.:: الرسول الأسوة صلى الله عليه وسلم ::.

يكثر من الحلف بمقلب القلوب - الحلقة التاسعة عشرة

==========================================================

ينفي الله عن رسوله محمد، صلى الله عليه وسلم، الفظاظة وقسوة القلب، فيقول جل شأنه: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ}(آل عمران:159)
بمناسبة عيد الأضحى المبارك، وأداء مناسك الحج لهذا العام، تعرضت الحلقة السابقة لأمور ذات صلة بالتقوى، التي محلها القلب، فأشارت إلى تأكيد الأمر بالتزود بالزاد، تنبيهاً بالتفريع على أنه من التقوى؛ لأن فيه صيانة ماء الوجه والعرض. وجِمَاعُ تقوى أولي الألباب مخالفة الهَوى، ومحبة المولَى، وأشار الله تعالى إلى أهمية بارزة للتقوى خلال ذكر {الْبُدْن} التي هي من شعائر الله، فبين سبحانه أن الأهم من نحر {الْبُدْن} والتقرب بلحومها لله هدياً بالغ الكعبة، أن ينبع القيام بهذه الشعيرة من تقوى، والمراد: لن تصلوا إلى رضا الله باللحوم ولا بالدماء، وإنما تصلون إليه بالتقوى، أي: بالإخلاص لله، وقصد وجه الله، بما تذبحون وتنحرون من الهدايا، فالتقوى التي محلها القلب، أهم من الأعمال والشعائر الظاهرة التي يقوم بها العابد بجوارحه، فهذه على الرغم من ضرورة القيام بها كونها من متطلبات الحج والعمرة، لكن انطلاقها من التقوى والمقاصد المخلصة لله أساس لقبولها.
وتأكيداً للإشادة فيها بالتقوى التي محلها القلب، أثنى الله في القرآن الكريم على أنواع من القلوب، فبين أن العبرة الأهم أن يأتي المرء ربه بقلب سليم، وهذا مقطع من دعاء إبراهيم، عليه السلام، ليكون من المصطفين الأخيار، للتعليم والاقتداء به، فسأل ربه أن يهبه قلباً سليماً، وهو الخالي من العقائد الفاسدة، والأخلاق الرذيلة، والميل إلى المعاصي، وعلى رأسها الكفر والشرك والنفاق، ومدح الله في سورة الصافات إبراهيم، عليه السلام، كونه جاء ربه بقلب سليم، وفي سورة (ق) أثنى الله على من يأتيه يوم القيامة بقلب منيب، أي حضر يوم الحشر مصاحباً قلبه المنيب إلى الله، فمات موصوفاً بالإنابة، ولم يبطل عمله الصالح في آخر عمره.
غلظ القلب
تتباين مع القلوب المفعمة بالرأفة والرحمة، تلك الغليظة القاسية، وقد نفى الله عن قلب نبيه، صلى الله عليه وسلم، هذه الصفة السلبية كما هو مبين في الآية القرآنية الكريمة 159 من سورة آل عمران المثبت نصها أعلاه، أي لو كنت يا محمد فظّاً جافياً سيء الخلق، {غليظ القلب} قاسيَهُ، فأغلظت لهم القول، {لانفضوا من حولك} أي: لتفرقوا عنك، ولم يسكنوا إليك. (البحر المديد:1/529)
والغلظة مجاز عن القسوة، وقلة التسامح، كما كان اللين مجازاً في عكس ذلك.
ويذكر د. عبد الكريم الخطيب أن هذه لفتة خاصة من اللّه سبحانه إلى رسوله الكريم، صلى الله عليه وسلم، وأن اللّه سبحانه وتعالى قد أودع قلب نبيّه الرّحمة بالمؤمنين، ليكون فيهم الأب الودود الرحيم، يرعى أبناءه، ويسدّد خطاه، ويتقبل من محسنهم، ويعفو عن مسيئهم. هكذا النبيّ، صلى الله عليه وسلم، في مجتمع المسلمين، إنه أب لهذه الأسرة الكبيرة، يسعها قلبه الكبير، بعطفه، وحلمه، ومودته. وشهد الله له بتحليه بهذه الصفة، فقال عز وجل: {لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ} (التوبة:128) فعلى هذا الخلق الكريم صنعه اللّه وطبعه، وبهذه الرحمة أرسله رحمة وهدى للعالمين. وفي هذا كشف للطبيعة البشرية، وأن الناس إنما يألفون من يتألفهم، ويحسن إليهم، ويلقاهم بالصفح الجميل، وعلى غير هذا من كان حادّ الطبع، شرس الخلق، غليظ القلب، لا يقيل عثرة، ولا يغفر زلة، إنه لن يجد من الناس إلّا المقت والنفور.
