.:: الرسول الأسوة صلى الله عليه وسلم ::.

يكثر من الحلف بمقلب القلوب - الحلقة الرابعة

==========================================================

تبييت النية القلبية الليلية لصيام رمضان
عن عُمَر بْنَ الْخَطَّابِ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قَالَ: (سَمِعْتُ النَّبِيَّ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَقُولُ: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّةِ، وَإِنَّمَا لِامْرِئٍ مَا نَوَى). (صحيح البخاري، كتاب الحيل، باب في ترك الحيل، وأن لكل امرئ ما نوى في الأيمان وغيرها)
ضمن الحديث عن قضية تقلب القلوب، ونسبة فعل ذلك لله عز وجل، التي تؤكدها كثير من الآيات القرآنية، والأحاديث النبوية، تعرضت الحلقة السابقة للأمر بالعمل المقترن بترسيخ الحقيقة الدالة على أن الشأن كله لله من قبل ومن بعد، فكل إنسان ميسر لما خلق له، مما يدل على حقيقة خضوع قلوب العباد لأمر مقلب القلوب، والحديث عن مقلب القلوب يقود لبحث مسألة الحيلولة بين المرء وقلبه، وَالمَقْصُودُ مِنْ هَذَا تَحْذِيرُ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ كُلِّ خَاطِرْ سيء يَخْطُرُ فِي النُّفُوسِ.
الأعمال بالنيات
الله يقلب القلوب سبحانه، ومن القلوب تنبعث النوايا والمقاصد، التي يتحدد بناء عليها جزاء الأعمال، خاصة عند المُطلع على النوايا والخفايا جل شأنه، فالأحكام على الأعمال جميعها تكون بناء على البواعث الدافعة إليها، وما فات الرسول، صلى الله عليه وسلم، وهو يخبر عن حصر الأعمال بالبواعث إليها ـ النيات ـ أن يضرب مثلاً توضيحياً وتطبيقياً لهذه القاعدة الشرعية البارزة، فذكر ربط جزاء الهجرة بالنية الباعثة على القيام بها، فقال: "فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ، وَمَنْ هَاجَرَ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا، أَوِ امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا، فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ". (صحيح البخاري، كتاب الحيل، باب في ترك الحيل، وأن لكل امرئ ما نوى في الأيمان وغيرها)
وعبادة الصيام، تلزمها النية، ومما يتعلق بهذا اللازم لهذه العبادة تبييت النية قبل الشروع بها، ويلزم للشروع بالصيام كذلك عقد النية على التوجه به لله تعالى وحده، كشرط رئيس للمثوبة عليه، ولهذا تكرر ذكر شرط الاحتساب "إيماناً واحتساباً" للمثوبة على الصيام، وعلى قيام ليالي رمضان، وكذلك على قيام ليلة القدر، ومن أحكام الصيام المرتبطة بالنية كذلك، الأكل والشرب في نهار رمضان دون تعمد؛ أي دون قصد قلبي، ومن الموضوعات التعبدية المتعلقة بأعمال القلوب وتقلبها في رمضان وغيره إخلاص النوايا والمقاصد لله عند العمل في سبيل الله، وعند إخراج الزكاة والصدقات، وعند تلاوة القرآن الكريم والمشاركة في دروس العلم إعطاء وحضوراً، وعند تطبيق فعل التوسعة على العيال في الشهر الفضيل والعيد الذي يليه، وخلال أيام العام.
وهذه القضايا سيتم التطرق لبعض جوانبها المتعلقة بالقلوب، بمناسبة حلول شهر رمضان المبارك، بالتزامن مع الحديث الجاري عن الحلف بمقلب القلوب، في هذه الزاوية الصحفية، والبداية ستكون لمسألة زمن عقد نية الصيام، ومدى لزوم تبييتها في صيام الفرض والتطوع.

