يفسد الصيام بتناول شيء من المفطرات بقصد قلبي ويعفى الناسي القلبي
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، رَضِيَ اللهُ عَنْه، عَنِ النَّبِيِّ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: "إِذَا نَسِيَ فَأَكَلَ وَشَرِبَ فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ، فَإِنَّمَا أَطْعَمَهُ اللهُ وَسَقَاهُ". (صحيح البخاري، كتاب الصوم، باب الصائم إذا أكل أو شرب ناسياً)
أكدت الحلقة السابقة على أن جزاء الصيام والقيام يرتبط أولا ًبالقصد القلبي، من هنا اشترط الإيمان والاحتساب للصيام والقيام المترتب عليهما غفران ذنوب القائم بهما، وتم فيها بيان معنى الإيمان والاحتساب، فقيل: إن معنى "إيماناً واحتساباً" أي: طلباً للأجر، وهما في الإعراب مفعول له؛ أي الحامل له على ذلك الإيمان بالله، أو بما ورد في فضله مثلاً، وكذا الحامل له طلب الأجر من الله، لا الرياء والسمعة، من هنا تتبين بوضوح الصلة الوثيقة بين جزاء الصيام والقيام، وبين أعمال قلوب الذين يقومون بهما، فمن انبعث صيامه وقيامه من قصد نيل مرضاة الله يختلف عمن افتقر لهذا الشرط، والمراد بقيام رمضان صلاة التراويح، واتفق العلماء على استحبابها، وصيغة: "من قام رمضان" تقتضي الترغيب والندب دون الايجاب، وكون الصيام والقيام مشترط لقبلوهما قصد وجه الله فيهما، يعني لا بد لهما من الانطلاق من بواعث قلبية مخلصة وصادقة، وقد تم إبراز هذا الشرط في الأحاديث النبوية الشريفة التي وعد فيها الصائمون والقائمون بالمغفرة، واشتراط الإيمان والاحتساب يلزم ليس لفرائض الأعمال والشعائر التعبدية المتضمنة في أركان الإسلام فحسب، بل يلزم كذلك للجزاء والمثوبة على الأعمال التطوعية التي يُبتغى بها وجه الله تعالى، كما جاء بشأن جائزة مشيع الجنازة والمصلي عليها، فاتباع الجنائز والصلاة عليها ابتغاء مرضاة الله، وعملاً بسنة نبيه العدنان، صلى الله عليه وسلم، تجلب لمن يؤدي هذه السنة خيراً وافراً، حيث يجازيه الله بقيراطين، كل واحد منهما مثل جبل أحد، وما أدراك ما جبل أحد، وللمرء أن يتصور كم قيراط من هذا القبيل سيناله من يحرص على اتباع الجنائز والصلاة عليها، إنه جزاء وافر عظيم، لكن يجب أن يكون الدافع للقيام بهذا العمل المسنون الإيمان والاحتساب، وهما في أصلهما من أعمال القلوب، التي يقلبها الله كيف يشاء.
الناسي الذي يفعل المفطرات دون تعمد قلبي
تواصلاً مع مسائل الصيام المتعلقة بأعمال القلوب التي يقلبها الله كيف يشاء، فإن النية القلبية للشروع بالصيام الشرعي، تشترط كذلك للأعمال التي تفسد الصوم، عند تناول إحدى المفطرات في نهار الصيام، وحديث أبي هريرة المثبت نصه أعلاه، يدل بوضوح على هذا المبدأ، وقد جاء في صحيح البخاري: بَابُ الصَّائِمِ إِذَا أَكَلَ أَوْ شَرِبَ نَاسِيًا، وفيه َقَالَ عَطَاءٌ: (إِنِ اسْتَنْثَرَ فَدَخَلَ الْمَاءُ فِي حَلْقِهِ لَا بَأْسَ إِنْ لَمْ يَمْلِكْ، وَقَالَ الْحَسَنُ: إِنْ دَخَلَ حَلْقَهُ الذُّبَابُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ. وَقَالَ الْحَسَنُ وَمُجَاهِدٌ: إِنْ جَامَعَ نَاسِيًا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ). (صحيح البخاري، كتاب الصوم، باب الصائم إذا أكل أو شرب ناسياً)
وروى مسلم هذا الحديث في صحيحه، تحت: باب أَكْلُ النَّاسِي وَشُرْبُهُ وَجِمَاعُهُ لاَ يُفْطِرُ. (صحيح مسلم)
يبين النووي أن الحديث المثبت نصه أعلاه فيه دلالة لمذهب الأكثرين أن الصائم إذا أكل أو شرب أو جامع ناسياً لا يفطر، وممن قال بهذا الشافعي وأبو حنيفة وداود وآخرون، وقال ربيعة ومالك يفسد صومه، وعليه القضاء دون الكفارة. وقال عطاء والأوزاعي والليث: يجب القضاء في الجماع دون الأكل. وقال أحمد: يجب في الجماع القضاء والكفارة، ولا شيء في الأكل. (صحيح مسلم بشرح النووي، 8 /34-35)
العفو عن الناسي يستند إلى مبدأ التكليف بالمقدور والمستطاع
يرتكز العفو عن فعل الفطر الناتج عن نسيان، إلى مبدأ الرحمة الربانية، التي بمقتضاها يرفع التكليف عن غير المستطيع، والله تعالى يقول:{لا يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْساً إِلا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنتَ مَوْلاَنَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ} (البقرة:286)