وأنه إذا صح لإنسان ـ وهو غير صحيح ـ أن يسوّي حسابه مع الناس على هذا الوجه، القائم على الغلظة والشدة، والمنتهي به إلى القطيعة والعزلة؛ فإنه لا يصح أبداً، ولا يستقيم بحال، لمن كان بمكان الرياسة والقيادة لأي جماعة من الجماعات، كثر عددهم أو قلّ، فإن الخيط الذي يمسك به كيان الجماعة ويشدّها إليه، هو ما يفيض عليها من قلبه، من رحمة، وحب، ولين، ولطف، وإلّا تقطعت بينه وبينها الأسباب، ولو كانوا أبناءه وخاصة أهله! (التفسير القرآني للقرآن: 2/ص121-122)
قلوب كالحجارة أو أشد قسوة
شبه الله القلوب القاسية بالحجارة، وتكون بعض القلوب أحياناً أشد قسوة من الحجارة، حسب قوله عز وجل: {ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاء وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللّهِ وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} (البقرة:74)
يبين ابن عاشور أن القسوة والقساوة توصف بها الأجسام، وتوصف بها النفوس المعبر عنها بالقلوب، فالمعنى الجامع للوصفين هو عدم قبول التحول عن الحالة الموجودة إلى حالة تخالفها.
ويُضَّعف ابن عاشور احتمال أن يكون المراد من القساوة القدر المشترك بين المعنيين؛ الحسي والقلبي، ويُرجح الاستعمال المجازي للقسوة في القلوب، أي الموضوعة للأجسام حقيقة، ويبين أنه قد شاع هذا المجاز حتى ساوى الحقيقة، وصار غير محتاج إلى القرينة، فآل اللفظ إلى الدلالة على القدر المشترك بالاستعمال، لا بأصل الوضع، وقد دل على ذلك العطف في قوله: {أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً}.
وقوله: {فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ} تشبيه فرع بالفاء، لإرادة ظهور التشبيه بعد حكاية الحالة المعبر عنها بـ{قست}؛ لأن القسوة هي وجه الشبه، ولأن أشهر الأشياء في هذا الوصف هو الحجر، فإذا ذكرت القسوة فقد تهيأ التشبيه بالحجر، ولذا عطف بالفاء؛ أي إذا علمت أنها قاسية، فشبهها بالحجارة. (التحرير والتنوير:1/545)
أصحاب القلوب القاسية يُفْتَنون بما يلقي الشيطان
ذُكِرَتْ قسوة القلوب في سياق ذكر تزيين الشيطان الأعمال الضالة، فقال تعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلنَا إِلَى أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ* فَلَوْلا إِذْ جَاءهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُواْ وَلَـكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} (الأنعام:42-43)
فالله تعالى يخبر عن تكذيب الأمم السالفين، والقرون المتقدمين، رسله سبحانه، وأنهم جحدوا بآياته. فأخذهم بالفقر والمرض والآفات، والمصائب، رحمة منه بهم. {لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ} ويلجأون عند الشدة إليه.