تبييت نية الصيام في ليالي رمضان قبل الفجر
يؤثر حصر الأعمال بالنية على بعض أحكام الصوم، فلأداء صيام صحيح، يقبله الله، ويجازي عليه، تجب النية، التي تظهر أهميتها بداية لتمييز الصيام التعبدي، عن الامتناع عن الشراب والطعام لأسباب غير تعبدية، فيلزم الصائم التوجه لله رب العالمين بنية الشروع في الصيام خالصاً لوجهه الكريم سبحانه، ويتعلق بهذا الشرط الرئيس تحديد زمن الشروع بنية الصيام، وقد فصل العلماء في هذه المسألة، واختلفوا في بعض جوانبها، وجمهور الفقهاء من المالكية والشافعية والحنابلة يوجبون تبييت النية قبل طلوع فجر يوم صيام رمضان أو القضاء والنذور، والصيام الواجب بشكل عام، مستندين لحديث حَفْصَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: "مَنْ لَمْ يُجْمِعِ الصِّيَامَ قَبْلَ الفَجْرِ ، فَلا صِيَامَ لَهُ". (سنن الترمذي، كتاب الصوم، باب ما جاء لا صيام لمن لم يعزم من الليل، وصححه الألباني)

الاختلاف في حديث حفصة هل هو مرفوع أو موقوف
يبين العيني أنه اختلف في رفع حديث حفصة سالف الذكر ووقفه، ورجح الترمذي والنسائي الموقوف، وحكى الترمذي في العلل عن البخاري ترجيح وقفه. (عمدة القاري شرح صحيح البخاري، 16 /352)
قال أبو عيسى ـ الترمذي ـ حديث حفصة حديث لا نعرفه مرفوعاً إلا من هذا الوجه، وقد روي عن نافع عن ابن عمر قوله، وهو أصح، وهكذا أيضاً روي هذا الحديث عن الزهري موقوفاً، ولا نعلم أحداً رفعه إلا يحيى بن أيوب. (سنن الترمذي، 3 /108)
وعن هذا الحديث قال الشيخ الألباني: صحيح (سنن الترمذي، 3 /108) وفي موضع آخر قال: صحيح موقوف، وهو في حكم المرفوع. (سنن الترمذي، 4 /197)
معنى الحديث
قوله: "من لم يجمع": من الإجماع؛ أي من لم ينو. (حاشية السندي على النسائي، 4 /196)، ومعنى "لا صيام لمن لم يجمع الصيام" أن النية قبل طلوع الفجر تلزم في رمضان وفي قضائه، وفي صيام نذر أو أي صيام واجب، وإذا لم ينوه من الليل لم يجزه، وأما صيام التطوع فمباح له أن ينويه بعدما أصبح، وهو قول الشافعي وأحمد وإسحق. (سنن الترمذي، 3 /108)
ومعنى "من لم يبيت الصيام" أي لم ينوه من الليل، يقال: بيت فلان رأيه إذا فكر فيه وخمره، وكل ما فكر فيه ودبر بليل فقد بيت. قال الخطابي: الإجماع إحكام النية والعزيمة، وأجمعت الرأي، وأزمعته، وعزمت عليه، بمعنى. (شرح السيوطي لسنن النسائي، 4 /196)
ويبين الترمذي أنه على تقدير رفع حديث حفصة، فالإطلاق غير مراد، فحمله كثير على صيام الفرض؛ لأنه المتبادر، وبعضهم على غير المتعين شرعاً، كالقضاء والكفارة والنذر المعين، والله تعالى أعلم. (حاشية السندي على النسائي، 4/196)
هل تجزىء النية في أول ليلة في رمضان عن بقية الليالي؟
اختلف العلماء في ذلك، على النحو الآتي:
القول الأول ـ الجمهورـ: لا بد لكل يوم من نية، استناداً لحديث حفصة "من لم يجمع الصيام من الليل فلا صيام له". والقول الثاني، عند المالكية: أن أول نية من رمضان تكفي، لأنها كلها عبادة واحدة؛ قالوا: كالحج، ففيه طواف العمرة وطواف الإفاضة، ولا يحتاج فيها نية، بل تكفي نية الإهلال بالإحرام، وهو أسهل على المكلف، وإن كان الأولى أن ينوي كل يوم نية مستقلة. (شرح كتاب الصوم من المحرر، 1 /3)
يبين المناوي: (من لم يجمع) أي لم يحكم النية ولم يعقد العزيمة، قال القاض: يقال أجمع على الأمر وجمع إذا صمم، ومنه {...وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُواْ أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ} (يوسف:102)؛ أي أحكموه بالعزيمة، ولفظ رواية النسائي من لم يبيت (الصيام قبل الفجر) أي الصادق (فلا صيام له) أي فلا صيام صحيح له، فهو نفي للحقيقة الشرعية، وإن وجد الإمساك، وحمله من يجَّوز الصوم بالنية نهاراً مطلقاً على نفي الكمال. (فيض القدير، 6 /222)
