.:: الرسول الأسوة صلى الله عليه وسلم ::.

يكثر من الحلف بمقلب القلوب - الحلقة السادسة عشرة

==========================================================

أعلمه ربه جل جلاله بوحدانيته، وأمره بالاستغفار لذنبه وللمؤمنين والمؤمنات، وأكد سبحانه أنه يعلم متقلب خلقه ومثواهم، فقال تعالى: {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ} (محمد:19)
أحوال المنقلبين تتباين، بسبب فئاتهم وأعمالهم، ووقفت الحلقة السابقة عند انقلاب البصر خاسئاً يوم القيامة، حسب الثابت في الآية القرآنية الرابعة من سورة الملك، ومعنى ينقلب هنا أي يرجع إليك البصر. وفي (خاسئاً) أربعة أوجه: ذليلاً، ومنقطعاً، وكليلاً، ومبعداً، وهو لفظ مأخوذ من خسأت الكلب، إذا أبعدته.
فمعنى الآية أنك إذا نظرت إلى السماء مرة بعد مرة لترى فيها شقاقاً أو خلالاً، رجع بصرك ولم تر شيئاً من ذلك، فكأنه خاسئ؛ لأنه لم يحصل له ما طلب من رؤية الشقاق والخلل، وهو مع ذلك كليل من شدة النظر وكثرة التأمل. ووعد الله من يؤتى كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ بأن يُحَاسَبُ يوم القيامة حِسَابًا يَسِيرًا، وأن يرجع إلى أهله في الجنة مسروراً بما أعطاه الله، والأهل زوجاته في الجنة من نساء الدنيا، أو من الحور العين، ويحتمل أن يريد قرابته من المؤمنين.
وفي سياق الآيات نفسها من سورة الانشقاق ذكر سبحانه السرور في الأهل، لكن ليس لأصحاب اليمين، وإنما لأضادهم، ممن أوتوا كتبهم وراء ظهورهم، وهنا جاء تذكير هذه الفئة بحالها السابق المتسم بالسرور في الأهل حال الانحراف عن الجادة، بينما في الآيات السابقة كان وعداً بالانقلاب إلى الأهل مسروراً، فكان هؤلاء في الدنيا مسرورين مع أهليهم، متنعمين غافلين عن الآخرة، وهذا في مقابلة ما حكى عن المؤمن في الآيات السابقة أنه ينقلب إلى أهله مسروراً في الجنة، فهذا المقطع من آيات سورة الانشقاق يبين الله فيها مصائر الناس يوم القيامة: فكل إنسان ساع في حياته الدنيا. وكل ساع ملاق عند ربه نتيجة سعيه؛ فالذي يُعطى يوم القيامة كتاب عمله بيمينه يكون حسابه يسيراً هيناً، ويعود إلى أهله راضياً مسروراً.
والذي يُعطى كتاب عمله من وراء ظهره، فيتمنى الموت، فلا يناله، ويندب حظه، ويصلى النار المستعرة جزاء ما قدمت يداه؛ لأنه كان في حياته مغروراً بما كان له من قوة ومال، وما كان يتمتع به من هدوء البال والنعم، غير حاسب لحساب الآخرة؛ لأنه كان موقناً بعدم البعث بعد الموت، في حين كانت عين اللّه مراقبة له، وبصيرة به، ومحصية عليه عمله. والمتدبر في هذه الآيات الكريمة يلحظ الانقلاب الذي يحصل للناس بعد رحيلهم عن الدنيا، فمن كان في الدنيا مشفقاً من حساب ربه وعذابه ينقلب إلى أهله مسروراً، فالذي يؤتى كتابه بيمينه، فهو من أهل السلامة والنجاة. يحاسب حساباً يسيراً، لا رهق فيه، ولا عسر، ثم ينقلب من هذا الحساب، وقد برئت ساحته، يزف إلى أهله من إخوانه المؤمنين بشرى نجاته وسلامته، وقد غمره السرور، وفاض عليه البِشْر، فلا يملك إلا أن يهتف بكل من يلقاه من أهل المحشر: {هاؤُمُ اقْرَءُوا كِتابِيَهْ} (الحاقة:19)
وأشار القرآن الكريم إلى منقلب صعب ينقلبه الظالمون جراء ما اقترفوا، فتوعدهم عز وجل بقوله: {...وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ} (الشعراء:227)
والفرق بين المنقلب والمرجع، أن المنقلب الانتقال إلى ضد ما هو فيه، والمرجع العود من حال هو فيها إلى حال كان عليها، فصار كل مرجع منقلباً، وليس كل منقلب مرجعاً.
