.:: الرسول الأسوة صلى الله عليه وسلم ::.

ينهي الله عن التقدم بين يديه - الحلقة الأولى

==========================================================

يخاطب الله جل في علاه المؤمنين في فاتحة سورة الحجرات، فيقول سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} (الحجرات:1)
في هذه الآية القرآنية الكريمة، ينهى الله عباده المؤمنين عن أن يقدموا بين يدي الله ورسوله، صلى الله عليه وسلم، تفسير المراد بالنهي عن التقدم بين يدي الله ورسوله، في تفسير المراد بالنهي عن التقدم بين يدي الله ورسوله، ثلاثة أقوال:
أحدها، لا تتكلموا بأمر قبل أن يتكلم هو به، ولا تقطعوا في أمر إلا بنظره.
والثاني، لا تقدموا الولاة بمحضره؛ فإنه يقدم من شاء.
والثالث، لا تتقدموا بين يديه إذا مشى، وهذا إنما يجري على قراءة يعقوب: {لا تقدموا} بفتح التاء والقاف والدال، والأول هو الأظهر؛ لأن عادة العرب الاشتراك في الرأي، وأن يتكلم كل أحد بما يظهر له، فربما فعل ذلك قوم مع النبي، صلى الله عليه وسلم، فنهاهم الله عن ذلك، ولذلك قال مجاهد: معناه لا تفتاتوا على الله شيئاً حتى يذكره على لسان رسوله، صلى الله عليه وسلم، وإنما قال: بين يدي الله؛ لأن النبي، صلى الله عليه وسلم، إنما يتكلم بوحي من الله. (التسهيل لعلوم التنزيل، 4/57)
ومما يؤيد ترجيح التفسير الأول، أنه يعم المؤمنين في كل مكان وحين، فتقيد المؤمنين بعد وفاة الرسول، صلى الله عليه وسلم، بالانتهاء عن التقدم بين يديه يكون ممكناً بناء عليه.

الطاعة مطلقة لله ورسوله، صلى الله عليه وسلم
يتفق النهي الرباني عن التقدم بين يدي الله ورسوله، على معنى النهي عن التكلم بأمر قبل أن يتكلم هو به، ومنع القطع في أمر إلا بنظره، مع أمره سبحانه المتضمن في صريح عدد من آيات التنزيل، التي منها قوله عز وجل: {قُلْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَالرَّسُولَ فإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ الْكَافِرِينَ} (آل عمران:32)، وتكرر الأمر بطاعة الله والرسول بصريح اللفظ، في عشر آيات قرآنية أخرى، وذلك على النحو المبين في الجدول الآتي:
السورة رقم الآية النص
آل عمران 132 {وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ}
النساء 59 {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي
شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ}
المائدة 92 {وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ...}
الأنفال 1 {...وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ}
الأنفال 20 {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنتُمْ تَسْمَعُونَ}
الأنفال 46 {وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ...}
النور 54 {قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِن تَوَلَّوا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُم مَّا حُمِّلْتُمْ وَإِن
تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا ...}
محمد 33 {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ}
المجادلة 13 {...وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ}
التغابن 12 {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَإِنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ}

فقد اشتركت هذه المواضع القرآنية في تضمن الأمر الإلهي بطاعة الرسول محمد، صلى الله عليه وسلم، بالاقتران المباشر مع الأمر بطاعته سبحانه، فالطاعتان تلتقيان في لزوم التقيد بالوحي الإلهي المباشر من الله جل في علاه، والصادر عن النبي المصطفى، عليه الصلاة والسلام، كونه لا ينطق عن الله، مصداقاً لقوله عز وجل: {وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى* إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى* عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى} (النجم:3-5)

التقيد بالوحي الإلهي
الرسول، صلى الله عليه وسلم، يؤكد حقيقة تقيده بما يرده من الوحي، والله أمره بالإعلان عن هذه الحقيقة، فقال عز وجل: {قُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ اللّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلاَ تَتَفَكَّرُونَ} (الأنعام:50)، وقال سبحانه: {وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِم بِآيَةٍ قَالُواْ لَوْلاَ اجْتَبَيْتَهَا قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يِوحَى إِلَيَّ مِن رَّبِّي هَـذَا بَصَآئِرُ مِن رَّبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} (الأعراف:203)
وهكذا المؤمنون في شأنهم كله يمنعون شرعاً عن الخروج عن هذه الطاعة، تنفيذاً للأوامر والتوجيهات الربانية، التي منها المتضمنة في قوله عز وجل: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالاً مُّبِيناً} (الأحزاب:36)
والطاعة لله والرسول، صلى الله عليه وسلم، تتسامى على المزاجيات، فتلزم في الأحوال كلها، عملاً بحديث عُبَادَةَ بن الصَّامِتِ، قال: (بَايَعْنَا رَسُولَ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم على السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، في الْمَنْشَطِ وَالْمَكْرَهِ، وَأَنْ لَا نُنَازِعَ الْأَمْرَ أَهْلَهُ، وَأَنْ نَقُومَ أو نَقُولَ بِالْحَقِّ حَيْثُمَا كنا، لَا نَخَافُ في اللَّهِ لومه لَائِمٍ) (صحيح البخاري)
فهذه وقفة تمهيدية للحديث عن نهي الله عن التقدم بين يديه ويدي نبيه، صلى الله عليه وسلم، في ضوء فاتحة سورة الحجرات، التي نرجو أن يتيسر متابعة الوقوف عند المزيد من معانيها وجوانبها، ونسأله سبحانه أن يهدينا للعمل بما يرضيه، وأن يوفقنا لحسن طاعته، وطاعة رسوله محمد، عليه الصلاة والسلام، وعلى آله الطاهرين، وأزواجه أمهات المؤمنين، وأصحابه الغر الميامين، وعلى من تبعه بإحسان إلى يوم الدين.

13 جمادى الأولى 1443هـ

تاريخ النشر 2021-12-17
 دار الإفتاء الفلسطينية - القدس