حكم عقد النية لصيام النافلة بعد طلوع الفجر
جاء في صحيح مسلم: باب جَوَازِ صَوْمِ النَّافِلَةِ بِنِيَّةٍ مِنَ النَّهَارِ قَبْلَ الزَّوَالِ، وَجَوَازِ فِطْرِ الصَّائِمِ نَفْلاً مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ. (صحيح مسلم، 3 / 158)
وفيه عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ، رضي الله عنها، قَالَتْ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، ذَاتَ يَوْمٍ «يَا عَائِشَةُ، هَلْ عِنْدَكُمْ شَىيٌ»؟، قَالَتْ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا عِنْدَنَا شَيءٌ، قَالَ: «فَإِنِّي صَائِمٌ»، قَالَتْ: فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، فَأُهْدِيَتْ لَنَا هَدِيَّةٌ - أَوْ جَاءَنَا زَوْرٌ – قَالَتْ: فَلَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أُهْدِيَتْ لَنَا هَدِيَّةٌ - أَوْ جَاءَنَا زَوْرٌ- وَقَدْ خَبَأْتُ لَكَ شَيْئًا، قَالَ: «مَا هُوَ»؟، قُلْتُ: حَيْسٌ، قَالَ: «هَاتِيهِ»، فَجِئْتُ بِهِ فَأَكَلَ، ثُمَّ قَالَ: «قَدْ كُنْتُ أَصْبَحْتُ صَائِمًا». (صحيح مسلم، كتاب الصيام، باب جواز صوم النافلة بنية من النهار قبل الزوال...)
جاء في شرح النووي على مسلم، أن (الحَيْس) بفتح الحاء، هو التمر مع السمن والأقط، و (الزور) بفتح الزاي الزوار، ويقع الزور على الواحد والجماعة القليلة والكثيرة، وقولها: (جاءنا زور وقد خبأت لك) معناه: جاءنا زائرون ومعهم هدية، خبأت لك منها، أو يكون معناه: جاءنا زور فأهدي لنا بسببهم هدية، فخبأت لك منها.
هاتان الروايتان هما حديث واحد، والثانية مفسرة للأولى، ومبينة أن القصة في الرواية الأولى كانت في يومين لا في يوم واحد، كذا قاله القاضي وغيره، وهو ظاهر، وفيه دليل لمذهب الجمهور أن صوم النافلة يجوز بنية في النهار، قبل زوال الشمس، ويتأوله الآخرون على أن سؤاله، صلى الله عليه وسلم: (هل عندكم شيء)؟ لكونه ضعف عن الصوم، وكان نواه من الليل، فأراد الفطر للضعف، وهنا يقول النووي: إن هذا تأويل فاسد، وتكلف بعيد، وفي الرواية الثانية التصريح بالدلالة لمذهب الشافعي وموافقيه في أن صوم النافلة يجوز قطعه، والأكل في أثناء النهار، ويبطل الصوم، لأنه نفل، فهو إلى خيرة الإنسان في الابتداء، وكذا في الدوام، وممن قال بهذا جماعة من الصحابة وأحمد وإسحاق وآخرون، ولكنهم كلهم والشافعي معهم متفقون على استحباب إتمامه.
وقال أبو حنيفة ومالك: لا يجوز قطعه، ويأثم بذلك، وبه قال الحسن البصري ومكحول والنخعي، وأوجبوا قضاءه على من أفطر بلا عذر، قال ابن عبد البر: وأجمعوا على ألا قضاء على من أفطره بعذر، والله أعلم. (شرح النووي على مسلم، 4 /157)
ضمن الحديث المنبثق عن الحلف بمقلب القلوب، وبمناسبة حلول شهر رمضان المبارك، تم الشروع بالحديث عن بعض أحكام الصيام المرتبطة بالنية التي محلها القلب، وقد تعرضت هذه الحلقة لمسألة حكم تبييت نية الصيام في ليالي رمضان، وصيام التطوع قبل الفجر، والعلاقة بين هذه المسألة وتقلب القلوب واضحة، فالنية محلها القلب، وعقدها على عمل كالصيام يكون من القلب، راجين الله العلي القدير أن ييسر متابعة الوقوف عند المزيد من أحوال القلوب المحلوف بمقلبها سبحانه، وصلى الله وسلم، على نبينا محمد، وعلى آل بيته الطاهرين، وأزواجه أمهات المؤمنين، وأصحابه الغر الميامين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
25 شعبان 1447هـ

تاريخ النشر 2026-02-13
 دار الإفتاء الفلسطينية - القدس