عن النُّعْمَان بْنَ بَشِيرٍ أنه سَمِع رَسُولَ اللهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَقُولُ: "...أَلا وَإِنَّ فِي الجَسَدِ مُضْغَةً: إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ، أَلاَ وَهِيَ القَلْبُ". (صحيح البخاري، كتاب الإيمان، باب فضل من استبرأ لدينه)
تعرضت الحلقة السابقة للتذكير القرآني بأن الله يعلم متقلب خلقه ومثواهم، وذلك حسب ما جاء في الآية القرآنية الكريمة التاسعة عشرة من سورة محمد، التي أعلم الله فيها رسوله الكريم محمداً، صلى الله عليه وسلم، أنه ربه لا إله إلا هو، وأمره أن يستغفر لذنبه وللمؤمنين والمؤمنات، وأكد الله فيها أنه يعلم متقلب خلقه ومثواهم، وفهم من هذه الآية أنها نزلت لتسلية النبي، صلى الله عليه وسلم، وتثبيته؛ فلا ينبغي له أن يغتم كثيراً لتصامم أولئك الكفار والمنافقين عن الدعوة، واندفاعهم في الغواية والضلالة، فاللّه كاف له. وليس عليه إلّا الاستمرار في توحيد اللّه، والدعوة إليه، والتقرب إليه بالعبادة، وطلب الغفران لذنبه وذنوب المؤمنين والمؤمنات، واللّه هو العليم بحركاتهم وسكناتهم وحلّهم وترحالهم، وبيده مصائرهم، واستدل بعضهم بهذه الآية على أن النظر والعلم قبل العمل؛ لتقدم قوله: {فاعلم} على قوله: {واستغفر}.
وخاطب الله اثنتين من نسائه، صلى الله عليه وسلم، بقوله تعالى: {إِن تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِن تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ}(التحريم:4)
ومعنى (صَغَتْ) هنا مَالَتْ وَرَضِيَتْ، وَأَحَبَّتْ مَا كَرِهَ رَسُولُ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَقَالَ: و(قُلُوبُكُمَا) جَمْعٌ مَعَ أَنَّهُ لِاثْنَتَيْنِ، هُمَا حَفْصَةُ وَعَائِشَةُ، فَقِيلَ: لِأَنَّ الْمَعْنَى مَعْلُومٌ، وَالْجَمْعَ أَخَفُّ مِنَ الْمُثَنَّى إِذَا أُضِيفَ. وَقِيلَ هُوَ مِمَّا اسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ أَقَلَّ الْجَمْعِ اثْنَيْنِ، كَمَا فِي الْمِيرَاثِ فِي قَوْلِهِ تعالى: {فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ} (النساء:11)
وقيل إن في جمع القلوب، مع أن المخاطب مثنى تفسيرات عديدة، منها أنه إشارة إلى أن القلبين قد أصبحا قلوباً، لما وقع فيهما من خواطر مختلفة، ذهب كل خاطر بشطر منها، فكان كل قلب مجموعة من القلوب.
فالمخاطبتان في الآية القرآنية الكريمة الرابعة من سورة التحريم، هما عائشة وحفصة، ولهذا الخطاب مناسبة فصل وقائعها أمير المؤمنين عمر بن الخطاب لعبد الله بن عباس، رضي الله عنهم، في الحديث الصحيح المطول، المقتبس هذا الجزء منه، والقلوب المتقلبة يلزمها أن تصاغ لتستقيم على الصراط السوي، والتوبة المطلوبة لذلك هي النَصُوحٌ.
وفيه إيماء إلى أن فيما فعلتاه انحرافاً عن أدب المعاشرة الذي أمر الله به، وأن عليهما أن تتوبا مما صنعتاه، ليقع بذلك صلاح ما فسد من قلوبهما.
وفي هذا الخطاب إيماء آخر يتمثل في التحذير من عقوبة دنيوية لهما يأمر الله فيها نبيه، صلى الله عليه وسلم، وهي عقوبة الطلاق، إضافة إلى ما يحصل من المؤاخذة في الآخرة إن لم تتوبا.