لكن قلوبهم استحجرت، فلم تلن للحق. {وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} فظنوا أن ما هم عليه دين الحق، فتمتعوا في باطلهم برهة من الزمان، ولعب بعقولهم الشيطان. (تفسير السعدي: ص256)
والافتتان بما يلقي الشيطان، هو ديدن أصحاب القلوب القاسية، والله تعالى يقول: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ* لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِّلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ* وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} (الحج: 52-54)
يبين السعدي أن الله تعالى يخبر بحكمته البالغة، واختياره لعباده، أن الله ما أرسل قبل محمد، صلى الله عليه وسلم، مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلا إِذَا تَمَنَّى؛ أي: قرأ قراءته، التي يذكر بها الناس، ويأمرهم وينهاهم، {أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ} أي: في قراءته، من طرقه ومكايده، ما هو مناقض لتلك القراءة، مع أن الله تعالى قد عصم الرسل بما يبلغون عن الله، وحفظ وحيه أن يشتبه، أو يختلط بغيره. ولكن هذا الإلقاء من الشيطان، غير مستقر ولا مستمر، وإنما هو عارض يعرض، ثم يزول، وللعوارض أحكام، ولهذا قال: {فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ} أي: يزيله ويذهبه ويبطله، ويبين أنه ليس من آياته، و{يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ} أي: يتقنها، ويحررها، ويحفظها، فتبقى خالصة من مخالطة إلقاء الشيطان، {وَاللَّهُ عَزِيزٌ} أي: كامل القوة والاقتدار، فبكمال قوته، يحفظ وحيه، ويزيل ما تلقيه الشياطين، {حَكِيمٌ} يضع الأشياء مواضعها، فمن كمال حكمته، مكن الشياطين من الإلقاء المذكور، ليحصل ما ذكره بقوله: {لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً} لطائفتين من الناس، لا يبالي الله بهم، وهم الذين {فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ} أي: ضعف وعدم إيمان تام وتصديق جازم، فتؤثر في قلوبهم أدنى شبهة تطرأ عليها، فإذا سمعوا ما ألقاه الشيطان، داخلهم الريب والشك، فصار فتنة لهم.
{وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ} أي: الغليظة، التي لا يؤثر فيها زجر ولا تذكير، ولا تفهم عن الله وعن رسوله لقسوتها، فإذا سمعوا ما ألقاه الشيطان، جعلوه حجة لهم على باطلهم، وجادلوا به، وشاقوا الله ورسوله، ولهذا قال: {وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ} أي: مشاقة لله، ومعاندة للحق، ومخالفة له، بعيد من الصواب، فما يلقيه الشيطان، يكون فتنة لهاتين الطائفتين، فيظهر به ما في قلوبهم، من الخبث الكامن فيها.
وأما الطائفة الثالثة، فإنه يكون رحمة في حقها، وهم المذكورون بقوله: {وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ} لأن الله منحهم من العلم، ما به يعرفون الحق من الباطل، والرشد من الغي، فيميزون بين الأمرين، الحق المستقر، الذي يحكمه الله، والباطل العارض الذي ينسخه الله، بما على كل منهما من الشواهد، وليعلموا أن الله حكيم، يقيض بعض أنواع الابتلاء، ليظهر بذلك كمائن النفوس الخيرة والشريرة، {فَيُؤْمِنُوا بِهِ} بسبب ذلك، ويزداد إيمانهم عند دفع المعارض والشبه.
{فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ} أي: تخشع وتخضع، وتسلم لحكمته، وهذا من هدايته إياهم، {وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا} بسبب إيمانهم {إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} علم بالحق، وعمل بمقتضاه، فيثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة، وهذا النوع من تثبيت الله لعبده. (تفسير السعدي: ص542)
فضمن الحديث المنبثق عن الحلف بمقلب القلوب، وقفت هذه الحلقة عند غلظ القلب، ووصف القلوب بالقاسية، فهي كالحجارة أو أشد قسوة، وأصحاب القلوب القاسية يُفْتَنون بما يلقي الشيطان.
سائلين الله العلي القدير التوفيق للوقوف عند مزيد من الموضوعات والقضايا ذات الصلة بالقلوب وتقلبها، وبمتعلقات ذلك، حسب ما ثبت في الآيات القرآنية والأحاديث الصحيحة المروية عن نبينا محمد، صلى الله وسلم عليه، وعلى آل بيته الطاهرين، وأزواجه أمهات المؤمنين، وأصحابه الغر الميامين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
19 ذو الحجة 1447هـ

تاريخ النشر 2026-06-05
 دار الإفتاء الفلسطينية - القدس