الله يعلم متقلب خلقه ومثواهم
الآية القرآنية الكريمة التاسعة عشرة من سورة محمد المثبت نصها أعلاه، يُعلم الله فيها رسوله الكريم محمداً، صلى الله عليه وسلم، أنه ربه لا إله إلا هو، ويأمره أن يستغفر لذنبه وللمؤمنين والمؤمنات، ويؤكد الله فيها أنه يعلم متقلب خلقه ومثواهم، وقد جاء في التفسير الحديث أن في هذه الآية الكريمة التفاتاً إلى النبي، صلى اللّه عليه وسلم، على سبيل التعقيب على الآيات السابقة. كأنما أريد أن يقال له فيها -واللّه أعلم- بقصد التسلية والتثبيت: إنه لا ينبغي أن يغتم كثيراً لتصامم أولئك الكفار والمنافقين عن الدعوة، واندفاعهم في الغواية والضلالة، فاللّه كاف لهم، وليس عليه إلّا الاستمرار في توحيد اللّه، والدعوة إليه، والتقرب إليه بالعبادة، وطلب الغفران لذنبه وذنوب المؤمنين والمؤمنات، واللّه هو العليم بجميع حركاتهم وسكناتهم وحلّهم وترحالهم، وبيده مصائرهم، ومثل هذه الآية كثير في مقام التعقيب والتطمين في مثل هذه المواقف. (التفسير الحديث: ص5066) ويذكر ابن جزى استدلال بعضهم بهذه الآية على أن النظر والعلم قبل العمل؛ لأنه قدم قوله: {فَاعْلَمْ} على قوله: {وَاسْتَغْفِرْ}. (التسهيل لعلوم التنزيل: 3/48)
صوغ القلوب
خاطب الله اثنتين من نسائه، صلى الله عليه وسلم، بقوله تعالى: {إِن تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِن تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ} (التحريم:4)
يبين الشنقيطي أن (صَغَتْ): بمعنى مالت ورضيت، وأحبت ما كره رسول الله، صلى الله عليه وسلم. وقال: (قُلُوبُكُمَا) جمع مع أنه لاثنتين هما حفصة وعائشة، فقيل: لأن المعنى معلوم، والجمع أخف من المثنى إذا أُضيف، وقيل: هو مما استدل به على أن أقل الجمع اثنين، كما في الميراث في قوله: {فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ} (النساء:11)
وجواب الشرط في قوله تعالى: {إِنْ تَتُوبَا} محذوف، تقديره: فذلك واجب عليكما؛ لأن قلوبكما مالت إلى ما لا يحبه رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وقدره القرطبي: بـ "ذلك خير لكم"، ومعناهما متقارب. (أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن: 8/220)
مناسبة نزول هذه الآية الكريمة
المخاطبتان في الآية القرآنية الكريمة الرابعة من سورة التحريم المثبت نصها أعلاه، هما عائشة وحفصة، الأولى بنت أبي بكر الصديق، والأخرى بنت عمر بن الخطاب، رضي الله عنهم، حسب ما ثبت من خبرهما في الحديث الصحيح عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، قَالَ: (لَمْ أَزَلْ حَرِيصًا عَلَى أَنْ أَسْأَلَ عُمَرَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ المَرْأَتَيْنِ مِنْ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، اللَّتَيْنِ قَالَ اللَّهُ لَهُمَا: {إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا} (التحريم: 4) فَحَجَجْتُ مَعَهُ، فَعَدَلَ وَعَدَلْتُ مَعَهُ بِالْإِدَاوَةِ، فَتَبَرَّزَ حَتَّى جَاءَ، فَسَكَبْتُ عَلَى يَدَيْهِ مِنَ الْإِدَاوَةِ فَتَوَضَّأَ، فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ، مَنِ المَرْأَتَانِ مِنْ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، اللَّتَانِ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لَهُمَا: {إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا} [التحريم: 4]؟ فَقَالَ: وَاعَجَبِي لَكَ يَا ابْنَ عَبَّاسٍ، عَائِشَةُ وَحَفْصَةُ، ثُمَّ اسْتَقْبَلَ عُمَرُ...) (صحيح البخاري، كتاب المظالم والغصب، باب الغرفة والعلية المشرفة وغير المشرفة في السطوح وغيرها)
فلهذا الخطاب مناسبة فصل وقائعها أمير المؤمنين عمر بن الخطاب لعبد الله بن عباس، رضي الله عنهم، في الحديث الصحيح المطول، المقتبس هذا الجزء منه.