ومعنى {رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا} أي تركنا الصواب لا عن عمد، كما أخذت به من قبلنا، وقد رفع الله ذلك عن هذه الأمة، فسؤاله اعتراف بنعمة الله، {وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْراً} يثقل علينا حمله، {كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا}، أي بني إسرائيل من قتل النفس في التوبة، وإخراج ربع المال في الزكاة، وقرض موضع النجاسة، {وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ} أي لا تكلفنا من الأعمال ما لا نطيق القيام به؛ لثقل حمله علينا، وتكليف ما لا يطاق على وجهين:
أحدهما: ما ليس في قدرة العبد احتماله، كتكليف الأعمى النظر، فهذا النوع من التكليف لا يكلف الله به عبده بحال.
الوجه الثاني: من تكليف ما لا يطاق، هو ما في قدرة العبد احتماله مع المشقة الشديدة، والكلفة العظيمة كتكليف الأعمال الشاقة، والفرائض الثقيلة، كما كان في ابتداء. (تحفة الأحوذي، 8 /270)
والله ما جعل علينا في الدين من حرج، مصداقاً لقوله عز وجل: {...مَا يُرِيدُ اللّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ ...} (المائدة:6) وقوله تعالى: {...وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ...} (الحج:78) ولولا العفو عن الناسي لوقع بالعابدين حرج يفوق طاقاتهم ومقدورهم، ففعل الناسي لا ينبعث عن قصد قلبي، وبالتالي يُعفى صاحبه من المؤاخذة والحساب.
وهذا المبدأ لا ينحصر تطبيقه على مسائل الصيام، بل ينطبق على المسائل المشابهة الأخرى، ففي الصلاة قد ينسى المصلي، فيجلس في الصلاة الرباعية بعد الركعة الثالثة مثلاً، ظناً منه أنها الرابعة، أو يسلم بعد الثانية في الصلاة الرباعية، وهذا ما حصل مع النبي، صلى الله عليه وسلم، كما ثبت في حديث ذو اليدين، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قَالَ: "صَلَّى بِنَا النَّبِيُّ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، الظُّهْرَ أَوِ الْعَصْرَ فَسَلَّمَ، فَقَالَ لَهُ ذُو الْيَدَيْنِ: الصَّلَاةُ يَا رَسُولَ اللهِ أَنَقَصَتْ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لِأَصْحَابِهِ: أَحَقٌّ مَا يَقُول؟ قَالُوا: نَعَمْ. فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ أُخْرَيَيْنِ ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، قَالَ سَعْدٌ: وَرَأَيْتُ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ صَلَّى مِنَ الْمَغْرِبِ رَكْعَتَيْنِ فَسَلَّمَ، وَتَكَلَّمَ، ثُمَّ صَلَّى مَا بَقِيَ، وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، وَقَالَ: هَكَذَا فَعَلَ النَّبِيُّ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ". (صحيح البخاري، كتاب ما جاء في السهو، باب إذا سلم في ركعتين أو ثلاث فسجد سجدتين)
وفي روايات صحيحة سأل ذو اليدين الرسول، صلى الله عليه وسلم، لما حصل منه في تلك الصلاة ما حصل، فَقَالَ له: "أَنَسِيتَ أَمْ قَصُرَتْ؟ فَقَالَ: لَمْ أَنْسَ، وَلَمْ تُقْصَرْ قَالَ: بَلَى قَدْ نَسِيتَ". (صحيح البخاري، كتاب ما جاء في السهو، باب من يكبر في سجدتي السهو)
وفي الأيمان يُعفى من الكفارة من يحلف لغواً، بينما يلزمها الحانث بالمنعقدة، والله تعالى يقول: {لا يُؤَاخِذُكُمُ اللّهُ بِاللَّغْوِ فِيَ أَيْمَانِكُمْ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ} (البقرة:225) يقول ابن حجر: فَالنِّسْيَان لَيْسَ مِنْ كَسْب الْقَلْب، وَمُوَافِقٌ لِلْقِيَاسِ فِي إِبْطَالِ الصَّلَاةِ بِعَمْدِ الْأَكْلِ، لَا بِنِسْيَانِهِ، فَكَذَلِكَ الصِّيَام. وَفِي الْحَدِيثِ لُطْفُ اللَّهِ بِعِبَادِهِ، وَالتَّيْسِير عَلَيْهِمْ، وَرَفْعُ الْمَشَقَّةِ وَالْحَرَجِ عَنْهُم. (فتح الباري، 6 /182)
فالصائم الذي يأكل أو يشرب أو يأتي بأي من مفطرات الصيام، يواصل صيامه، ويعفى من القضاء، وهذا يشمل الذي يصوم فرضاً كرمضان والقضاء أو نذراً، ويشمل كذلك الذي يصوم نفلاً أو تطوعاً.
