فلا يخفى عليه شيء منها، فمثله حقيق بأن يُخشى ويُتقى ويُستغفر. (البحر المديد: 7 /166)
ويذكر الماوردي أن قوله تعالى: {وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ} يحتمل وجهين؛ أحدهما: متقلبكم في أسفاركم، ومثواكم في أوطانكم. والثاني: متقلبكم في أعمالكم نهاراً، ومثواكم في ليلكم نياماً. (النكت والعيون: 5/ 300)
ويبين ابن عاشور أن من اللطائف القرآنية أن أمر الله هنا بالعلم قبل الأمر بالعمل في قوله: {وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ} قال ابن عيينة: لما سئل عن فضل العلم: ألم تسمع قوله حين بدأ به {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ} وترجم البخاري في كتاب العلم من صحيحه باب العلم قبل القول والعمل، لقول الله تعالى: {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ} فبدأ بالعلم. (التحرير والتنوير: 26 /89)
إليه المنقلب
ذكرت بعض الآيات القرآنية الكريمة عن عباد الله إقرارهم أنهم إلى ربهم منقلبون، كما في قوله تعالى: {قَالُوا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ} (الأعراف:125) وينسب هذا القول إلى سحرة فرعون، إذ قالوا له لما تبينت الحقيقة إنهم قد تحققوا أنَّهم إلى الله راجعون، وأن عذابه أشد من عذابه، فقالوا: لنصبرنَّ اليوم على عذابك؛ لِننجو من عذاب الله يوم القيامة. (التفسير الميسر: 3/86)
ويبين د. عبد الكريم الخطيب أن الانقلاب إلى الله هو عزاء المؤمنين في ساعة العسرة، وفي مواجهة البلاء وتحدّيه، إنهم منقلبون إلى اللّه، راجعون إليه، نازلون في ضيافته، فليس يفزعهم الموت، ولا ترهبهم المثلات التي يأخذهم بها الظالمون، إن حياتهم إذا انتهت بتلك النهاية، فإنها ستبدأ مرحلة جديدة، في عالم أرحب، وفي رحاب ربّ كريم، عرفوه، وآمنوا به، فلا ينكرهم يوم لقائه، ولا يحجب عنهم فضله ورحمته، بل يلقاهم برحمة منه ورضوان، وجنات لهم فيها نعيم مقيم. (التفسير القرآني للقرآن: 1/100)
ونسبت لهم هذه الخلاصة أيضاً في سورة الشعراء، وذلك حسب ما جاء في قوله عز وجل: {قَالُوا لَا ضَيْرَ إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ} (الشعراء:50) يبين الرازي أن الضير واحد، وليس المراد أن ذلك إن وقع لم يضر، وإنما عنوا بالإضافة إلى ما عرفوه من دار الجزاء. وفي قولهم: {إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ} نكتة شريفة، وهي أنهم قد بلغوا في حب الله تعالى أنهم ما أرادوا شيئاً سوى الوصول إلى حضرته، وأنهم ما آمنوا رغبة في ثواب، أو رهبة من عقاب، وإنما مقصودهم محض الوصول إلى مرضاته، والاستغراق في أنوار معرفته، وهذا أعلى درجات الصديقين. (تفسير الرازي، مفاتيح الغيب: 24 /117)
وفي سورة الزخرف جاء قوله تعالى: {وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنقَلِبُونَ} (الزخرف:14) على سبيل التعليم والتهذيب، فمن استوى على ظهر مركوبه، يسن له الدعاء، الوارد في حديث ابن عمر (أَنَّ رَسُولَ اللهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كَانَ إِذَا اسْتَوَى عَلَى بَعِيرِهِ خَارِجًا إِلَى سَفَرٍ، كَبَّرَ ثَلَاثًا، ثُمَّ قَالَ: «سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا، وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ، وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ، اللهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ فِي سَفَرِنَا هَذَا الْبِرَّ وَالتَّقْوَى، وَمِنَ الْعَمَلِ مَا تَرْضَى، اللهُمَّ هَوِّنْ عَلَيْنَا سَفَرَنَا هَذَا، وَاطْوِ عَنَّا بُعْدَهُ، اللهُمَّ أَنْتَ الصَّاحِبُ فِي السَّفَرِ، وَالْخَلِيفَةُ فِي الْأَهْلِ، اللهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ وَعْثَاءِ السَّفَرِ، وَكَآبَةِ الْمَنْظَرِ، وَسُوءِ الْمُنْقَلَبِ فِي الْمَالِ وَالْأَهْلِ»، وَإِذَا رَجَعَ قَالَهُنَّ وَزَادَ فِيهِنَّ: «آيِبُونَ تَائِبُونَ عَابِدُونَ لِرَبِّنَا حَامِدُونَ»). (صحيح مسلم)