وحيث إن الحلف كان الأكثر منه بمقلب القلوب، وقد تم الوقوف عند الحلف والتقلب، وهنا جاء الدور للحديث عن القلوب، التي هي من مكونات الأبدان، وعبر عن القلب بمضغة.
فِي الْجَسَدِ مُضْغَة
الرسول، صلى الله عليه وسلم، في الحديث الذي يرويه عنه الصحابي النعمان بن بشير، حسب المثبت في جزئه أعلاه، وصف القلب بالمضغة، وهي: القطعة من اللحم، وفي هذه التسمية إشارة إلى تصغير هذا العضو؛ لأن أصل المضغة قدر ما يمضغه الإنسان في فيه كاملة للقمة، وتم تصغير هذا العضو بهذا اللفظ لإضافته إلى سائر الجسد. (إكمال المعلم شرح صحيح مسلم: 5/151)
وهذه المضغة أساس في صلاح صاحبها أو فساده، فمن كانت مضغته صالحة فإن أثر ذلك يفشي في جسده كله، والعكس بالعكس، ما يعني لزوم العناية بنقاء القلوب وصرف المؤثرات الضارة عنها. (أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن: 4/266)
قلب واحد
أعضاء جسم الإنسان منها المثنى؛ كاليدين والرجلين والقدمين والعينين والشفتين والكليتين والرئتين، ومنها الواحد؛ كالرأس والكبد والقلب، وقد نفى القرآن الكريم وجود أكثر من قلب للإنسان، فقال عز وجل: {مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ...} (الأحزاب:4) فليس للإنسان قلبان، يؤمن بأحدهما، ويكفر بالآخر، أو: يتقي بأحدهما، ويعصي بالآخر، أو: يُقبل على الله بأحدهما، ويُقبل على الدنيا بالآخر، بل ما للعبد إلا قلب واحد، إن أقبل به على الله؛ أدبر عمن سواه، وإن أقبل به على الدنيا، أدبر عن الله. فلا يجتمع الكفر والإيمان في قلب واحد، وقيل: لا تستقر التقوى ونقض العهد في قلب واحد. وقال ابن عطية: يظهر من الآية، بجملتها، أنها نفي لأشياء كانت العرب تعتقدها، فكانت تقول: الإنسان له قلب يأمره، وقلب ينهاه. (البحر المديد: 6/5)
ويذكر الطاهر بن عاشور أن الإشارة بقوله: {مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ} إلى أكذوبة من أكاذيب الجاهلية؛ كانوا يزعمون أن جميل بن معمر -ويقال: ابن أسد- بن حبيب الجمحي الفهري -وكان رجلاً داهية قوي الحفظ- أن له قلبين يعملان ويتعاونان، وكانوا يدعونه ذا القلبين، يريدون العقلين؛ لأنهم كانوا يحسبون أن الإدراك بالقلب، وأن القلب محل العقل، وقد غره ذلك أو تغاور به، فكان لشدة كفره يقول: "إن في جوفي قلبين أعمل بكل واحد منهما عملاً أفضل من عمل محمد"، وسموا بذي القلبين أيضاً عبد الله بن خطل التيمي، وكان يسمى في الجاهلية عبد العزى، وأسلم فسماه رسول الله، صلى الله عليه وسلم، عبد الله، ثم كفر وقتل صبراً يوم فتح مكة، وهو الذي تعلق بأستار الكعبة، فلم يعف عنه، فنفت الآية زعمهم نفياً عاماً، أي ما جعل الله لأي رجل من الناس قلبين، لا لجميل بن معمر، ولا لابن خطل، فوقوع {رَجُلٍ} وهو نكرة في سياق النفي يقتضي العموم، ووقوع فعل {جَعَلَ} في سياق النفي يقتضي العموم؛ لأن الفعل في سياق النفي مثل النكرة في سياق النفي. ودخول {مِنْ} على {قَلْبَيْنِ} للتنصيص على عموم قلبين في جوف رجل، فدلت هذه العموميات الثلاثة على انتفاء كل فرد من أفراد الجعل لكل فرد مما يطلق عليه أنه قلبان، عن كل رجل من الناس، فدخل في العموم جميل بن معمر وغيره، بحيث لا يدعى ذلك لأحد أياً كان. (التحرير والتنوير: 21/183)
وقلوب الخلق أنواع، منها الجيد الطيب، ومنها السيء الرديء، ويمكن توضيح ذلك بالوقوف عند بعض أنواع القلوب.