صوغ القلوب لتستقيم على أمر الله
المراد في هذا المقام التركيز على العبارة المتضمنة في هذه الآية الكريمة، فالقلوب المتقلبة يلزمها أن تصاغ لتستقيم على الصراط السوي، ويذكر ابن جزي أن هذا خطاب لعائشة وحفصة، وتوبتهما مما جرى منهما في قصة تحريم الجارية أو العسل، ومعنى {صَغَتْ} أي مالت عن الصواب، وقرأ ابن مسعود (زاغت) والمعنى إن تتوبا إلى الله فقد صدر منكما ما يوجب التوبة، وإن تظاهرا عليه، فإن الله هو مولاه، المعنى إن تعاونتما عليه، صلى الله عليه وسلم، بما يسوؤه من إفراط الغيرة، وإفشاء سره، ونحو ذلك، فإن له من ينصره. (التسهيل لعلوم التنزيل: 3/197) ويبين الشنقيطي أن التوبة أُطْلِقَتِ هُنَا وَقُيِّدَتْ فِي الْآيَةِ بَعْدَهَا بِأَنَّهَا تَوْبَةٌ نَصُوحٌ، فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا} (التحريم: 8).
وقيل: إن في جمع القلوب، مع أن المخاطب مثنى تفسيرات عديدة، منها أنه إشارة إلى أن القلبين قد أصبحا قلوباً، لما وقع فيهما من خواطر مختلفة، ذهب كل خاطر بشطر منها، فكان كل قلب مجموعة من القلوب. (التفسير القرآني للقرآن: 2/76)
ويذكر الطاهر بن عاشور أن في هذا الخطاب إيماء إلى أن فيما فعلتاه انحرافاً عن أدب المعاشرة الذي أمر الله به، وأن عليهما أن تتوبا مما صنعتاه، ليقع بذلك صلاح ما فسد من قلوبهما. (التحرير والتنوير: 28 /319)
وأشار إلى إيماء آخر في هذا الخطاب يتمثل في التحذير من عقوبة دنيوية لهما يأمر الله فيها نبيه، صلى الله عليه وسلم، وهي عقوبة الطلاق، إضافة إلى ما يحصل من المؤاخذة في الآخرة إن لم تتوبا. (التحرير والتنوير: 28/ 322)
فضمن الحديث المنبثق عن الحلف بمقلب القلوب، وقفت هذه الحلقة عند التذكير بعلم الله بمتقلب خلقه ومثواهم، وعند معنى صوغ القلوب، ومناسبة نزول الآية الكريمة الرابعة من سورة التحريم التي ذكر فيها هذا الصوغ، وأنه مطلوب للاستقامة على أمر الله، سائلين الله العلي القدير التوفيق للوقوف عند مزيد من الموضوعات والقضايا ذات الصلة بالقلوب وتقلبها، وبمتعلقات ذلك، حسب ما ثبت في الآيات القرآنية والأحاديث الصحيحة المروية عن نبينا محمد، صلى الله وسلم عليه، وعلى آل بيته الطاهرين، وأزواجه أمهات المؤمنين، وأصحابه الغر الميامين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
20 ذو القعدة 1447هـ

تاريخ النشر 2026-05-08
 دار الإفتاء الفلسطينية - القدس