ويذكر أحمد الفاسي أن فيه إيذان بأن حق الراكب أن يذكر عند ركوبه مركب الدنيا، آخر مركبه منها، وهو: الجنازة؛ فيبني أموره في مسيره على تلك الملاحظة، حتى لا يخطر بباله شيء من زينة الدنيا، وملاهيها وأشغالها. (البحر المديد: 7/8)
وبين الله لخلقه في سورة العنكبوت أنهم إليه يقلبون، فقال تعالى: {يُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَن يَشَاءُ وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ} (العنكبوت:21) فالله يعذب مَن يشاء مِن خلقه على ما أسلف مِن جرمه في أيام حياته، ويرحم مَن يشاء منهم ممن تاب وآمن وعمل صالحًا، وإليه ترجعون، فيجازيكم بما عملتم. (التفسير الميسر:7 /143) والتذكير بالرجعة إلى الله {وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ} يعني أنكم ترجعون إلى الدار، التي بها تجري عليكم أحكام عذابه ورحمته، فاكتسبوا في هذه الدار، ما هو من أسباب رحمته من الطاعات، وابتعدوا من أسباب عذابه، وهي المعاصي. (تفسير السعدي: ص628)
يقلبهم ذات اليمين وذات الشمال
وحالة التقلب لا تقتصر على القلوب بل تمر بها الأبدان أحياناً، ومن ذلك ما جرى لأصحاب الكهف، إذ تم تقليبهم ذات اليمين وذات الشمال، كما نص على ذلك في قوله عز وجل: {وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظاً وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ وَكَلْبُهُم بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَاراً وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْباً} (الكهف:18) يبين الطاهر بن عاشور أن التقليب: تغيير وضع الشيء من ظاهره إلى باطنه، قال تعالى: {فأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفيْهِ} (الكهف:42). و{ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ} أي إلى جهة أيمانهم وشمائلهم. والمعنى: أن الله أجرى عليهم حال الأحياء الأيقاظ فجعلهم تتغير أوضاعهم من أيمانهم إلى شمائلهم والعكس. وذلك لحكمة لعل لها أثراً في بقاء أجسامهم بحالة سلامة، والإتيان بالمضارع للدلالة على التجدد بحسب الزمن المحكي. ولا يلزم أن يكونوا كذلك حين نزول الآية.
ويدل قوله تعالى: {وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ} على أن تقليبهم لليمين وللشمال كرامة لهم بمنحهم حالة الأحياء وعناية بهم، ولذلك لم يذكر التقليب لكلبهم، بل استمر في مكانه باسطاً ذراعيه شأن جلسة الكلب.
والوصيد: مدخل الكهف، شبه بالباب الذي هو الوصيد؛ لأنه يوصد ويغلق. (التحرير والتنوير: 15/36)
فالله يقلب القلوب، وعلى الرغم من هذه الخاصية العظيمة إلا أنه سبحانه يقلب الأبدان والوجوه والأحوال كذلك، فسبحانه بيده الأمر كله، لا إله إلا هو.
فضمن الحديث المنبثق عن الحلف بمقلب القلوب، وقفت هذه الحلقة عند علم الله بالمتقلب والمثوى، وإليه المنقلب، ويقلب الأبدان لما يشاء ذات اليمين وذات الشمال، سائلين الله العلي القدير التوفيق للوقوف عند مزيد من الموضوعات والقضايا ذات الصلة بالقلوب وتقلبها، وبمتعلقات ذلك، حسب ما ثبت في الآيات القرآنية والأحاديث الصحيحة المروية عن نبينا محمد، صلى الله وسلم عليه، وعلى آل بيته الطاهرين، وأزواجه أمهات المؤمنين، وأصحابه الغر الميامين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
29 شوال 1447هـ