القلوب الواجفة
وصفت بعض القلوب بالواجفة، فقال تعالى: {قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ} (النازعات:8) وأصحاب القلوب الواجفة ينكرون البعث، ومعنى {واجفةٌ}؛ مضطربة، من: الوجيف، وهو الاضطراب. (البحر المديد: 8 /346) وسمي الوجيف في السير لشدة هزه واضطرابه. (التبيان تفسير غريب القرآن: ص447) ويذكر د. عبد الكريم الخطيب أن الوجيف: ضرب من السير السريع، فيه اضطراب للركاب من حركة عدو الحيوان الذي يركبه، ومنه وجيف القلوب، أي اضطرابها، ومثل هذا ما يشير إليه قوله تعالى: {قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ واجِفَةٌ}. (التفسير القرآني للقرآن: 1/409) ويضيف د. الخطيب: وهو إخبار عن حال المشركين الذين يكذبون بيوم الدين، وذلك حين تطلع عليهم أمارات الساعة، وإرهاصاتها.
ويبين أن في الإخبار عن القلوب، دون أصحابها، إشارة إلى أن القلوب في هذا اليوم، هي التي تتلقى هذه الأحداث، وتتفاعل بها، وأن الإنسان في هذا اليوم قد استحال إلى قلب واجف مضطرب، كل جارحة فيه، وكل عضو من أعضائه قد صار قلباً؛ يدرك، ويشعر، وينفعل. وذلك من شدة وقع الأحداث، التي يتنبه لها كيان الإنسان كله. وفي تنكير القلوب، إشارة إلى أنها قلوب غير تلك القلوب التي عهدها الناس، إنها هذا الإنسان المجتمع فيها بكل أعضائه وجوارحه. (التفسير القرآني للقرآن: 2/433)
رأفة في القلوب ورحمة
من أنواع القلوب وأصنافها تلك التي يجمع الله فيها الرأفة والرحمة، وعنها يقول عز وجل: {...وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً ...} (الحديد:27) يبين الماوردي أن هذا يحتمل وجهين: أحدهما: أن الرأفة اللين، والرحمة الشفقة. الثاني: أن الرأفة تخفيف الكل، والرحمة تحمل الثقل. (النكت والعيون: 5/484)
ويبين عبد القادر الديرزوري أن هاتين الخلتين من صفات أصحاب محمد، صلى الله عليه وسلم، الآتية في آخر سورة الفتح. (بيان المعاني: 6/17)
قال مقاتل: المراد من الرأفة والرحمة هو أنهم كانوا متوادين بعضهم مع بعض، كما وصف الله أصحاب محمد، عليه الصلاة والسلام، بذلك في قوله: {رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ} (الفتح: 29). (تفسير الرازي: ص4418)
فالله تعالى يقول في آخر سورة الفتح: {مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ...} (الفتح: 29)
ويبين الألوسي أن الرأفة في المشهور الرحمة، لكن قال بعض الأفاضل: إنها إذا ذكرت معها يراد بالرأفة ما فيه درء الشرب، ورأب الصدع، وبالرحمة ما فيه جلب الخير، ولذا ترى في الأغلب تقديم الرأفة على الرحمة، وذلك لأن درء المفاسد أهم من جلب المصالح. (روح المعاني: 27/190)
فضمن الحديث المنبثق عن الحلف بمقلب القلوب، وقفت هذه الحلقة عند وصف القلب بالمضغة، وأن فِي الْجَسَدِ قلباً واحداً، ومن القلوب الواجفة، ومنها التي جعل الله فيها رأفة ورحمة.
سائلين الله العلي القدير التوفيق للوقوف عند مزيد من الموضوعات والقضايا ذات الصلة بالقلوب وتقلبها، وبمتعلقات ذلك، حسب ما ثبت في الآيات القرآنية والأحاديث الصحيحة المروية عن نبينا محمد، صلى الله وسلم عليه، وعلى آل بيته الطاهرين، وأزواجه أمهات المؤمنين، وأصحابه الغر الميامين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
27 ذو القعدة 1447هـ