والوضع السليم شرعاً لمن صدر عنه تصرف أو سلوك بسبب النسيان دون تعمد قلبي، أن يعود إلى الصواب فور تذكره، والله تعالى يقول: {وَاذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَن يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَداً} (الكهف:24) يَعْنِي إِنْ قُلْتَ سَأَفْعَلُ كَذَا غَدًا، ثُمَّ نَسِيتَ أَنْ تَقُولَ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ تَذَكَّرْتَ بَعْدَ ذَلِكَ، فَاذْكُرْ رَبَّكَ، أَيْ قُلْ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ، أَيْ لِتَتَدَارَكَ بِذَلِكَ الْأَدَبَ مَعَ اللَّهِ الَّذِي فَاتَكَ عِنْدَ وَقْتِهِ، بِسَبَبِ النِّسْيَانِ. (أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن، 7 /266) فالذي يقع في الخطأ ناسياً يعفى من المؤاخذة، لكن عليه الرجوع إلى الصواب عند التذكر وزوال سبب الإعفاء وهو النسيان.
إِنَّمَا أَطْعَمَهُ اللَّهُ وَسَقَاهُ
يُعفى الصائم الذي يأكل أو يشرب ناسياً في نهار صومه، بمسوغ أن الله أطعمه وسقاه، فهو لم يتعمد الفطر، أي أن ما حصل له كان بسبب غياب القصد القلبي، وبالتالي تكون حقيقة إسناد فعل الإفطار مسنودة لله الذي يقلب القلوب سبحانه، وإلا فالصائم الناسي حين تناوله للمفطر لم يكن صاحب الفعل حقيقة، وإنما الذي أداه إليه هو الله، مقلب القلوب، وبالنسبة لقوله، صلى الله عليه وسلم: " إِنَّمَا أَطْعَمَهُ اللَّهُ وَسَقَاهُ" يذكر ابن بطال أن هذا إثبات عذر الناسي، وعلة لسقوط الكفارة عنه، وأن النسيان، لا يرفع نية الصوم التي بيتها، فأمره، عليه الصلاة والسلام، بإتمام العمل على النية، وأسقط عنه الكفارة، لأنه ليس كالمنتهك العامد. (شرح صحيح البخاري لابن بطال، 4 /61)
وينسب إلى الطيبي قوله: "إنما" للحصر؛ أي ما أطعمه أحد ولا سقاه إلا الله، فدل على أن هذا النسيان من الله تعالى ومن لطفه في حق عباده، تيسيراً عليهم، ودفعاً للحرج، وقال الخطابي: النسيان ضرورة، والأفعال الضرورية غير مضافة في الحكم إلى فاعلها، ولا يؤاخذ بها (عون المعبود، 7 /23)
فضمن الحديث المنبثق عن الحلف بمقلب القلوب، وبمناسبة حلول شهر رمضان المبارك، تم الوقوف هنا عند مسألة: فساد الصيام بتناول شيء من المفطرات بقصد قلبي، وإعفاء الناسي، وتفرع عنها مسألة الأكل ناسياً دون تعمد قلبي وحكم ذلك، مع بيان أن العفو عن الناسي يستند إلى مبدأ رفع التكليف عن غير المستطيع، ورفع الحرج عن العباد والله تعالى يقول: {لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا}، وأن الله إِنَّمَا أَطْعَمَ الناسيُ وَسَقَاهُ، حسب ما ثبت في الأحاديث الصحيحة عن نبينا محمد، صلى الله عليه وسلم، وعلى آل بيته الطاهرين، وأزواجه أمهات المؤمنين، وأصحابه الغر الميامين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
10 رمضان 1447هـ